مقالات
سيد أمين
سيد أمين

كاتب صحفي ومحلل سياسي

سيد أمين يكتب: الدراما الإيرانية.. دراما الأسرة والمجتمع

تعالج الدراما الإيرانية هذه المشاهد بكثير من التحفظ الذي لا يخل بجودة المحتوى والمضمون، مُعليةً قيم الأسرة والمجتمع على واقعية فاسدة لا تقدم للمشاهد أي قيمة ذات معنى

مشاركة:
حجم الخط:

قرأتُ أثناء دراستي الجامعية أن الهدف الأسمى من فن المحاكاة أو القص أو الدراما بمسماها الحالي بكافة أنواعها -بما فيها المأساة أو الملهاة- هو تقديم العظة والنصيحة الصادقة للمشاهد, من أجل صناعة مجتمع مثالي.

وفي الحقيقة، إنني لم ألمس هذا الأمر إلا في القليل جداً من الفن المصري

بل أحياناً يُخيّل إليّ أن هدم قيم المجتمع هو ما يقف وراء ندرة أعمالها الفنية الجيدة.

وفي المقابل، يبقى الفن السوري أكثر رقياً، لا سيما في أعمال مثل “باب الحارة”، حتى جاءت الدراما التاريخية التركية لتنتشله من نمطية سيطرت على بنائه لفترة طويلة من الزمن، وجعلته يماثل لدى البعض دور أفلام الإثارة، لكونه يركز بشكل أساسي على محاسن المرأة وعلاقاتها العاطفية.

أحد الأعمال الدرامية الإيرانية
أحد الأعمال الدرامية الإيرانية

أما الدراما التاريخية التركية

فقد وثبت بالفن التركي وثبة كبيرة للغاية، وتنامى معها عدد متابعيها بشكل ملحوظ؛ ليحقق مسلسل مثل “أرطغرل” -على سبيل المثال- عدة مليارات من المشاهدات في كافة بقاع العالم.

وفي ذات الوقت، ساهمت هذه الدراما في الارتقاء بنوعية المشاهدين ليكونوا من الفئات الأكثر نضجاً ووعياً وتأثيراً في مجتمعاتهم، بدلاً ممن استهدفتهم الدراما التركية الأخرى من مراهقين وما شابههم.

فضلاً عن أنها أدت دوراً وطنياً لا يُقدّر بثمن لتعريف الأجيال الجديدة في تركيا وحول العالم بعظمة تاريخ الشعب التركي.

وروت لهم الرواية الصحيحة المراد إخفاؤها من تاريخه، والذي هو بالمناسبة تاريخ العالم الإسلامي برمته، وكثير من المجتمعات الأوروبية.

ومع ذلك، فلا تستطيع أن تحكم على أيٍّ من أنواع الدراما السابقة بكونها تستحق وحدها لقب “دراما الأسرة”.

في حين أن الدراما الإيرانية تتربع على عرش هذا اللقب بما تحمله من مضامين تربوية تقدم العظة والعبرة بشكل مكثف في قالب عصري وحضاري، محققةً الهدف الأسمى من وجودها للمجتمع.

وقد تعرف العالم بشكل أعمق على الدراما الإيرانية من خلال إنتاجاتها الدينية لا سيما مسلسل نبي الله “يوسف الصديق”، والعديد من قصص الأنبياء.

وما شدّ الانتباه فيها هو التجسيد المتقن للأماكن التاريخية والشخصيات، والموثقة حسب ما صورها القرآن الكريم والمراجع الدينية السنية والشيعية على حد سواء، مما أوحى بضخامة حجم الإنفاق الذي حظيت به.

هذا الاجتهاد المشكور في الإلمام بكافة معلومات الشخصيات والأماكن، حاز إعجاب ملايين المشاهدين وحقق لها انتشاراً واسعاً فيما اتخذه الكثيرون مرجعاً للوقوف على سير الأولين.

وكان من المفاجئ لملايين المسلمين حول العالم -خاصة في مصر حيث وقعت جل الأحداث لنبيين اثنين- معرفتهم أن المصريين القدماء كانوا يطلقون على نبي الله يوسف اسم “يوزرسيف” مثلاً.

تتميز الدراما الإيرانية بالعديد من السمات التي قد لا نجدها في أي دراما عربية أو تركية

فبينما تُبرز الدرامات الأخرى المشاهد الأسرية وما فيها من تحلل في الملابس والتصرفات والكلمات والإيحاءات الخارجة في كثير من الأحيان داخل الأسرة (وتبرر ذلك بالواقعية الدرامية)

تعالج الدراما الإيرانية هذه المشاهد بكثير من التحفظ الذي لا يخل بجودة المحتوى والمضمون، مُعليةً قيم الأسرة والمجتمع على واقعية فاسدة لا تقدم للمشاهد أي قيمة ذات معنى.

وبناءً على ذلك، فقد صار بديهياً معرفة أن الدراما الإيرانية لا يمكن أن تشاهد فيها أو تسمع ما يوحي إلى الإغراء، حتى لو كانت قصة العمل تتحدث عن علاقة عاطفية أو نزوات المراهقين وما شابه.

بل ستجد حرصاً صارماً على تقديم العظة، وتهذيب السلوكيات، وإظهار أوجه الانحراف وعواقبها الوخيمة، والبدائل الصحيحة لها.

مسلسل ستايش من الأعمال الإيرانية
مسلسل ستايش من الأعمال الإيرانية

ولا تكتفي هذه الدراما بمنع المشاهد المثيرة للغرائز

بل إنها تقوم أيضاً بأعمال التوجيه والإرشاد، والحث على احترام ثقافة المجتمع وهويته حتى في التفاصيل الهامشية.

حيث يدرك المشاهد بسهولة أنه لا توجد تحية يحيي بها الناس بعضهم بعضاً إلا تحية الإسلام “السلام عليكم” يقولها الجميع لبعضهم البعض، لا فرق بين الغني والفقير، أو أصحاب السلطة والشعب، أو أبناء الأحياء الراقية والأحياء الفقيرة.

والمفارقة هنا، أنك بالكاد تسمع تحية الإسلام في الدراما العربية

وإذا سُمعت فإنها دائماً تأتي من الفئات المهمشة والأقل علماً ووعياً، فضلاً عن التجاهل الواضح لكل سلوك إسلامي من ألفاظ، وعادات، ومظاهر، وسلوكيات، وإذا استُخدمت فإن استخدامها يأتي هامشياً أو في طور السخرية والتشويه.

والمثير للدهشة، أننا نجد أن “الواقعية” التي يدعي القائمون على الدراما العربية والتركية والمصرية -على وجه التحديد- الحرص عليها في أعمالهم، تختفي تماماً في جوانب أخرى.

بحيث يندر أن تجد فيها سيدة محجبة، وإذا وُجدت فستكون في حالات محدودة؛ كأن تكون سيدة كبيرة في السن تداري ما حاق بشعرها من مشيب، أو قبيحة الشكل، أو سيدة سيئة السلوك تتخفى خلفه.

الدراما الإيرانية هي بحق دراما الأسرة والمجتمع، التي تستطيع أن تشاهدها مع أسرتك دون خجل.

شارك المقال: