علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
محمد الروبي
محمد الروبي

كاتب صحفي

محمد الروبي يكتب: عن الثورة والخراب، حين تختفي الحقيقة خلف دخان الحرائق

لعل أخطر ما تفعله هذه الدعاية أنها تضعنا أمام اختيار زائف، إما الطاغية وإما الفوضى. فإذا رفض الناس الفوضى، قيل لهم إن عليهم قبول الطاغية. وإذا طالبوا بالحرية، أُشهرت في وجوههم صور التخريب.

مشاركة:
حجم الخط:

كلما رأيت مشاهد النهب والتخريب المصاحبة لبعض الاحتجاجات في باريس أو غيرها من العواصم الغربية،

تذكرت ذلك الهتاف المازال يردده الفلول وإعلاميوهم ، “انظروا ماذا تفعل الثورات!”.جملة قصيرة، لكنها تحمل خدعة كاملة.

الدمار في فرنسا
الدمار في باريس

فهي لا تكتفي بإدانة التخريب، وهو أمر لا خلاف عليه، بل تسعى إلى تحميل الثورة كلها مسؤولية ما يرتكبه بعض

المشاركين فيها، وإلى محو الأسباب التي دفعت الناس إلى الشوارع، وكأن تحطيم واجهة متجر يكفي لإبطال حق شعب في الحرية والكرامة.

الفوضى في شوارع باريس
الفوضى في شوارع باريس

والأخطر أن هذه الحيلة تنقل النقاش من  ” لماذا غضب الناس؟” إلى” ألم يكن الصمت أفضل؟”

وهكذا يتحول التخريب إلى ذريعة ثمينة لكل من يريد إقناع الناس بأن الاستبداد أقل كلفة من الحرية.

ميدان التحرير .. 25 يناير 2011

وهنا أتذكر ميدان التحرير في 25 يناير 2011. أتذكر كيف كان الميدان، في ليالي الاعتصام، صورة مختلفة تمامًا عما أراد البعض أن يختزل الثورة فيه.

كان المعتصمون ينظفون المكان كل ليلة، ويتقاسمون ما تيسر من الطعام، ويطببون الجرحى، ويساعد بعضهم بعضًا، على اختلاف أعمارهم وانتماءاتهم وخلفياتهم.

شباب مصر ينظفون الميادين يوم 12 فبراير بعد تنحي مبارك (أنها مصر)
شباب مصر ينظفون الميادين يوم 12 فبراير بعد تنحي مبارك (أنها مصر)

لم يكونوا جميعًا يعرفون بعضهم قبل أن تجمعهم الساحة، لكنهم اكتشفوا بينهم روابط إنسانية لم تكن الشعارات وحدها قادرة على صنعها.

خمسة عشر عاما مرت حتى الآن على الربيع العربي، في موجته الأولى
خمسة عشر عاما مرت حتى الآن على الربيع العربي، في موجته الأولى

كان الثوار يتدخلون لمنع من يندفعون إلى تحطيم واجهة محل أو الاعتداء على ممتلكات الآخرين.

لم يكن هؤلاء جميعًا من أصحاب الخبرة السياسية، لكن كثيرين منهم كانوا يدركون بفطرتهم أن الثورة التي

خرجت دفاعًا عن الكرامة و العدالة الاجتماعية لا ينبغي أن تتحول إلى اعتداء على كرامة الآخرين أو أرزاقهم.

أتذكر أيضًا اللجان الشعبية التي تشكّلت في الأحياء حين غابت الشرطة عن الشوارع.

حين وجد الناس أنفسهم أمام مسؤولية حماية بيوتهم وأسرهم وممتلكات جيرانهم من الذين حاولوا استغلال الفراغ الأمني للنهب والاعتداء.

لم ينتظروا سلطة تأمرهم، بل بادروا إلى حماية مجتمعهم بإمكاناتهم البسيطة، في لحظة كان الخوف فيها

يطرق أبواب البيوت، وقفوا في مداخل الشوارع، وتناوبوا الحراسة، وتعاونوا في حماية ما يملكه الناس.

هذه الملايين لم يصدر منها إلا ما يجعلنا فخورين أننا كنا هناك في قلب هذا الشعب
هذه الملايين لم يصدر منها إلا ما يجعلنا فخورين أننا كنا هناك في قلب هذا الشعب

أليست هذه أيضًا من صور يناير؟ أليس من حق هذه المشاهد أن تبقى في الذاكرة، مثلما تبقى مشاهد

التخريب؟ لماذا يُراد لنا أن نتذكر من استغلوا غياب الشرطة، وننسى الذين تصدوا لهم؟ لماذا نتذكر من حطموا

الممتلكات، وننسى من سهروا لحمايتها؟

ولماذا يصبح خطأ يرتكبه بعض الناس دليلًا على فساد مطالب الجميع، بينما لا يُنظر إلى ما دفعهم أصلًا إلى الاحتجاج؟

هنا تبدأ الخدعة الإعلامية، اختر أسوأ صورة في مشهد واسع، وكرّرها حتى تصبح هي المشهد كله. تجاهل من

ينظفون الميدان، وأبرز من يحطمون واجهة متجر. لا تتحدث عن الجرحى الذين يتلقون العلاج، بل عن الزجاج المهشم.

لا تسأل عن أسباب الغضب، بل عن خسائر الممتلكات. وبعد ذلك، اترك للمشاهد أن يستنتج أن المشكلة ليست في الظلم الذي أخرج الناس إلى الشوارع، وإنما في خروجهم ذاته!

بهذه الطريقة، تُحجب الأسباب وتبقى النتائج، ويُطلب من الناس أن يحاكموا الاحتجاج بمعزل عن الظروف التي أنتجته.

وحين تتكرر الصورة بما يكفي، يصبح من السهل إقناع الخائف بأن استعادة الهدوء، بأي ثمن، أهم من البحث عن العدالة التي غابت وأشعلت الغضب.

لا يعني ذلك أن كل تخريب مؤامرة، أو أن كل من يرتكب جريمة وسط الاحتجاجات يعمل لحساب السلطة.

لكن من حقنا أن نسأل، من المستفيد من تحويل المطالب المشروعة إلى مشاهد منفرة؟ ومن الذي يربح حين

تنصرف الأنظار عن أسباب الغضب إلى نتائجه الأكثر فداحة؟

ومن الذي يجد في الفوضى ذريعة لتبرئة نفسه من المسؤولية؟إن التخريب يضر بقضية المحتجين، ويمنح خصومهم فرصة لتشويهها.

لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يبرر خداع الناس، ولا يمنح أحدًا حق استخدام أخطاء البعض لإدانة الجميع، أو

لتحويل الاستبداد إلى ضرورة وطنية، وكأن الشعوب لا تستحق الأمن إلا إذا تخلت عن حقها في الاعتراض.

الدمار في باريس
الدمار في باريس

ولعل أخطر ما تفعله هذه الدعاية أنها تضعنا أمام اختيار زائف، إما الطاغية وإما الفوضى. فإذا رفض الناس

الفوضى، قيل لهم إن عليهم قبول الطاغية. وإذا طالبوا بالحرية، أُشهرت في وجوههم صور التخريب.

وكأن العدل مستحيل، وكأن القانون لا يستطيع حماية الممتلكات وصون الحريات في الوقت نفسه، وكأن

الوطن لا يتسع إلا لمستبد يحكم أو لغاضب يهدم.

حين يقولون لنا اليوم “انظروا ماذا تفعل الثورات”، فلننظر نحن إلى الصورة كاملة، ولنسألهم أيضًا، لماذا لا

تقولون انظروا ماذا يفعل الظلم بالناس حتى يخرجوا إلى الشوارع؟

ولماذا لا نتحدث عن الأسباب التي جعلت التغيير ضرورة في نظر هؤلاء، بدلًا من الاكتفاء بتخويف الآخرين من نتائجه؟

فالأوطان لا تُنقذ بالاستبداد، كما لا تُبنى بالتخريب. ولا ينبغي لشعب أن يختار بين سندان الطغاة ومطرقة الناهبين.

حقه أن يرفض الاثنين معًا، وأن يحلم بوطن يحمي فيه القانون الناس وممتلكاتهم، وتُصان فيه كرامتهم،

ويكون التغيير ممكنًا من دون خوف أو قمع.

أما أن نرى الخراب وحده، فذلك ليس رؤية للحقيقة، بل نصف حقيقة، الذي هو كذب كامل.

الدمار في فرنسا
الدمار في فرنسا

شارك المقال:

شاركنا برأيك