رواية علي محمد علي الراعي (7)
في الصباح التالي وجد عبدون أثرًا لم يكن من آثار القطيع، خطوًا خفيفًا يقطع الرمل بزاوية لا تسلكها الحيوانات، يتوقف ثم يستأنف، كأن صاحبه كان يتردّد، ولم يكن الأثر واضحًا بما يكفي ليُمسك، ولا خفيًا بما يكفي ليُهمل

تصميم خاص لرواية الراعي
حصريًا لموقع “آخر الكلام”
” هو و العاصفة”
في الصباح التالي وجد عبدون أثرًا لم يكن من آثار القطيع، خطوًا خفيفًا يقطع الرمل بزاوية لا تسلكها الحيوانات، يتوقف ثم يستأنف، كأن صاحبه كان يتردّد، ولم يكن الأثر واضحًا بما يكفي ليُمسك، ولا خفيًا بما يكفي ليُهمل، انحنى الصبي يتفحّصه دون أن يلمسه، شمّ الهواء فالتقط رائحة لا تشبه الصوف ولا الماء ولا الروث، رائحة عابرة كأنها مرّت واعتذرت.
الأثر
على شجيرة قريبة علقت قطعة قماش داكنة، صغيرة، لا تصلح لشيء، لكنها لم تكن من مؤنه ولا من ملابس السيد، مدّ يده ثم سحبها، تذكّر القاعدة، تذكّر الاستثناء، وتذكّر قول السيد عن المرأة، فوقف بين الفكرة والأثر، لا يعرف أيهما أقدم.
التفت حوله فلم يجد سيارة ولا صوتًا ولا ظلًا بشريًا، فقط الصحراء وقد قبلت السرّ ثم سكتت.
عاد إلى القطيع فلاحظ اضطرابًا خفيفًا، ليس خوفًا بل انتباهًا، كأن شيئًا مرّ من هنا وترك ذاكرة قصيرة في الأجساد، حاول عبدون أن يعيد النظام فلم يفعل، لأن النظام هذه المرة لم يُكسر بفعل، بل بإشارة.
وبقي الصبي طوال اليوم يراقب المكان الذي مرّ منه الأثر، لا ينتظر عودة أحد، بل ينتظر أن يثبت لنفسه أن ما رآه كان خطأ قراءة، ومع الغروب أعاد قطعة القماش إلى مكانها ولم يخفها ولم يرفعها، كأنه يخشى أن تتحوّل إلى قاعدة، أو إلى نفي.
وفي الليل حين تمدّد قرب البئر، لم تأته الأشباح، ولم تأته الكلمات، أتته فقط صورة أثرٍ بلا جسد، وعرف، دون أن يقول، أن ما قيل له عن النساء لم يصمد أمام أثرٍ صغيرٍ على الرمل.
العاصفة
لم تكن البدايات سهلة، ولا هادئة كما تبدو من بعيد، كانت الأيام تتشابه، تتكرر، حتى كادت تتحول إلى صمت طويل بلا حدث، إلى أن جاءت العاصفة، لم تأتِ كإنذار… بل كاقتحام.
في ظهيرة خانقة، سكنت فيها الريح لحظة كأنها تلتقط أنفاسها، ثم انقضّت فجأة، عاصفة رملية هوجاء، ارتفعت كجدار يبتلع الأفق، واندفعت نحو العريشة بلا تردد، صرير الخشب، صياح مكتوم، والرمال تضرب كل شيء بلا تمييز.
حاول عبدون أن يثبت، أن يتشبث بما حوله، لكن الجسد الصغير لم يكن ندًا لقوة لا تُرى، اختفى كل شيء في لحظة، الرؤية انطمست، والهواء صار رملًا، والاتجاهات تاهت، خطوة خاطئة كانت كافية… فسقط.
وابتلعته الرمال
تدحرج بعيدًا عن العريشة، على مرمى منها، ثم ابتلعته الرمال، طبقة فوق طبقة، حتى غاب، لم يبقَ منه إلا أثر خافت، كأن الأرض قررت أن تحتفظ به.
أما العريشة، فصمدت، والسياج المحيط بها، المثبّت عميقًا في الأرض، احتضن القطيع، منع عنه الانفلات، فظلّت الأجساد متلاصقة، تهتز، لكنها لا تتفرق، كأنها تعرف أن النجاة في البقاء معًا.
وفوق العريشة، كانت ملابس عبدون الكبير معلّقة على عرقٍ خشبي، تتراقص بعنف مع الريح، تلوّح، تختفي، وتظهر، كراية لا تعرف لمن تُرفع.
ثم… كما بدأت، خفّت العاصفة.

المدفون
تراجع الجدار، وانكشف المكان ببطء، الرمال أعادت رسم كل شيء، غيرت الملامح، وابتلعت ما شاءت أن تبتلع، تحرك القطيع بحذر، كأنهم يختبرون الأرض من جديد، وفي مقدمتهم ذلك الكبش، نفسه، الذي كان يعرف طريقه دائمًا، رفع رأسه، لمح شيئًا غير معتاد، ملابس تتدلى بلا جسد، فاقترب، توقف، شمّ الهواء، ثم الأرض.
دار حول المكان، خطوة بخطوة، حتى ثبت فجأة، كأن شيئًا ناداه من تحت السطح، بدأ يحفر بقدمه، بعنف متزايد، الرمل يتطاير، والهواء يعود إلى ما كان مدفونًا.
ظهر طرف يد.
ساكنة.
مدفونة.
عبدون.
اندفع الكبش، تراجع خطوة، ثم أطلق صوتًا غريبًا، لم يكن صياحًا عاديًا، كان نداءً، حادًا، متكررًا، كأنه يستدعي، لا يُعلن.
تحركت الجمال.
إنقاذ
اقتربت، ببطء أولًا، ثم بسرعة مدروسة، كأنها تفهم ما حدث دون شرح، انحنت، وبدأت تدفع الرمل بأجسادها، بأعناقها، حتى انكشف الجسد الصغير، ساكن، مغطى، بلا مقاومة.
سحبوه، ليس بعنف، بل بحذر غريزي، كأنهم يحملون ما لا يجب أن يُكسر، جرّوه نحو البئر، حيث الماء، حيث الحياة التي لم تكن بعيدة، بدأوا يرشّون عليه الماء، قطرة تلو الأخرى، الماء يزيل الرمل، يكشف الوجه، يعيد الملامح، ببطء، شديد البطء، حتى ارتعش الجسد.
سعل.
دخل الهواء.
فتح عينيه.
لم يرَ شيئًا أولًا، ثم بدأت الصورة تتكوّن، وجوه تحيط به، ليست وجوهًا، بل أعين، أنفاس، أجساد قريبة، لم تتركه.
لم يكن وحده، ولم يكن منقذ نفسه.
في تلك اللحظة، دون أن يُقال شيء، ودون أن يُفهم بالكامل… تكوّن شيء داخله.
دين.
ثقيل.
صامت.
من يومها… لم يعد القطيع فقط ما يقوده، بل ما… أنقذه.
لم يعد أحد يذكر الاسم الأول، ولا حاول هو أن يستدعيه، صار عبدون كما لو أنه خُلق بهذا الاسم، وكأن ما قبله كان مجرد تدريب طويل على ما سيأتي، سنوات لم تمر عليه بقدر ما أعادت تشكيله، نزعت منه التردد، وتركّت له ما يكفي من الصمت ليصير أداة، ثم أكثر من أداة، شيئًا يُفهم دون أن يتكلم.
تكسرت الرغبة في السيطرة
في البداية، حاول أن يقود القطيع كما رأى من قبل، بالصوت، بنداء حاد، يتبعه بحركة يد، فاستجابت بعض الرؤوس، وتجاهلت أخرى، تفرّق الاتجاه، وتكسّرت الرغبة في السيطرة، فصمت، جرّب العصا، لم يضرب، بل لوّح بها، فارتبكت الحركة، تسارعت دون نظام، وكأن الخوف أفسد ما أراد ضبطه، فتراجع، لا لأن التجربة فشلت، بل لأنه أدرك أن الصوت والعصا يوقظان شيئًا لا يمكن التحكم فيه.
في اليوم التالي، اقترب أكثر، دخل بينهم، لا ليقود من بعيد، بل ليصبح جزءًا من الكتلة، تحرك ببطء، راقب الالتفاتات، أي رأس تسبق، أي جسد يتردد، حاول أن يدفع من الخلف، فاندفعوا لحظة، ثم عادوا للفوضى، وكأن الدفع لا يصنع اتجاهًا، بل يخلق هروبًا، فتوقف، وتركهم يهدأون، يتعلم منهم كما يحاول أن يعلّمهم.
القائد
بدأ يلاحظ أن الحركة لا تبدأ من الجميع، بل من واحد، رأس واحدة تلتفت، فتتبعها أخرى، وأن التردد ينتشر كما ينتشر الخوف، فاختار أن لا يخاطب القطيع، بل أن يخاطب تلك البداية، اقترب من أول رأس تتحرك، ثبت نظره عليها، لا يهدد، ولا يعجل، فقط يطيل النظر، حتى توقفت لحظة، ثم تحركت في الاتجاه الذي أراده، تبعتها الأخرى، ثم البقية، لم يكن انتصارًا، لكنه لم يكن صدفة.
كرّر الأمر، مرة بعد مرة، يخطئ، يضيع الاتجاه، يتفرق القطيع، يعود فيجمعه، لا بصوت، بل بصبر، يختار نقطة، يثبتها، يعيد المحاولة، حتى صار يعرف أين ينظر، ومتى، وأي تأخير يفسد النتيجة، وأي استعجال يكسرها.
الجمل والقيادة
حين جرّب الركوب، لم يكن الأمر سيطرة، الجمل لم ينصع له في البداية، اهتز، مال، كاد أن يسقط، فتركه، لم يقاومه، أعاد المحاولة، مرة، ثم أخرى، حتى فهم أن العلو لا يمنحه قوة، بل يحرمه من الإحساس، فنزل، وقاد من الأرض، ثم عاد فركب، هذه المرة لم يشد اللجام، بل ترك الجسد يتوازن، يتحرك مع الحيوان لا فوقه، حتى صار الميل الخفيف كافيًا، وصار الثبات رسالة تُفهم.
ومع الوقت، لم يعد في حاجة للعصا، ولا للصوت، حتى الجسد لم يعد يتحرك كثيرًا، مجرد نظرة، ثابتة، دقيقة، تُعطى في اللحظة التي تسبق الحركة، لا بعدها، فتأتي الاستجابة كاملة، بلا ارتباك، كأن القطيع لم يعد ينتظر أمرًا، بل ينتظر أن يُرى.
ومازالت الرواية تروى





