الحضور الصوفي في ملحمة المطاريد لـ عمار على حسن
من هنا فملحمة "المطاريد" بإيرادها "الصوفية" تكشف عن وعي معرفي فارق.. لكن هل أوردها المؤلف فقط استجابة لموجبات التاريخ؟

صورة تعبيرية للمقال
الأبطالُ والعُمران بِعين الصوفية:
إلامَ تسعى الصوفية؟
وكيف؟
لنحمل ملحمة “المطاريد” شمعة، ونمضي بها.. لعلنا نصل.
كُلُّ روايةٍ تتناول حياة المصريين منذ حُكم الأيوبيين دون أن يرد فيها ذكرٌ لأثر الصوفية، لا يعول عليها
ذلك أن: “صلاح الدين الأيوبي بدأ حكمه بنقل قبر الكيزاني، وهو صوفي سني قاوم شيعية الفاطميين.
ثم استورد صوفية من الشرق، وأنشأ لهم خانقاه سعيد السعداء، وأرسل متصوفة إلى الصعيد ومنهم عبد الرحيم القنائي “
واللافت أن الأيوبي لم يخترع الاهتمام بالصوفية، بل زاد من استثماره، فقد سبقه الفاطميون إذ: ” شجعوا المتصوفة على التوافد إلى مصر لهدف سياسي بحت مفاده تدعيم نفوذهم وتثبيت شرعيتهم “
أحمد سراج يكتب: مأزق أوديب هذا الزمان
أحمد سراج يكتب: ماذا أخفى الإمام محمد عبده مع لأفلاطون؟
وهكذا عُد العصر الفاطمي هو العصر الذهبي للصوفية
ولم يتوقف هذا الاهتمام بل زاد في المماليك درجة أن القرن السابع الهجري عُد “قرن الصوفية”
من هنا فملحمة “المطاريد” بإيرادها “الصوفية” تكشف عن وعي معرفي فارق.. لكن هل أوردها المؤلف فقط استجابة لموجبات التاريخ؟
هل اختفت الصوفية من إبداعات المصريين بعد أن كان لها القدح المعلى الذي تجلى – مثالاً لا حصرًا – في قصائد البوصيري ودرة تاجها البردة وفي رواية عبد الحكيم قاسم “أيام الإنسان السبعة”وفي مسرحية صلاح عبد الصبور “مأساة الحلاج”
وما وجه حضورها – إن حضرت – هل هو ترسيخ للصورة الذهنية غير الواقعية التي يحاول كثيرون ترسيخها ولا علاقة لها بالجوهر الجليل أو يتم استثمار اهتمام القراء بالصوفية فيعبر الكاتب عن مضامين ورؤى تخص مؤلفها لا روح الصوفية.
ورغم التراجع الظاهري للإبداع الصوفي واعتماده على المنجز الشعري السابق، فإنه يحضر في الرواية على تباعد، لذلك فمن اللافت عناية كاتبٌ بهذا الجانب، وكتابته أكثر من عمل فيه، وأعني عمار علي حسن الذي أنتج في هذا الباب مقالات وكتبًا وروايات ترد على كثيرٍ من أسئلتنا.
ورغم صدور “التنشئة السياسية للطرق الصوفية” وفرسان العشق الإلهي” و” وجبل الطير” و”شجرة العابد”، لكننا لحداثة “ملحمة المطاريد” وأهميته، وقدرته الفائقة على معالجة الأثر الصوفي في المصريين، نجعلها موضع القراءة.
الملحمة صدرت في ثلاثة أجزاء عن الدار المصرية اللبنانية بالقاهرة، وعلى الرغم من تغير الحكام والظروف يبقى الفلاح المصري باحثًا عن حقه، ورغم أن الشواديف تقذف بأبناء القرية من هدأتها إلى كل مكان في مصر، فإنهم يتمسكون بحلم العودة وحقها.

عائلتان تتصارعان على المكان والمكانة
تحمل الأولى “الصابرية” عبء التأسيس وإقامة العدل عبر تحقيق المثل العليا الحق، والجمال، والخير، تنحدر من صلب رجل رفض ظلم العباد، فيما تأتي “الجابرية” دون نسب مذكور، معتمدة “الرشاوى” طريقًا، ونفاق الحاكم دينًا، والخيانة منهجًا.
تشبه “المطاريد” بستان الألف فاكهة، وكما تقول العرب: “من أخصب تحير” لهذا فاختيار مدخل واحد يضع القارئ في حيرة شديدة؛ لأن ما تركتَ لـمَّا يزل يغويك، وما اخترت يبدي من زينته ويناديك.
فلو اخترنا مثلاً: سلوك العائلتين تجاه المتغيرات، فسنجد أننا أمام اتساق رغم تعقد المتغيرات، وتباعد الأماكن، وتنافر المتعاملين.
وإن تعاملنا مع مستويات التناص، فسنجد أننا أمام مستويات متعددة، تحيل الرواية إلى عمل شعري بامتياز. لكنني سأختار مدخل: ما علاقة الصوفية بالمطاريد؟
تبدأ الرواية في نجع “مشتول” الذي سيأكله النهر، ولن ينجو منه سوى اثنين؛ “رضوان” ومنقذه، وسيختار له المنقذ مكانًا وراعيًا.
وشيئًا فشيئًا سيعمر رضوان هذه الأرض ويتوسع فيها إلى أن تصير قرية تتسع وتتسع ويخرج أبناؤها إلى كل حدب وصوب.
والسؤال هنا: من المنقذ؟ ولماذا اختار رضوان رغم أن هذا هو لقاؤهم الأول؟ وما علاقة هذا بالصوفية؟
يتحدث الفلاحون عن مالك الحديقة المجهول لكنهم يكتفون بذلك: ” كانوا كلما سألوا أهلهم عن هذه الحديقة، قال كل منهم: “لا نعرف إن كان شجرها قد نبت في الأرض، أم نزل من السماء”
إلا واحدًا يقرر أن يكشف السر
ولهذا يتجه إليها، وفي عرف الصوفية “الباب يفتح للواقف أمامه “
لكن رضوان لا يذهب للباب بل للسور، وهنا يعجز: ” خارت ساقاه، فسقط مكانه مغشياً عليه، وكأن صاعقة قد ضربته، أو سهماً رُشق في قلبه أو رأسه”
على أنه لا يفشل، إذ يأتيه صاحب الحديقة: ” فإذا برجل لم ير مثله من قبل، سخي اللحم والعظم، بهي الطلعة”
يطلب من رضوان أن يركب خلفه على ظهر حصانه، وينطلق به سابقًا فيضان النيل العارم حتى يصل إلى ربوة عالية، بالقرب من الجبل”
يوقظ الفارس رضوان ويسلمه إلى “مجذوب” في خص، ثم يسرع بحصانه لينبه الناس إلى خطر الطوفان العارم.
يجد رضوان نفسه في حضرة رجل مختلف يحيطه بالعناية والرعاية، ثم يدعمه حين يقرر رضوان أن يزرع الأرض التي تحمل حتى هذه اللحظة اسم “نجع المجاذيب” إشارة إلى ثلاثة من مريدي الشيخ أبي الحسن الشاذلي.

لا يتوقف دعم المنقذ فقد:
“جاء جُند بعد ظهر أحد الأيام شاهرين سيوفهم، وكان “رضوان” يشرف على أنفار يحصدون القمح.
دخلوا النجع، وسأل قائدهم: “أين الزاوية؟”
أشار إليهم أحد المجاذيب، وهو يتوجس خيفة: “إنها هذه”
سألوه عن “رضوان الصابر” فأرسل من يستدعيه، فلمَّا جاء أبلغه الجُند أن هناك من سعى لأن يحبس لهذه الزاوية رزقاً من قبل السلطان، وأن الموافقة قد جاءت، وأنه هو من سيقيم على هذه الأحباس، ويكون له حق الانتفاع بها، وينفق منها على أعمال البر”
تعطي الدنيا لرضوان
ويظل كما هو: ” مات وهو في الخامسة والثمانين، يمشي بلا عكاز، ويصلي واقفاً، ويطوح رأسه في حلقات الذكر، ويشمر عن ساعديه أحياناُ لينزع بالفأس الحشائش النابتة حول جذور أشجار الحديقة”
يموت وقد ترك ولديه وهدان وطاهر، ونال من الدنيا كل مشتهى فيما لا يغضب الله.
لا يظهر إبراهيم الجابر في أيام رضوان، وإنما في أيام وهدان، وعلى حين ملكت “الصابرية” على يد “سيد مهاب”ووسط مجاذيب الشاذلي، وعمروا الأرض بعرقهم.
يظهر “الجابرية” برعاية المحتل، وببريق الرشوة: ” بقيت أرض أخرى في الجنوب، مد “وهدان” بصره إليها، وفاتح السجنق المملوكي الذي عيَّنه بني عثمان، لكنه قال له:
“ستؤول إلى شاب في مثل عمر ابنك، يقال له “إبراهيم الجابر”، دفع الحلوان، وسُجلت له في دفاتر الروزنامة.”
ولا يخفي الجابر معرفته بتميز الصابرية ففي لقائه الأول يقول لوهدان عن أبيه رضوان: ” الوحيد الذي أنقذه السيد الكبير المهاب، الذي قيل إنه صديق السلطان، ورضي صاحب الخص أن يشاطره خلوته”
فيما يتمسك الصابرية بأسرار تميزهم حتى حينما تحين الفرصة لأن يصبحوا هم السادة، فها هو وهدان يفخر بلقب النجع رغم أن الحاكم يريد تغيير الاسم إلى لقب عائلة الصوابر:
” وقال: “كنا نتبارك بالاسم القديم، ونعرف من أنه سمي لثلاثة من مجاذيب أبي الحسن الشاذلي، كانوا هم من بنوا أكواخا هنا، والتف الناس حولهم متباركين بهم، وسموا النجع باسمهم.”
ولا ينسون أبدًا زيارة سادتهم:
” وكما فعل معه أبوه حرص على أن يُطلع ابنه على كل شيء. كان يترك له الإشراف على الأرض أيام ابتعاده عنها في زياراته المتكررة إلى المحروسة حيث مسجدي “الحسين” و”السيدة زينب” أو قصده مقامي “أبو الحسن الشاذلي” في “عيذاب” أو سيدي “عبد الرحيم” في “قنا” أو في الأيام التي ذهب فيها إلى أرض “الحجاز” ليحج إلى بيت الله الحرام”
تدور رحى الحياة
وتتحرك العلاقة من مهادنة إلى معاداة سافرة حينًا، ومكائد مخفاة حينًا، ويعي المؤلف أثر فتن الحياة في الإنسان، ويعمد في الوقت ذاته إلى بناء أبطاله “فنيًّا” فلا يظهر بطل ذو بعدٍ واحد.
ولا يقع المؤلف في أثر “طهرانية” تمنع “الصابرية” من الأخطاء، بل يستجيب لمجريات الأحداث، فيكون منهم العالم والزارع وقاطع الطريق.
ليس هذا فحسب بل إنهم في صراع العائلتين الشديد تظهر علاقات الرغبة والحب والزواج، ولا يكون خلاص القرية في النهاية إلا بابن أحد أبطال الصابرية وإحدى عقيلات الجابرية في رحاب ثورة 1919م.
على هذه التقلبات يحتفظ الصابرية بأمور كأنها جينات وراثية
فهم يسعون إلى كنف سادة آل البيت، وشيوخ الصوفية، وهم يميلون دائمًا للعمل المستمر، ويرعون من حولهم، ويضاف إلى الحفدة حلم العودة إلى الصابرية مكانًا، ومكانةً، وكلما ألم بالصابرية من ضاع ولده، من فقد أرضه، من عمه اليأس، لجئوا إلى الشيخ/المجذوب/ البهلول ووجدوا عنده الراحة والبشارة التي تعينه على الصبر والكد حتى يصل أو يرحل مطمئنًا.
ولا يقنع الكاتب بأن يجعل بدء الصابرية على يد صوفي كبير، جذورها ثلاثة مريدين، فينهيها برسائلهم المطمئنة والمحفزة لـ”ناجي” الذي أعاد الزمان دورته الأولى.
والمكان سيرته المثلى، والذي أيضًا فقد ابنه “رضوان”: ” ركب “ناجي” القطار إليه، ومعه “عبد الموجود”
فلمَّا صار بين يدي الشيخ، قال له، دون أن يكون قد سمع منه شيئاً: “يعود الضائع، ودليله محفور على صدره، في يوم ماطر، لن ترى زخاته، ولن ينالك منه بلل.”
نظر إليه بعينين غارقتين في الرجاء، وسأله: هل يكون هذا في يوم قريب؟
صمت الشيخ برهة، وقال: فيما نطقت به إجابة لا يغفلها رجل ذكي مثلك.
وقال “عبد الموجود”: في العبارة إشارة”
لذلك يعود “ناجي” وقد: ” أدرك طرفاً مما كان يعنيه الشيخ “حسن البهي” بان هذا في قوله لزوجته حين عاد: لنهيئ الأمر لولي العهد، هكذا يفعل الملوك، وأصحاب الأملاك”
المعرفة التي جاءت لناجي من مقابلته للصوفي تقوده إلى الرجاء والشوق والأمل، وهذه بدورها تقوده إلى: ” قضى الأيام يعيد القرية إلى سابق عهدها. الجدران التي أكلها الفقر الطويل حتى قدر عليها الماء. الشوارع التي ضاعت ملامحها.
المدرسة التي كان عليه أن يجهزها للمقبلين على العلم. المسجد الذي فارقه المصلون خلال أيام الفيضان العصيبة.
الزاوية التي إن بقيت على حالها فوق الربوة، فهي بحاجة إلى ترميم جدرانها التي تآكلت”
صاغ عمار نصًّا على الكرامات الصوفية
مؤكدًا أن جذور الواقعية السحرية، تعود إلى هنا، ووصل النص إلى أن يكون “كراماتيًّا” ويمكن التحقق من الصفة والمآل بقراءة ما كتبه بدران:
“إن النص الكراماتي هو نص روائي لامتناه يستطيع أن يواكب العصور ليتجاوزها، وهو التدوين الشعبي للأحداث والدول “
بأمر الله وقدرته عَرَف الصوفية؛ فقدَّموا الجمال والخير لمن يستحق، وظلوا عن كَثبٍ يَدعمون المستحقين بأعينهم (رعايتهم) ووحيهم (كراماتهم)
ولله المثل الأعلى” وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا”
فكان منهم الإنقاذ والغرس أولاً لرضوان المنحدر من صلب جندي رفض الاعتداء على الناس، وتحمل صابرًا ضريبة ذلك
ثم كان التمكين والازدهار لوهدان، وكانت الطمأنة لغنوم حين فقد ولده. إلى أن كان الأمر لناجي بإتمام الخير، هكذا الصوفية.. وبهذا نحلم نحن المطاريد؛ بالحق (معرفةً) والجمال (شعورًا) والخير (عملاً).






