ملف تحليلي: ليبيا بين الدولة والفراغ (9)
لم يكن النفط في ليبيا يومًا مجرد مورد؛ هو عقدة معنى وسيادة. ومنذ لحظة تحوّل الحقول والموانئ إلى أوراق ضغط، صار الحديث عن الإنتاج والتصدير والميزانية حديثًا عن السلطة لا عن المحاسبة.
النفط والسيادة المؤجلة… حين أصبحت الخزائن جبهة الحرب الأخيرة
بقلم : د.محمد فؤاد
كان النفط يتدفق من الجنوب في تلك الليلة، وكانت السفن تتهيأ في المرافئ كما لو أن البلاد تعمل بشكل طبيعي، غير أن طرابلس – في المدينة التي تُصدِّر من البحر وتستورد من الأسواق – كانت تعيش تناقضًا أقسى من أي مفارقة لغوية : إيرادات ضخمة تُعلنها المؤسسات، ومواطنون يطاردون السيولة كما يطاردون الكهرباء والماء والدواء. في ليبيا لا يبدو الاقتصاد طريقًا للحياة بقدر ما يبدو طريقًا للخصومة، لأن الدولة حين انقسمت سياسيًا بعد 2014 لم تنقسم في الخرائط وحدها، بل انقسم معها “قلبها المالي”، وبدأت معركة من نوع آخر: من يملك مفاتيح الخزائن يملك قدرة تعريف الشرعية، ومن يملك قدرة تعريف الشرعية يملك حق ترتيب المستقبل.
لم يكن النفط في ليبيا يومًا مجرد مورد؛ هو عقدة معنى وسيادة. ومنذ لحظة تحوّل الحقول والموانئ إلى أوراق ضغط، صار الحديث عن الإنتاج والتصدير والميزانية حديثًا عن السلطة لا عن المحاسبة. لهذا تبدو الحلقات الاقتصادية في ليبيا شبيهة بالحروب: تبدأ بخطاب سياسي، ثم تتجسد في قرار إداري، ثم تدفع البلاد ثمنه في السوق، ثم يعود الجميع إلى الطاولة تحت ضغط الألم. وبين هذه الدوائر المتكررة، تتغير الوجوه في الحكومات، لكن لا يتغير سؤال المواطن: لماذا يعيش بلد نفطي على حافة القلق؟
محطة 2020: إغلاق الموانئ… حين أُطفئت الدولة بقرار واحد
في يناير 2020، دخلت ليبيا واحدة من أكثر لحظاتها الاقتصادية فجاجةً من الناحية السياسية، حين أُغلقت منشآت ومرافئ نفطية في ما سُمي “إغلاقًا/حصارًا نفطيًا”، فتراجع الإنتاج بشكل حاد، وبدأت الخسائر تتراكم يومًا بعد يوم. المؤسسة الوطنية للنفط كانت تتحدث باكرًا عن خسائر بمئات الملايين في أيام قليلة من الإغلاق، قبل أن تتحول الأشهر اللاحقة إلى نزيف بمليارات الدولارات وفق تقديرات المؤسسة نفسها لاحقًا، مع أرقام وصلت إلى 8.36 مليارات دولار خسائر حتى منتصف أغسطس 2020 وفق ما نُقل عن بيانات المؤسسة. كما نقلت وكالة أسوشيتد برس عن المؤسسة الوطنية للنفط تراجع الإنتاج إلى نحو 183 ألف برميل يوميًا من قرابة 1.2 مليون في ذروة الإغلاق، في واحدة من أوضح رسائل “شلّ الدولة” عبر بوابة النفط.
ذلك الإغلاق لم يكن مجرد نزاع على موارد؛ كان إعلانًا بأن الاقتصاد صار لغة تفاوض. وحين يتخذ النفط وظيفة “الفيتو”، يصبح المواطن رهينة لقرار لا يشارك فيه، وتصبح الرواتب والتمويل والخدمات العامة أجزاءً من معادلة شدّ الحبل. هكذا بدأ الليبيون يسمّون تلك الأيام بأسماء بسيطة لا ترد في البيانات الرسمية: “أيام السيولة الصعبة”، “أيام البنزين المفقود”، “أيام الكهرباء التي تأتي وتغيب كأنها ضيف متردد”. واللافت أن لحظة 2020 لم تُغلق بسلام اقتصادي؛ بل توقفت كأنها هدنة نفطية لا قرار استراتيجي، بما يعني أن إمكانية تكرار الإغلاق ظلت جاثمة في الخلفية كسلاح جاهز.
حفتر… الجنرال الذي فهم أن النفط أهم من الدبابة
خليفة حفتر ليس مجرد قائد عسكري في سردية الليبيين المعاصرة؛ هو صورة “الحسم” في مخيال جزء من الشرق، ورمز “الانقلاب” في مخيال جزء من الغرب. خلفيته العسكرية وتكوينه كضابط قديم، وعودته بعد 2011، جعلته يتقدم بخطاب واضح: بناء جيش، إنهاء الفوضى، محاربة الإرهاب. لكنه- بحسّ سياسي عملي- لم يتعامل مع النفط بوصفه ملف وزارة أو مؤسسة، بل بوصفه ميزان الشرعية: من يملك القدرة على تعطيل العائدات يملك القدرة على فرض شروطه على الطاولة. لذلك بدا الإغلاق النفطي 2020 امتدادًا طبيعيًا لمنطق “الضغط الميداني” ولكن بأدوات مالية، وهو ما جعل الاقتصاد جزءًا من معادلة القوة لا مجرد نتيجة لها.
محطة 2021: تعثّر الانتخابات… حين تحولت الشرعية إلى قفل اقتصادي
في نهاية 2021، كانت ليبيا تقف أمام لحظة بدت للكثيرين كفرصة أخيرة: انتخابات رئاسية وتشريعية في 24 ديسمبر 2021. لكن الواقع اصطدم بسلسلة من الطعون والخلافات حول أهلية المرشحين والإجراءات القضائية واللجان، وانتهت العملية إلى تأجيل رسمي. تقرير المفوضية الوطنية العليا للانتخابات إلى مجلس النواب تحدّث عن مخالفات وإشكالات قانونية حالت دون إعلان القائمة النهائية للمرشحين، ما مهّد للتأجيل. كما وثقت مكتبة الكونغرس تأكيد المفوضية في 21 ديسمبر 2021 تأجيل الاستحقاق مع الإشارة إلى نزاعات قانونية ومخاوف أمنية.
هنا بالضبط، بدأت العقدة الاقتصادية تُغلق أكثر. فالانتخابات لم تكن موعدًا سياسيًا فقط؛ كانت “وعدًا باستعادة وحدة المؤسسات”، بما فيها المصرف المركزي والإنفاق العام وتوزيع الإيرادات. وحين سقط الوعد، عاد البلد إلى مربعه التنفيذي المتنازع، فصار كل إنفاق حكومي عرضة للاشتباه السياسي، وكل قرار نقدي مادة للاتهام، وكل مشروع تنموي يُقرأ كرشوة سياسية أو محاولة شراء ولاءات. وهذا ما يجعل تعثر انتخابات 2021 في المخيال الشعبي ليس مجرد “تعطيل مسار”، بل بداية مرحلة “اللا-نهاية”، حيث لا انتقال ولا حسم، بل إدارة أزمة مفتوحة.الدبيبة… رجل الأعمال الذي ورث دولة بلا مفاتيح موحّدة


شاركنا برأيك