مقالات
د. أيمن خالد
د. أيمن خالد

باحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي

د. أيمن خالد يكتب: من التفاوض إلى فرض الوقائع بالقوة

ما بين هذا القرار وردود الفعل المتوقعة من إيران، يقف العالم أمام مشهد شديد الحساسية، تتقاطع فيه الجغرافيا مع الاقتصاد، والسيادة مع القانون الدولي، والردع مع احتمالات الانفجار.

مشاركة:
حجم الخط:

لم يعد مضيق هرمز مجرد ممرٍ مائي تمر عبره ناقلات النفط، بل تحوّل إلى نقطة اختبار كبرى لإرادات القوى الدولية، بعد إعلان الولايات المتحدة فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، في خطوة تعكس انتقال الأزمة من التفاوض إلى فرض الوقائع بالقوة.

وما بين هذا القرار وردود الفعل المتوقعة من إيران، يقف العالم أمام مشهد شديد الحساسية، تتقاطع فيه الجغرافيا مع الاقتصاد، والسيادة مع القانون الدولي، والردع مع احتمالات الانفجار.

ممر مائي ساحة اشتباك 

إن أخطر ما في هذا التطور لا يكمن فقط في طبيعته العسكرية، بل في تحويل ممر دولي حيوي إلى ساحة اشتباك مفتوحة.

فحتى لو لم يُغلق المضيق بالكامل، فإن مجرد عسكرة الملاحة، واعتراض السفن، وارتفاع احتمالات الاحتكاك، كفيل بإحداث صدمة فورية في أسواق الطاقة، ورفع كلفة التأمين والشحن، ودفع أسعار النفط نحو مستويات غير مستقرة.

فالسوق لا ينتظر وقوع الأزمة، بل يتفاعل مع احتمالاتها، وفي هرمز تكفي “الإشارة” لإشعال الارتفاع.

د. أيمن خالد يكتب: هدنة إعادة كتابة مفاتيح القوة

د. أيمن خالد يكتب: إيقاف في إيران واشتعال لبنان

د. أيمن خالد يكتب: تركيا فن التوازن في زمن الاضطراب

ترامب يحاول ما لم يتحقق في إسلام باد 

سياسيًا، يعكس القرار الأميركي قناعة بأن التفاوض لم يعد كافيًا لضبط سلوك إيران، وأن ما لم يتحقق على طاولة إسلام آباد يمكن فرضه عبر الضغط البحري. فواشنطن لا تسعى فقط إلى فتح المضيق، بل إلى منع طهران من تحويله إلى ورقة تفاوضية دائمة.

في المقابل، ترى إيران أن ما جرى في الحرب الأخيرة منحها هامشًا سياديًا جديدًا، وأن التراجع عنه يعني خسارة سياسية لا تقل خطورة عن الخسارة العسكرية، ولهذا فإنها لن تتعامل مع الحصار كإجراء تقني، بل كمساس مباشر بسيادتها.

شرعية الحصار البحري 

من الناحية القانونية، يفتح هذا التصعيد بابًا واسعًا للتأويل. فحرية الملاحة في المضائق الدولية مبدأ راسخ في قانون البحار، ولا يجوز فرض رسوم عبور أو تعطيل المرور بشكل أحادي.

لكن في المقابل، فإن فرض حصار بحري واسع يثير بدوره تساؤلات حول شرعيته وحدوده، خاصة إذا تجاوز حماية الملاحة إلى التحكم بها بالقوة.

وهنا تتشكل مفارقة قانونية معقدة: طرف يهدد بالمناورة عبر الجغرافيا، وآخر يُتهم بفرض النظام بالقوة.

استراتيجيًا، نحن أمام أخطر مرحلة في هذه الأزمة: مرحلة التنفيذ لا التهديد. فإزالة الألغام، واعتراض السفن، ومراقبة الحركة البحرية، كلها إجراءات تتطلب احتكاكًا مباشرًا، ومع أي خطأ في التقدير أو حادث عرضي، يمكن أن يتحول المشهد إلى اشتباك بحري يتدحرج بسرعة إلى ضربات جوية.

كيف ستقع المواجهة؟ 

لذلك فإن السؤال لم يعد: هل ستقع مواجهة؟ بل: متى وكيف ستقع، وبأي حجم؟

اقتصاديًا، العالم هو الخاسر الأول. فهرمز لا يخدم دولة بعينها، بل يغذي أسواق الطاقة العالمية، وأي اضطراب فيه سينعكس على الصناعة، والنقل، والغذاء، والتضخم.

ومع دخول قوى كبرى مثل الصين وروسيا في معادلة التوازن، يصبح المضيق ليس مجرد ممر، بل عقدة في شبكة المصالح العالمية.

في المحصلة، ما نشهده اليوم ليس أزمة عابرة، بل إعادة تعريف لقواعد اللعبة في الخليج. فإما أن تُعاد صياغة معادلة الملاحة والسيادة عبر تفاهم جديد، أو أن تستمر الأزمة في مسارها التصاعدي، حيث تتحول كل سفينة إلى رسالة سياسية، وكل حركة بحرية إلى اختبار للردع.

خلاصة الأمر، مضيق هرمز لم يعد ممرًا للنفط فقط، بل أصبح ممرًا للصراع، ومن يسيطر عليه لا يملك الجغرافيا فحسب، بل يملك إيقاع الاقتصاد العالمي

شارك المقال: