إبداع
محمد فرحات
محمد فرحات

كاتب وناقد

محمد فرحات يكتب: المأساة حتمية تاريخية لدى أحمد سراج

استحضار رائع من (سراج) مستعرضًا أصول المأساة، على لسان أبي بكر بن زيدون، وزير المعتمد لحين السقوط!! ومن زمن العرب الأول، وحرب البسوس

مشاركة:
حجم الخط:

قراءة تأمّلية في “الأرض الأخيرة” أحمد سراج

تأتي مسرحية أحمد سراج “الأرض الأخيرة” كتتويج لتجربة كتابية إبداعية أندلسية ممتدة بدأها سراج بـ”زمن الحصار” و”لمسة البعث”، لكن هذا العمل لا يكتفي بإعادة تمثيل مأساة الأندلس، بل يفكك الوعي العربي ذاته.

كثافة النص 

النصّ، بكثافته الشديدة، يضعنا أمام مأساة مركّبة: مأساة المعتمد بن عباد، ومأساة عصره، ومأساة وعينا نحن بتاريخ لم نتوقف يومًا عن استعادته بعين الإعجاب أو اللوم، دون أن نقرأ البنية العميقة التي صنعت السقوط.

“عيون بيروت” لعزة طويل: حين تصبح المدينة بطلاً 

محمد فرحات يقرأ: كتاب (بغير علم الوصول)

محمد فرحات يكتب: خبز البحر

أولًا: الأندلس… حين يصبح الصراع عربيًّا ـ عربيًّا

يبدو للوهلة الأولى أن “الأرض الأخيرة” تتناول صراعًا عربيًا ـ أوروبيًا بين المعتمد وألفونسو السادس(الأذفونش، بلغة مؤرخي العرب القدامى)، غير أن جوهر المسرحية يعيد تعريف المشهد تمامًا:
التهديد الحقيقي ليس خارجيًا فقط، بل ينبع من الداخل، من التمزق العربي، ومن غياب مشروع جامع يستطيع مواجهة الخطر المتصاعد.

هزيمة من الداخل 

نحن قوم لا يهزمنا العدو، إلا إن كان منا، عُد إلى أول الأمر، حين صار كليب بن وائل ملكًا، من الذي قتله؟ جساس ابن عمه، ومن قتل جساسًا؟ ابن اخته، وهنا في هذه الجزيرة من قادنا لهذا؟ كم حربًا خضناها ضد إخوتنا؟

الاستحضار الفريد لأحمد سراج 

استحضار رائع من (سراج) مستعرضًا أصول المأساة، على لسان أبي بكر بن زيدون، وزير المعتمد لحين السقوط!! ومن زمن العرب الأول، وحرب البسوس.

البسوس بنت منقذ بن سلول قُتلت ناقتها على يد كليب بن ربيعة، فولولت البسوس وغضبت وكان ما كان من تلك الحرب العبثية الأربعينية، استمرت أربعين سنة!! بين أبناء العم ولن تكون الأخيرة، لا تحسبني، عزيزي القارئ، متحيزًا لرأي مُسبق، لا سمح الله.

هذا المعنى نفسه هو ما تطرحه المسرحية عبر ثنائية المعتمد ـ ابن تاشفين:

المعتمد يستغيث بالقوة المغربية الصاعدة/ابن تاشفين يرى في الأندلس امتدادًا طبيعيًا لدولته الآخذة في التشكل، كلاهما يتوجّس من الآخر، وكلاهما يتصارع على شرعية لا تكفي اثنين.
وهنا تتجلّى المفارقة الكبرى:

المنقذ (ابن تاشفين) يتحوّل إلى مُستبدّ، يمارس القتل في أبناء المعتمد وسبي بناته، لذلك تتبدّى المفارقة الكبرى حين يتحوّل ابن تاشفين المنقذ أولًا، إلى قوة تجتاح مُلك المعتمد، وتقتل أبناءه الأربعة، وتسبى بناته، وتمارس عليه من العسف ما لا يختلف كثيرًا عمّا كانت تفعله القوى التي جاء ابن تاشفين نفسه لإنقاذ المعتمد منها.

قسوة الداخل لا تقل عن قسوة المعتدي 

وكأن المسرحية تقول إن قسوة الداخل لا تقل عن قسوة الخارج، وإن الظلم حين يتجذر لا يحتاج إلى علّم مختلف أو عقيدة أخرى ليُمارَس، كما لو أن النصر يمنح للمنتصر حق المحو، لا يختلف في ذلك منتصر أجنبي أو منتصر من بني العمومة والدم الواحد.

هذه المفارقة ليست تاريخية فحسب، بل تيمة معاصرة: الهروب من طاغية يؤدي إلى طاغية آخر، وكأنه قدرٌ لاينفك بالدوران في جهنم الاستبداد ذاته.

ثانيًا: هل الفنُّ ترفٌ أم ضرورة حضارية؟

هل سقطت الأندلس بالترف والحياة الرغدة؟وكأن الفقر وشظف العيش هو معيار القوة، مجرد جملة اعتراضية في سؤال لا أكثر. أم بسقوط الإرادة؟ أم بالاستبداد ؟ أم بالصراع العربي ـ العربي الذي جعل من الأرض الفِردَّوسِيّة ميدانًا للمنافسات العمياء؟
من الأسئلة العميقة التي تطرحها المسرحية، وإن بطريقة مواربة، إعادة النظر في المعادلة التقليدية:
ازدهار الفنون = ضعف الدولة
الصرامة العسكرية = القوة والازدهار السياسي

هذا التصنيف السطحي الشعبوي المختوم بختم الفاشية اللعين!

فالفنون جزءٌ من البنية الفوقية التي تعكس مدى تفوق البنية التحتية من قوى إنتاج وعلافات إنتاج، فما القوانين والدين والأخلاق والفن والأدب والفلسفة والعمارة وحتى الترف سوى مؤشرات لارتفاع مستوى الحضارة المادية، لا علامات انهيارها.

وسائل النصُّ المتلقي:

إذا كانت الفنون هي سبب السقوط، فلماذا شهدت الدول التي ادّعت الصرامة العسكرية ذاتها سقوطًا مماثلًا؟
ألم يمرّ المرابطون أنفسهم، الذين أسقطوا ملوك الطوائف، بالدورة نفسها وصولًا إلى الضعف والانحلال؟
ثم بمَ أبهرت الحضارةُ العربيةُ الغربَ الأوروبيَ ذاته، أليست فلسفة ابن رشد التي شرحت وحفظت فلسفة اليونان، أليس الشعر الأندلسي الذي ألهم شعراء التروبادور وكانت بذرة الشعر الرومانسي الأوروبي، ألسيت الموسيقى والمقامات الموسيقية الأندلسية بذرة الموسيقى اللاتينية الرائعة.

هنا يلمّح النصُّ إلى قانون تاريخي عام:

لا حضارة دون فن، ولا فن دون بنى مادية عميقة، ولا استبداد يمكنه أن يصنع استقرارًا طويلًا، وهذه هي تيمة النص المعاصر الموازي لنص المعتمد التاريخي؛ مجموعة من الفنانين و الأدباء العرب والأسبان يلتقون في ضريح المعتمد بأغمات مراكش المشيد بجهود دوقة ألبا الأسبانية، لتمثيل نصٍ مسرحي لذات الحقبة التي هي تيمة النص التاريخي إذ التقت الإنسانية على قاعدة الفنون، والآداب، لا على قاعدة الحروب الدموية أو الصراعات الصفرية.

أحمد سراج مؤلف مسرحية الأرض الأخيرة
أحمد سراج مؤلف مسرحية الأرض الأخيرة

ثالثًا: المعتمد بن عباد… بطل تراجيدي أم ملكٌ تحاصره خياراته؟

السؤال الذي يشغل المسرحية، ويعود إليه القارئ مرارًا، هو:
هل كان المعتمد بطلًا تراجيديًا أرسطيًا؟

وهل كان سقوطه نتيجة خطأ تراجيدي(هامارتيا)؟
تُقدِّم المسرحية المعتمد في صورة بطل تكاد تنطبق عليه السمات الكلاسيكية بصورة واعية من الكاتب.

لكنه يقترب من الملك لير حين يفقد ملكه وأولاده، ومن أوديب في صراعه مع قدره، بل ومن ماكبث في عجزه عن تمييز الصواب وسط الضباب السياسي.

وهنا أحاول البحث في نص “الأرض الأخيرة” عن الشروط الكلاسيكية التي اشترطها أرسطو ليصبح البطل مآساويًّا:

الوعي بالمصير… لا الغفلة عنه:

المعتمد على وعي مرير بالحصار، وعيٌ يجعله أقرب إلى أبطال التراجيديا الكلاسيكية الذين يسيرون إلى هلاكهم بعيون مفتوحة، إنه يرى الفخاخ كلها، لكنه لا يعرف طريقًا للخلاص منها.
“هل ترى لو أن طائرًا في عشه تنتظره سهام الصائدين أن يخرج، وتصعد إليه حية، وينتظره جارح في السماء… فهذا الطير أبوك…”.

وفي المقال القادم نستكمل حكاية أحمد سراج مع الأرض الأخيرة 

 

شارك المقال: