د. أيمن منصور ندا يكتب: الكوادر المرتعشة
كأنَّ الصحفي يحتاج إلى دورة، والموظف يحتاج إلى أجر، والمؤقت يحتاج إلى تعيين، ورئيس التحرير يحتاج إلى اختبار

صورة تعبيرية للمقال
قراءة في تقرير لجنة تطوير الإعلام المصري (9- 12)
عن الصحفي الذي يُدرَّب ولا يُحمى، والقيادة التي تُختار ولا تُحاسب
في الفلبين، لم تكن أزمة موقع Rappler أنَّه يفتقر إلى التدريب أو المهارات أو أدوات العصر الرقمي، بالعكس، كان الموقع نموذجاً لصحافة رقمية حديثة:
منصة شابة، سريعة، تستخدم البيانات، وتفهم وسائل التواصل، وتجمع بين التحقيقات الصحفية والرصد الرقمي والدفاع عن الحقيقة في مواجهة التضليل.
هذا الموقع أسسته الصحفية “ماريا ريسا” التي حصلت لاحقاً على جائزة نوبل للسلام (2021) وتحول إلى واحد من أهم المواقع المستقلة في البلاد.
لكنَّ المشكلة بدأت حين مارس الموقع ما تدرب الصحفيون عادة على فعله في قاعات الجامعات وفي مواثيق الشرف: سأل، وحقق، وكشف!!
تابع الموقع حرب الرئيس “رودريجو دوتيرتي” على المخدرات، ووثّق الانتهاكات والقتل خارج القانون.
كشف شبكات الدعاية الرقمية والذباب الإلكتروني الذي كان يهاجم المعارضين والصحفيين.
أي أنَّه فعل بالضبط ما يقوله الكتاب عما يجب أن يقوم به الصحفيون، لكن النتيجة لم تكن مكافأة مهنية، بل حصاراً قانونياً وسياسياً طويلاً!!
في عام 2018 صدر قرار بإغلاق الموقع بدعوى مخالفات تتعلق بالملكية الأجنبية، وتعددت القضايا ضد “ريسا” من التهرب الضريبي إلى التشهير الإلكتروني!
الحقيقة أنَّ السلطة في الفلبين لم تكن ضد “التطوير التقني” بل كانت ضد “الأثر المهني” لهذا التطوير.
كانت ترحب بموقع يستخدم أحدث الخوارزميات، بشرط ألا تستخدم تلك الخوارزميات لإنتاج حقيقة تزعج المركز!
د. أيمن منصور ندا يكتب: التحول الرقمي تحديث القفص لا فتح الباب
د. أيمن منصور ندا يكتب: تمويل السفينة المثقوبة (7)
الدرس المستفاد من هذه التجربة
هو أن “الأداة بلا حرية هي قنبلة صوتية”
وأن تدريب الصحفي في بيئة مكبلة لا ينتج صحفياً محترفاً وإعلامياً حراً، بل ينتج “موظفاً محبطاً” أو في أسوأ الأحوال، “مؤدياً مروضاً” و”صحفياً مطيعاً” يجيد تعقيم اللغة وتهذيب الأسئلة لكي تلائم مقاس السقف المتاح!
من هذه الزاوية يجب قراءة توصيات تقرير لجنة تطوير الإعلام المصري في ملف الكوادر والقيادات والأجور.
التقرير يقول أشياء صحيحة:
خطة وطنية لتأهيل الكوادر،
حد أدنى للأجور،
مدونة لاختيار القيادات
مراجعة أوضاع الصحفيين والإعلاميين المحبوسين احتياطياً.
وإنهاء ملف العمالة المؤقتة.
وهذه عناوين جيدة، بل وضرورية
لكنها تشبه لافتات نظيفة معلقة على مبنى متصدع.
تبدو مطمئنة من الخارج، لكنها لا تقول لنا من صدّع المبنى، ولا من تركه هكذا، ولا لماذا نصدق أنَّ من أدار الأزمة سيصبح فجأة مؤتمناً على حلها!
ويُحسب للتقرير أنه لم يتجاهل الإنسان الإعلامي تماماً
لم يتحدث عن المنصات والسحابة والذكاء الاصطناعي فقط، بل انتبه إلى التدريب والأجور والقيادات وحقوق العاملين.
لكنَّ عيبه الكبير أنَّه عالج هذه الملفات غالباً كإجراءات إدارية متجاورة، لا كأزمة مهنة واحدة.
كأنَّ الصحفي يحتاج إلى دورة، والموظف يحتاج إلى أجر، والمؤقت يحتاج إلى تعيين، ورئيس التحرير يحتاج إلى اختبار.
بينما الأزمة أعمق من ذلك كله:
أزمة بيئة مهنية لا تحمي من يسأل، ولا تكافئ من يجتهد، ولا تحاسب من أفسد، ولا تضمن أن يكون الولاء الأول للحقيقة والجمهور.
لعلَّ أخطر ما في هذا الجزء من التقرير أنَّه يقترب من الإنسان الإعلامي بوصفه “مورداً بشرياً” أو ترساً في ماكينة، لا صاحب مهنة ذات رسالة.
المورد البشري يُدرَّب، ويُعاد توزيعه، وتُرفع كفاءته، وتُقاس إنتاجيته، أما صاحب المهنة والرسالة فيحتاج إلى استقلال، وحماية، وحق في السؤال، وحق في الوصول إلى المعلومة، وحق في ألا يتحول رأيه إلى تهمة.
التقرير يتحدث عن رفع كفاءة رأس المال البشري
لكنه لا يقول بشكل كافٍ إنَّ رأس المال هذا جرى استنزافه بالخوف، والإفقار، والتهميش، وتدوير القيادات الآمنة، وإخراج الكفاءات من الملعب ثم الشكوى من ضعف اللاعبين.
خذ مثلاً توصية التدريب، لا أحد يعارض تدريب الصحفيين والإعلاميين على التفكير الاستراتيجي، وأخلاقيات المهنة، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والبودكاست والفيديو.
لكن السؤال الحقيقي ليس:
ماذا سندرّس لهم؟
بل: هل سيُسمح لهم باستخدام ما تعلموه؟
ما قيمة تدريب صحفي على الاستقصاء إذا ظل الوصول إلى المعلومات مغلقاً؟
وما قيمة تدريب مذيع على الحوار إذا كانت قائمة الضيوف مرسومة سلفاً، والأسئلة الصعبة خطراً وظيفياً؟
وما قيمة تعليم المحرر صحافة البيانات إذا كانت البيانات نفسها محجوبة أو منقوصة أو مرهونة بموافقة لا تأتي؟!
منذ متى كانت أزمة الصحفي المصري أنَّه لا يعرف كيف يكتب صياغة خبرية؟
أو أنَّ المذيع المصري لا يجيد الوقوف أمام الكاميرا؟
إنَّ اختزال أزمة الكوادر في نقص التدريب الفني تسطيح مخل، يقلب العلاقة بين السبب والنتيجة.
فالصحفي المصري لم يتراجع تأثيره لأنه نسي قواعد الصحافة، بل لأنَّ البيئة التشغيلية والسياسية جعلت ممارسة القواعد الأصلية للمهنة خطراً على لقمة عيشه، وأحياناً على حريته الشخصية.
هنا يتحول التدريب من تطوير إلى تزيين للقيد
دورة حديثة فوق عقل إداري قديم، وبرنامج رقمي فوق غرفة أخبار تخاف من ظلها.
والأسوأ أنَّ التقرير يضع التدريب في مدى زمني قصير، كأنَّ الأزمة قابلة للعلاج خلال ستة أشهر.
بينما الأزمة ليست أنَّ الصحفيين تأخروا عن حضور ورشة، بل إنَّ البيئة المهنية عاقبت طويلاً من امتلك موهبة السؤال.
كان الأجدر بالتقرير أن يقترح
قبل خطة التدريب، خطة لاستعادة الثقة داخل غرف الأخبار.
ضمانات مكتوبة للاستقلال التحريري.
قواعد واضحة لحماية الصحفي عند نشر معلومات صحيحة.
آليات اعتراض داخلية، ومساءلة لأي إدارة تعاقب الصحفي لأنه مارس مهنته لا لأنه خالفها.
أما الأجور، فيتعامل معها التقرير باعتبارها ملفاً مالياً وإدارياً
حد أدنى داخلي، كادر خاص في ماسبيرو، توحيد أجور، إنهاء أوضاع مؤقتين، ومعاش مبكر.
وكل ذلك مهم، لكنه غير كاف لأنَّ فقر الصحفي ليس مجرد مشكلة معيشية، إنَّه مدخل لتخريب المهنة.
الصحفي القلق على إيجار بيته يصبح أضعف أمام الإعلان المقنع، والعلاقة الشخصية، والهدية، والترضية، والضغط من المسؤول والمعلن والمؤسسة.
لكنَّ رفع الأجر وحده قد ينتج موظفاً أكثر هدوءاً، لا صحفياً أكثر شجاعة، وإن لم يرتبط الأجر العادل بحماية الاستقلال، فسنكون قد نقلنا الصحفي من قيد خشن إلى قيد مبطن؛ يأكل أفضل، لكنه لا يسأل أكثر.
في ملف القيادات
يلمس التقرير الجرح ثم يبتعد عن عمقه.
يقترح مدونة وطنية لاختيار القيادات.
واختبارات تحريرية وشخصية ونفسية ورقمية.
وربما مجلس أمناء لفحص الأسماء، وهذا جيد للغاية.
لكن أين السؤال الذي يسبق كل ذلك:
كيف جاءت القيادات التي أوصلت المؤسسات إلى هذا الوضع؟ من قيّم أداءها؟
من حاسب من خسر الجمهور والمال والمعنى؟
لماذا ينتقل بعض الفاشلين من موقع إلى آخر كأنَّ الفشل خبرة تراكمية؟
ولماذا صارت “السلامة” أهم من الكفاءة، والطاعة أسبق من الرؤية، والقدرة على التلقي أهم من القدرة على القيادة؟!
مدونة اختيار القيادات لن تعني شيئاً إذا بقيت معاييرها في يد العقل نفسه الذي اختار سابقاً.
والمطلوب ليس اختباراً نفسياً لرئيس التحرير فقط، بل اختبار لفلسفة الاختيار نفسها:
هل نريد قائداً يحمي غرفة الأخبار أم مدير امتثال؟
هل نريد رئيس تحرير صاحب مشروع أم موظفاً أنيقاً لتوزيع التعليمات؟
هل نريد شاشة تفكر أم شاشة تنجو؟
من دون إعلان المعايير، ومدد محددة، وتقييم دوري منشور، ومساءلة مرتبطة بالأداء والجمهور والاستقلال، ستصبح “الحوكمة” كلمة مهذبة لتدوير الأسماء القديمة عبر باب جديد.
إن الفلترة الأمنية والسياسية قبل التعيينات القيادية هي التي صنعت ما يمكن تسميته بـ”القيادات المرتعشة”
المسؤول الإعلامي الذي يعلم أنه لم يأت إلى منصبه عبر مشروع مهني واضح ومنافسة معلنة وتقييم مستقل، بل جاء بتزكية وتنسيق وتوازنات غير منشورة، سيعيش طوال فترة إدارته وعينه على الهاتف لا على المانشيت.
وسيكون همه الأول عدم إزعاج السلطة، لا إرضاء الجمهور؛ وتجنب الخطأ، لا صناعة الأثر؛ والنجاة بالمقعد، لا تطوير المؤسسة.
كذلك، فإن توصية مراجعة أوضاع الصحفيين والإعلاميين المحبوسين احتياطياً تكشف تناقض التقرير أكثر مما تعالجه؛ فهي واردة بصياغة حذرة:
“وفق الضوابط الدستورية والقانونية والقضائية”
وهي صياغة تبدو حذرة أكثر مما تبدو حاسمة!
والمؤكد أنَّ وجود صحفي محبوس بسبب عمله، أو في سياق ملتبس بعمله، يرسل إلى كل غرفة أخبار رسالة أقوى من مئة دورة تدريبية.
انتبهوا! اسألوا بحذر!
اقتربوا ولا تلمسوا! لذلك، لا يمكن الحديث عن رفع كفاءة الصحفيين بينما يظل الخوف جزءاً من نظام التشغيل اليومي للمهنة.
كذلك في ملف العمالة المؤقتة:
يتحدث التقرير عن تطبيق المادة التي تمنع استمرار التدريب أكثر من عامين، وهذا صحيح، لكن كم شاباً استُخدم لسنوات بوصفه “متدرباً دائماً”؟
كم مؤسسة عاشت على حماس شباب بلا ضمان وظيفي ولا حماية ولا أفق؟
ثم نتحدث عن جذب الأجيال الجديدة للإعلام؟!
الشباب لن يدخلوا مؤسسة تطلب منهم أن يصبروا سنوات، ليحصلوا في النهاية على مرتب ضعيف، وسقف منخفض، وقيادة لا تسمع، ومحتوى لا يقرأه أحد.
العيب الأكبر في هذه التوصيات أنها تفتقد الربط بين الملفات:
التدريب منفصل عن الحرية.
والأجر منفصل عن الاستقلال.
والقيادة منفصلة عن المحاسبة.
وحماية الصحفي منفصلة عن حقه في المعرفة.
والعمالة المؤقتة منفصلة عن مستقبل المهنة.
بينما الحقيقة أنَّ هذه الملفات جسد واحد
فلا يمكنك أن تطور صحفياً خائفاً، ولا أن تصنع مذيعاً حراً بقيادة مرتعشة، ولا أن تطلب من الشباب الابتكار داخل هرم يعاقب الاختلاف، ولا أن تبني ثقة الجمهور بصحفي لا يثق أن مؤسسته ستحميه إذا قال الحقيقة.
لذلك، فإن توصيات التقرير في هذا البعد أقل من حجم الأزمة هي تصلح لترميم إداري، لا لإحياء مهنة!
كأن التقرير يقول:
درّبوا الصحفيين، حسّنوا أجورهم، اختاروا القيادات بشكل أفضل، سوّوا أوضاع المؤقتين.
أما السؤال الصعب فيبقى خارج الصفحة:
هل نريد صحافة فعلاً، أم جهاز محتوى أكثر كفاءة؟
هل نريد إعلاميين يسألون، أم موظفين يجيدون الأداء؟ هل نريد كرامة مهنية، أم إدارة أكثر نعومة للخوف؟!
إن إصلاح الإعلام المصري يبدأ من تحرير البشر قبل تحديث الحجر
من منح الصحفي كرامته وحريته قبل منحه الدورة التدريبية والصندوق والمنصة.
وبدون ذلك، ستبقى كل خطط اللجنة في ملف الكوادر والقيادات محاولة لتعقيم لغة الخوف وتزيين جدران المنظومة القديمة بألوان حداثية لا تخدع أحداً.
وأولهم الجمهور الذي غادر مقاعد المتفرجين منذ زمن، ولن يعود لمجرد أن المذيع يتقاضى أجراً أعلى أو يقرأ من شاشة أكثر لمعاناً.
أيها السادة:
لا تحدثونا عن الذكاء الاصطناعي والسحابة والمنصات، بينما الذكاء الإنساني والمهني داخل غرف الأخبار مكبل بالأغلال!
في الفلبين لم تكن أزمة Rappler أن صحفييه لا يعرفون أدوات العصر، بل أن السلطة لم تحتمل نتائج استخدامها.
وهذا بالضبط ما يجب أن نتذكره ونحن نقرأ توصيات التدريب والتأهيل:
المشكلة ليست أن نعلّم الصحفي كيف يعمل؟ بل أن نضمن له ألا يُعاقَب إذا عمل!






