مقالات
سالم أبو رخا
سالم أبو رخا

كاتب صحفي

حين يتحول التمجيد إلى فن عندهم ويصبح “جريمة” عندنا!

العالم كله كان يعرف أنه مشروع إنتاجي ضخم لإعادة إنتاج أسطورة مايكل جاكسون على الشاشة، واستعادة هالته الجماهيرية، وتقديمه بوصفه “ملك البوب” الذي لا يتكرر.

مشاركة:
حجم الخط:

في لغة السينما وصناعة المحتوى، عندما تقرر تقديم فيلم سيرة ذاتية عن أيقونة فنية بحجم “مايكل جاكسون” أو “أم كلثوم” فإنك تقف فورًا أمام رهان من اثنين لا ثالث لهما:

إما أن تعيد خلق الأسطورة لتتنفس من جديد وتخطف وجدان جيل لم يعاصرها

وإما أن تصنع مسخًا مشوهًا يضرب الذاكرة النمطية والجمعية للمشاهد في مقتل. وهنا تحديدًا، تظهر المقارنة الفجة والأليمة بين تجربتين سينمائيتين معاصرتين.

​صنّاع فيلم “مايكل” فهموا قواعد اللعبة بذكاء شديد؛ فمنذ اللحظة الأولى للإعلان عن المشروع، لم يكن هناك أي غموض بشأن طبيعة العمل.

العالم كله كان يعرف أنه مشروع إنتاجي ضخم لإعادة إنتاج أسطورة مايكل جاكسون على الشاشة، واستعادة هالته الجماهيرية، وتقديمه بوصفه “ملك البوب” الذي لا يتكرر.

 

لم يخرج صناع الفيلم يومًا ليدّعوا أنهم بصدد “تفكيك الأسطورة” أو “هدم الصورة الذهنية”أو “كشف الوجه القبيح” للنجم الأمريكي الشهير.

بالعكس، تعاملوا مع مايكل جاكسون ليس كإنسان عاش ومات فحسب، بل كإمبراطورية بصرية وموسيقية، وكعلامة تجارية وبصرية تحتاج إلى إعادة إحياء واستعادة كاملة للبريق.

​الذكاء هنا تمثل في أنهم لم يقدموا مجرد محاكاة تقليدية باردة، بل نقلوا “الطاقة” الساحرة التي أبهرت الجيل القديم، وقدموها بقوالب إنتاجية وصوتية تناسب أذن وعين الجيل الجديد ومنصات التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية.

والنتيجة؟

أرقام المنصات لا تكذب؛ تحول الفيلم إلى حدث عالمي ضخم، وعادت أغاني جاكسون لتتصدر قوائم الاستماع مجددًا كالأكثر استماعًا اليوم، لأن الفيلم اشتغل كمُحفّز أحيا الإرث وعبر به الأجيال.

​لقد حقق الفيلم نجاحًا مدويًا لأن الجمهور الغربي، ومعه صناع السينما هناك، لا يعانون أصلًا من تلك العقدة المزمنة التي أصابت بعض مثقفينا وصناع فننا تجاه رموزهم الخاصة.

الغرب لا يدخل إلى سيرته الذاتية وهو يشعر بالخجل من أبطاله، ولا يتعامل مع نجومه التاريخيين باعتبارهم “أصنامًا يجب تحطيمها” حتى يثبت أنه متحرر وحداثي وعميق فكريًا.

معصوم مرزوق يكتب: ملك ملوك إفريقيا

الحضور الصوفي في ملحمة المطاريد لـ عمار على حسن

هناك فارق هائل بين عمل فني يحاول الاقتراب إنسانيًا من شخصية عامة، وبين حالة الهوس بتشويه الرموز تحت شعار “الجرأة”

​وهنا تبدو المقارنة مؤلمة مع ما جرى في فيلم “الست”؛ فمنذ اللحظة الأولى، خرج بعض صناع العمل يتحدثون بنبرة متعالية أحيانًا.
مفادها أنهم لا يقدمون “أيقونة مقدسة” بل “إنسانة من لحم ودم” وأن الفيلم “يفكك الأسطورة” ويكشف “الجوانب الإنسانية” في شخصية أم كلثوم.

وكأن المطلوب من أي سيرة ذاتية مصرية أن تبدأ أولًا بتحطيم الرمز حتى تنال رضا النخبة وتخرج من فخ “التقليد الكاريكاتوري”

لكن المفارقة أن الفشل في تناول شخصيات بحجم “أم كلثوم” عربيًا يأتي دائمًا من هذه المقارنة السطحية؛ حيث يجرى التركيز على “المكياج” والملابس وحركة اليد بالمناديل دون الغوص في “الكاريزما” أو الأثر الثقافي.

فيشعر المشاهد بالاغتراب ويفضل المقارنة بين الممثل والأصل، ليتحول العمل إلى “مسخ” يلوث الذاكرة بدلًا من أن يغذيها.

​المثير للسخرية أن هؤلاء الصناع يستشهدون دائمًا بالتجارب الغربية في تناول السير الذاتية باعتبارها نموذجًا للتحرر الفني وعدم التقديس، بينما الغرب نفسه لا يفعل ذلك بالشكل الساذج الذي يتخيلونه.

فيلم “مايكل” ليس محاكمة لمايكل جاكسون، ولا محاولة لتقزيمه، بل عمل احتفائي ضخم، شديد الانحياز لأسطورته، ومصمم أساسًا لاستعادة بريقه الجماهيري.

حتى أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ الأمريكي تُقدَّم غالبًا داخل إطار يحافظ على الهالة العامة للرمز، لأن الصناعة هناك تدرك قيمة “القوة الناعمة” وقيمة الرموز في تشكيل الوعي الجمعي وإدارة الإرث الثقافي.

​أما عندنا، فبمجرد الاقتراب من أي شخصية تاريخية أو فنية، يبدأ استدعاء قاموس محفوظ وبائس: “تفكيك”، “هدم الصورة”، “الوجه الخفي”، “كشف التناقضات”

وكأن الفنان الحقيقي هو من ينجح في انتزاع الرمز من مكانته لا في فهم سر مكانته أصلًا.

والأسوأ أن هذه النزعة تُقدَّم باعتبارها دليلًا على النضج الثقافي، بينما هي في الحقيقة ليست سوى امتداد لـ”عقدة الخواجة”

تلك العقدة التي تجعل البعض يتصور أن الطريق إلى الحداثة يمر عبر جلد الذات والتعامل مع رموزنا كعبء يجب التخلص منه.

في الوقت الذي تحافظ فيه الأمم الأخرى على نجومها وأساطيرها كجزء من صورتها الحضارية والوجدانّية.

الأمريكيون لم يشعروا بالخجل من صناعة فيلم يمجد مايكل جاكسون رغم كل الجدل الصاخب المحيط بحياته.

أنهم يدركون أن الفن ليس دائمًا منصة للهدم

وأن الجمهور لا يدخل قاعة السينما ليشاهد بيانًا حقوقيًا أو جلسة علاج نفسي جماعية ضد تاريخه الفني، بل يذهب بحثًا عن “الشعور” والدهشة.

فالجيل الجديد لن يذهب للسينما ليشاهد “تأريخًا وثائقيًا دراميًا” مملًا يمكن أن يقرأه في الموسوعات، بل يريد لغة جديدة تجعله يخرج من القاعة وهو يضع سماعاته ليكتشف كنزًا غنائيًا صُنع قبل أربعين عامًا.

​المشكلة ليست في تقديم الجانب الإنساني لأم كلثوم أو غيرها، فكل الشخصيات العظيمة كانت بشرًا في النهاية.

والمقاربة الإنسانية يمكن أن تنتج فنًا عظيمًا فعلًا إذا فُهمت بالشكل الصحيح.

لكن الأزمة تبدأ حين يتحول “الإنساني” إلى ذريعة لنزع الهيبة، أو حين يصبح تحطيم الأسطورة هدفًا قائمًا بذاته؛ هنا يفقد العمل توازنه، ويتحول من قراءة فنية إلى موقف أيديولوجي مرتبك من فكرة الرمز نفسها.

​لقد بنت هوليوود إمبراطوريتها أصلًا على صناعة الأساطير لا على تحطيمها؛ صنعت أسطورة البطل الأمريكي، ورجل العصابات، والمغني المتمرد، لأنها تعرف جيدًا أن الجماهير تحتاج إلى الرموز كما تحتاج إلى الحكايات.

بينما يبدو بعض فنّانينا وكأنهم يخجلون من فكرة الرمز ذاتها، فيسارعون إلى هدمها قبل أن يتهمهم أحد بالتقديس أو الانحياز العاطفي.

​ولهذا السبب تحديدًا، يبدو النجاح الكاسح لفيلم “مايكل” بمثابة صفعة ثقافية ونقدية مهمة لكل هذا الخطاب المتعالي الذي يتصور أن الفن العظيم لا يكتمل إلا إذا لوّث صور أبطاله.

فالجمهور، في النهاية، لا يكره أساطيره كما يظن البعض، ولا يشعر بالمتعة في رؤية رموزه مكسورة، مهانة، ومجردة من سحرها.

أحيانًا، يريد المشاهد فقط أن يتذكر لماذا أحبهم من البداية.

شارك المقال: