محمد فؤاد يكتب: محمد مرسي والرئاسة المدنية من الذي أغلق الباب؟
يقول الكاتب إن مرسي وصل إلى القصر، ولم يصل كاملًا إلى الدولة، وهذه في رأيي مفتاح الأزمة لا تفصيل ثانوي فيها.
محمد مرسي وهشام قنديل والسيسي
قراءة نقدية في مقال الدكتور أيمن منصور ندا
قرأت باهتمام وتقدير عميق مقال صديقي العزيز الدكتور أيمن منصور ندا «محمد مرسي.. أول رئيس مدني منتخب وآخرهم!»
وأكنّ لكاتبه احترامًا بالغًا لثقافته ورصانة أسلوبه وقدرته على وصل التاريخ بالفكر السياسي، لكن الاحترام لا يمنع الاختلاف، بل يدعونا إلى مناقشة أطروحته بإنصاف.
وخلافي ليس حول أحقية نقد مرسي وجماعة الإخوان، وإنما حول تحميلهما وحدهما مسؤولية تعثر الرئاسة المدنية في مصر.
أولًا: بلاغة التشبيه ليست دليلًا
يقدم الكاتب مرسي بوصفه رجل تنظيم لا رجل دولة، ويقارنه بميدفيديف، أربكان، وأردوغان، مستعينًا بنظرية «الأصيل والوكيل» وبـ«القانون الحديدي للأوليجاركية»
هي أدوات تفسيرية مثيرة للاهتمام، لكنها لا تكفي لإثبات أن قرارات الرئاسة كانت صادرة بالفعل عن مكتب الإرشاد.
فالتنشئة التنظيمية تؤثر في شخصية السياسي، لكنها لا تلغي استقلاله بالضرورة، كما أن استبعاد خيرت الشاطر وترشيح مرسي بدلًا منه لا يثبتان أن الأخير ظل وكيلًا فاقد الإرادة.
المطلوب أدلة على آليات اتخاذ القرار، لا صورة بلاغية للرجل تصبح تفسيرًا شاملًا لكل ما فعله، وربط افتقاره إلى المرونة بتخصصه الهندسي تعميم غير مقنع، فليس كل مهندس عاجزًا عن السياسة، ولا كل دارس لها ناجحًا في ممارستها.
ثانيًا: رئيس منتخب في دولة لم تستقر قواعدها
يقول الكاتب إن مرسي وصل إلى القصر، ولم يصل كاملًا إلى الدولة، وهذه في رأيي مفتاح الأزمة لا تفصيل ثانوي فيها.
فقد بدأ ولايته بعد حل مجلس الشعب وصدور الإعلان الدستوري المكمل في يونيو 2012، وسط صراع مفتوح على الصلاحيات، وارتياب متبادل بين الرئاسة ومؤسسات الدولة والقوى السياسية.
لا يبرئ ذلك مرسي من إخفاق الإدارة، لكنه يمنع تقييم أدائه كما لو كان يقود مؤسسات مستقرة ومحايدة.
والسؤال الحقيقي:
هل عجز عن إدارة الدولة وحده، أم أن الدولة وقواها لم تتوافق أصلًا على قواعد الخضوع لسلطة مدنية منتخبة؟ الإجابة الجادة تشمل العاملين.
ثالثًا: الصندوق ليس كل الديمقراطية لكنه ليس بلا قيمة
أصاب الكاتب حين انتقد اختزال الديمقراطية في الفوز الانتخابي، فالحكم يستلزم الحقوق والتعددية والرقابة والتوافق، لكنه لم يمنح الوجه المقابل حقه: فقدان الرئيس شعبيته لا يسقط تلقائيًا شرعيته الدستورية.
فاز مرسي في انتخابات 2012 بنسبة 51.73%، ولو كان كثيرون قد انتخبوه رفضًا لأحمد شفيق، فالتصويت ضد مرشح لا يقل شرعية عن التصويت حبًا في منافسه.
أما التكهن بأن مرشحين آخرين كانوا سيهزمونه «باكتساح»، فهو افتراض لا واقعة تاريخية.
الديمقراطية تتطلب تقييد سلطة الفائز، لكنها تتطلب أيضًا ألا يتحول رفضه إلى طريق يتجاوز آليات تداول السلطة.
رابعًا: أخطاء لا تحتاج إلى تهويل
ارتكب مرسي والإخوان أخطاء سياسية جسيمة. كان إعلان نوفمبر 2012 الذي حصّن قرارات الرئيس من الطعن ضربة للثقة، وأفضت إدارة المسار
الدستوري والاستقطاب الحاد إلى تقليص فرص التوافق الوطني.
ولم تنجح الجماعة في التمييز بين امتلاك أغلبية انتخابية وبناء شرعية جامعة، كما أثارت التعيينات الحزبية وممارسات بعض أنصارها مخاوف مشروعة من الهيمنة.
لكن النقد الدقيق يفرق بين محاولات التمكين المثبتة وبين الجزم بوجود مشروع مكتمل لـ«أخونة المجتمع»
فالمخاوف الشعبية حقيقة سياسية ينبغي فهمها، وليست بمفردها دليلًا على تحقق كل ما خشيه الناس.
كما أن إخفاق «مشروع النهضة» وضعف التواصل السياسي لا يجعلان التجربة سببًا وحيدًا لما آلت إليه البلاد.
وقد كشف برنامج «المائة يوم» واجتماع سد النهضة المذاع على الهواء حدود الخبرة السياسية والإدارية، لكن إخفاقات الأداء لا تكفي وحدها للحكم على مصير الديمقراطية.
حتى السخرية السياسية، على أهميتها في مساءلة الحاكم، لا تحل محل تحليل ميزان القوى ومسؤولية المؤسسات.
ولا بد كذلك من نقد «سردية المظلومية» لدى الإخوان، فقد جعلتهم خبرات القمع السابقة أكثر ارتيابًا، وأحيانًا أقل استعدادًا لمراجعة أنفسهم.
لكن كون التنظيم بالغ في تفسير الأحداث بالمؤامرة لا يعني أن خصومته مع مراكز قوة قائمة كانت وهمًا كاملًا.
الإنصاف يقتضي رفض التفسير التآمري الشامل، ورفض إنكار العوائق الحقيقية في الوقت نفسه.
خامسًا: أين مسؤولية المعارضة؟
يحاسب المقال الرئيس وجماعته، ولا يفحص بالقدر نفسه خيارات المعارضة.
لم يكن المشهد انقسامًا بين سلطة ترفض التوافق وقوى تسعى إليه دائمًا، فقد افتقرت أطراف متعددة إلى الثقة والاستعداد للتسوية.
إذا كان مرسي مطالبًا باحترام حق خصومه في الاعتراض، فقد كانت المعارضة مطالبة أيضًا باحترام إمكان بقائه حتى يُحاسَب أو يُستبدل بإجراءات دستورية.
لا تتساوى المسؤوليات بالضرورة؛ فصاحب السلطة يتحمل عبئًا أكبر، لكن انهيار الانتقال لم تصنعه قرارات جهة واحدة.
سادسًا: احتجاج شعبي أم إنهاء عسكري للولاية؟
تختزل عبارة الكاتب «خرج منها بقوة الشعب» واقعةً أشد تعقيدًا.
لا خلاف على ضخامة احتجاجات 30 يونيو 2013 وعلى أنها كشفت رفضًا شعبيًا واسعًا لمرسي.
لكن الاحتجاجات لم تُفضِ إلى استقالته أو إلى انتخابات مبكرة، بل أنهت القوات المسلحة ولايته في 3 يوليو، وأُوقف العمل بالدستور.
التمييز هنا جوهري: حق الشعب في التظاهر لا يعني أن المؤسسة العسكرية تصبح البديل الطبيعي عن الإجراءات الدستورية.
وإغفال دورها الحاسم يطمس أحد أهم أسباب هشاشة الانتقال المدني.
سابعًا: أخلاق المسؤولية للجميع
يستدعي الكاتب ماكس فيبر ليدين مرسي بنتائج قراراته، وهو معيار مشروع إذا طُبّق على الجميع.
لماذا لا يُسأل أيضًا من شاركوا في تقرير مسار ما بعد 3 يوليو عن النتائج السياسية والإنسانية؟
فقد شهدت البلاد أحداثًا دامية، أبرزها فض اعتصامي رابعة والنهضة، واتسعت القيود على المجال السياسي.
الإشارة إلى تلك النتائج لا تعفي مرسي من أخطائه، بل ترفض أن يتوقف ميزان المسؤولية عند لحظة سقوطه.
فالمعيار الأخلاقي لا يستقيم حين نحاسب طرفًا على العواقب ونعفي بقية الفاعلين.
ثامنًا: هل أخفق الرئيس أم أُغلقت إمكانية تصحيح الإخفاق؟
أختلف أساسًا مع القول إن مرسي أغلق باب الرئاسة المدنية لعقود.
تلك دعوى سببية تحتاج إلى إثبات، لا يكفي لها الحديث عن «مزاج مصري» يفضّل العسكري على المدني.
فالمواقف الشعبية تتشكل بالتاريخ والمؤسسات والخطاب السياسي؛ وليست خصائص أبدية.
ينبغي أن نسأل عن شروط المنافسة الانتخابية، وقوة الأحزاب، وحدود دور المؤسسات غير المنتخبة، وقدرة النظام على قبول تداول السلطة.
ليست فضيلة الديمقراطية أن يأتي منها رئيس لا يخطئ، بل أن تتيح تصحيح أخطائه واستبداله سلميًا برئيس آخر.
لقد أخفق مرسي في بناء التوافق، وأخفقت جماعته في الفصل بين منطق التنظيم ومتطلبات الدولة. لكن المعارضة أخفقت أيضًا في جوانب، ولم تنجح
مؤسسات الدولة في صون انتقال متفق على قواعده.
ومصر بعد يناير لم تكن ديمقراطية مكتملة هدمتها جماعة واحدة؛ كانت ساحة تنازع على شكل الدولة وحدود السلطات، وأسهمت فيها أطراف متعددة بدرجات مختلفة.
اخيرا وليس أخرا..مصر أكبر من رئيس وأبقى من جماعة
أعود إلى الدكتور أيمن ندا بتقديري الذي بدأت به: مقاله مهم ويستحق النقاش، لكن خاتمته تضع عبئًا تاريخيًا هائلًا على رجل حكم عامًا واحدًا.
محمد مرسي لم يكن الديمقراطية، وسقوطه لم يكن بالضرورة انتصارًا لها.
ولم تكن جماعة الإخوان مرادفًا للدولة المدنية، كما أن إخفاقها ليس شهادة وفاة لهذه الفكرة.
إن الأوطان لا تخسر مستقبلها لأن رئيسًا يفشل، بل حين تعجز مؤسساتها عن تحويل فشله إلى تداول طبيعي للسلطة.
لذلك فالسؤال الأجدر بنا ليس: كيف أغلق مرسي الباب خلفه؟
بل: لماذا لم نتمكن جميعًا من إبقاء الباب مفتوحًا بعده؟
شاركنا برأيك