د. أيمن منصور ندا يكتب: التقرير الذي عرف الأعراض وخاف من اسم المرض
وتقرير اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري فعل شيئاً قريباً من ذلك رأى آثار الفيل في كل مكان:

صورة تعبيرية للمقال
قراءة في تقرير لجنة تطوير الإعلام المصري (5- 12)
عن الفيل الجالس في غرفة الإعلام المصري
في كل غرفة مغلقة يوجد أحياناً فيل ضخم يراه الجميع، ثم يتظاهرون بأنهم يتحدثون عن الأثاث، يصفون لون الجدران، وضعف الإضاءة، وسوء التهوية، ورداءة المقاعد، لكنهم لا يذكرون الكائن الجالس في منتصف الغرفة.
وتقرير اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري فعل شيئاً قريباً من ذلك رأى آثار الفيل في كل مكان:
في تراجع الثقة، وهيمنة الصوت الواحد
وضعف المصداقية، وخوف غرف الأخبار
وتكرار الوجوه، وذبول المهنة؛ لكنه لم يسمِّ الفيل باسمه الكامل:
من يملك القرار الإعلامي في مصر؟
المفارقة أن التقرير نفسه يقترب كثيراً من الحقيقة، بل إنه يضع في صدره عبارة تصلح لأن تكون اتهاماً كاملاً للواقع الإعلامي القائم:
“الإعلام المقيد لا يصنع رسالة، ولا يدعم نهضة، ولا يؤثر في مواطن، ولا يقنع بإنجاز”
غير أنه، بعد هذا الاعتراف، لا يذهب إلى السؤال الطبيعي التالي:
مَن قيّد الإعلام؟
وبأي أدوات؟
ولمصلحة مَن؟
وبأي تكلفة على الدولة والمجتمع والجمهور؟
ليس السؤال هنا:
من يملك الرخصة؟
ولا من يملك المبنى؟
ولا من يملك القناة على الورق؟
ولا من يوقع القرار الإداري؟
بل من يقرر فعلاً: من يظهر؟
ومن يختفي؟ ما الموضوع الذي يُفتح؟
وما الموضوع الذي يُغلق؟
من يُهاجم؟ ومن يُحمى؟
أي خبر يتصدر؟ وأي خبر يُدفن؟
أي ضيف يُستدعى؟ وأي اسم يوضع في الفريزر؟
أي مذيع يستمر رغم فشله؟ وأي مهني يغادر رغم كفاءته؟
هذا هو السؤال الذي لا يستطيع التقرير أن يذهب إليه كاملاً..
ولذلك جاء طويلاً في التفاصيل، قصيراً في الشجاعة؛ غنياً بالمقترحات، فقيراً في المساءلة؛ مزدحماً بالأدوات، خالياً تقريباً من تسمية اليد التي تعبث بكل الأدوات.

والفيل هنا ليس مكالمة هاتفية عابرة
ولا توجيهاً مؤقتاً في لحظة أزمة، بل بنية كاملة من السيطرة غير المعلنة:
تعليمات شفهية، قوائم منع واستضافة، سقوف متحركة، عناوين موحدة، قضايا محظورة، أشخاص محظورون.
أسئلة لا تُطرح، وضيوف لا يُدعون.
ومذيعون يعرفون اتجاه الريح قبل أن تهب.
د. أيمن منصور ندا يكتب: علاج السيطرة بمزيد من السيطرة
د. أيمن منصور ندا يكتب: هيئات مستقلة تنتظر إذن السلطة التنفيذية (3)
د. أيمن منصور ندا يكتب: لجنة من رحم المشكلة!
د. أيمن منصور ندا يكتب: قراءة في تقرير لجنة تطوير الإعلام المصري (1- 12)
وهذه ليست أسراراً في الوسط الإعلامي
فالجميع على علم بها ويعرفها، ويعرفها الجمهور أحياناً بفطرته قبل أن يعرفها بالمعلومة، ومع ذلك، لا تظهر في التقرير بالوضوح اللازم.
وتظهر بدائل لغوية مهذبة:
تطوير السياسات التحريرية، رفع القيود، دعم المهنية، بناء الثقة، تحديث الخطاب، مكافحة التضليل، حماية الصحفيين.
كلها عبارات جميلة، لكنها تدور حول الفيل ولا تسميه.
والأهم أن التقرير نفسه يشخص جانباً كبيراً من المرض
إذ يقول إن السياسة الإعلامية تعاني “عدم الثقة العامة” بسبب ضعف كفاءة المحتوى، وتراجع القيم المهنية، وغياب التفكير النقدي لمصلحة نمط احتفالي وتعبوي.
ثم يضيف صراحةً: “ناهيك عن سياسات السيطرة والاحتكار وهيمنة الصوت الواحد” التي أفقدت الرسالة الإعلامية عناصر قوتها الأساسية:
“التوازن، والمصداقية، والفاعلية”
هذا تشخيص خطير؛ لأن التقرير لا يتحدث هنا عن عرض جانبي، بل عن أصل بنيوي للأزمة.
ومع ذلك، يتعامل معه لاحقاً كأنَّه خلل يمكن إصلاحه بالأدلة والمدونات والتدريب والرقمنة، وليس كعلاقة سلطة يجب تفكيكها وإعادة تعريفها!
خذ مثلاً مسألة الحريات
التقرير يقر بأن الإعلام المصري يعاني “انخفاضاً حاداً في سقف الحريات” وأن هذا التقييد أضر المهنية والمصداقية، بل أضر الدولة نفسها لأنها لم تستطع نقل سرديتها إلى الجمهور.
ثم يقترح، ضمن المسار التشريعي، نقل سلطة حجب المواقع إلى القضاء، وتعديل قانون تنظيم الصحافة والإعلام، وتبني قانون لحرية تداول المعلومات، ومنع العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر باستثناءات محددة.
هذه توصيات مهمة، ولا يجوز التقليل من شأنها، لكنها تبقى ناقصة إذا لم تسأل:
من استخدم الحجب؟
وكيف؟ وبأي معايير؟
ومن تضرر منه؟ وما المواقع التي حُجبت ولماذا؟
ومن المسؤول عن استمرار الحجب دون رقابة قضائية كافية؟ الإصلاح الحقيقي لا يبدأ فقط بنقل الاختصاص إلى القضاء في المستقبل، بل بمراجعة ما حدث في الماضي، وتعويض من تضرر، وإعلان المعايير، ونشر القوائم، ووقف الاستخدام السياسي للأداة.
الأمر نفسه في حرية تداول المعلومات؛
جميل أن يتبنى التقرير مشروع قانون يلزم الجهات بالإفصاح الفوري والمستمر، ويحدد إجراءات طلب المعلومات وتصنيفها ومدة حمايتها.
لكن السؤال العملي: هل الأزمة في غياب القانون فقط، أم في ثقافة كاملة تعتبر المعلومة ملكاً للسلطة لا حقاً للمجتمع؟
قانون تداول المعلومات ضروري، لكنه لن يعيش إذا ظل العقل الإداري نفسه يعتبر السؤال تطاولاً، والشفافية خطراً، والصحفي مزعجاً بطبيعته.
ثم هناك مسألة الحبس في قضايا النشر
حين يوصي التقرير بمنع العقوبات السالبة للحرية في الجرائم التي ترتكب بطريق النشر والعلانية، باستثناء التحريض على العنف والتمييز والطعن في الأعراض.
فهو يلامس ملفاً شديد الأهمية، لكن مناخ الخوف لا تصنعه مواد الحبس وحدها، يصنعه أيضاً الاستدعاء، والتحقيق، والبلاغ، والتشهير، والمنع من الظهور، والفصل من العمل، والتجميد المهني، والاتهام الجاهز بالخيانة أو العمالة أو نشر الشائعات أو الإضرار بالدولة.
فإذا لم يعالج التقرير هذه البيئة، فإن إلغاء الحبس، إن حدث، سيبقى خطوة مهمة لكنها غير كافية.
والتقرير يتحدث أيضاً عن حماية الصحفيين والإعلاميين
وعن تفسير مرن يسمح باعتماد كارنيهات النقابات في التغطيات الميدانية، وعن تخفيف القيود على العمل الصحفي ورفع الحجب عن مواقع توفق أوضاعها، وهذه كلها أمور مطلوبة.
لكنَّ حماية الصحفي لا تبدأ من الكارنيه فقط، بل تبدأ من الاعتراف بأن الصحفي ليس ضيفاً ثقيلاً على المجال العام، ولا موظف علاقات عامة لدى السلطة، ولا ناقل بيانات، ولا شاهداً منزوع اللسان.
الصحفي وظيفته أن يسأل.. فإذا ظل السؤال نفسه محل اشتباه، فلن تفيد الكارنيهات كثيراً.
وهنا نصل إلى مربط الفرس:
التقرير يتعامل مع أزمة الإعلام كأنها أزمة مؤسسات تحتاج إلى تطوير، بينما هي في جوهرها أزمة سلطة تحتاج إلى إعادة تعريف علاقتها بالإعلام، وهذا فرق ضخم.
أزمة المؤسسات تُعالج بالتدريب والتمويل والرقمنة وإعادة الهيكلة، أما أزمة السلطة فتُعالج بالضمانات، والفصل، والمساءلة، والشفافية، ووقف التدخلات، وإطلاق المجال العام.
هذا التقرير يذهب بعيداً في النوع الأول، ويتردد كثيراً في النوع الثاني!
لذلك تجده يقول إن ماسبيرو يجب أن ينتقل من نموذج “الخطاب الرسمي” إلى نموذج “الخدمة الإخبارية”
دون أن يجيب عن السؤال المهم: من الذي حوّل ماسبيرو إلى خطاب رسمي أصلاً؟
ومن الذي جعل النشاطات الرسمية تتقدم على أحداث الساعة؟ ومن الذي منع تمثيل المعارضة بشكل متوازن؟
ومن الذي جعل الخبر تعليقاً، والتعليق توجيهاً، والتوجيه سياسة تحريرية؟!
إضافة إلى ذلك، فإنه لا يمكن أن تقول لماسبيرو: تحوّل إلى خدمة إخبارية، ثم تترك علاقته بالسلطة كما هي!
ولا يمكن أن تطلب منه تمثيل المعارضة ثم لا تضمن حق المعارضة في الوجود السياسي والإعلامي!
ولا يمكن أن تطلب الفصل بين الخبر والتعليق بينما المذيع نفسه يعرف أن بعض الأخبار لا تدخل النشرة إلا بالترتيب السياسي لا بالقيمة الخبرية!
ولا يمكن أن تطلب من إعلام الخدمة العامة أن يخدم الجمهور إذا كان الجمهور آخر من يُستشار وأول من يُلقَّن!!
والتقرير، في موضع آخر
يتحدث عن “تسييس طريقة اختيار القيادات الصحفية والإعلامية”
وعن عدم مراعاة المعايير المهنية، وضعف الحافز للإبداع بسبب تقييد الحريات والضغوط الاقتصادية، وهذه واحدة من أهم عباراته، لأنها تقترب مباشرةً من آلية صناعة الأزمة:
ليست المشكلة فقط في أن القواعد ناقصة، بل في أن الأشخاص الذين يديرون القواعد كثيراً ما يُختارون على أساس الولاء لا الكفاءة، والمرونة لا الشجاعة.
والقدرة على التلقي لا القدرة على الإدارة.
يقيناً وقطعاً، لا ينهض الإعلام بقيادات تخاف من موظف صغير في جهة كبرى، ولا برؤساء تحرير يراجعون اتجاه الريح قبل مراجعة الخبر، ولا بمذيعين يعرفون أن بقاءهم مرتبط بالرضا أكثر من ارتباطه بالمشاهدة أو المهنية.
التقرير يتحدث عن حوكمة اختيار القيادات وتحسين الإدارة،
لكنه لا يذهب إلى السؤال الخشن:
من اختار القيادات التي أوصلتنا إلى هنا؟
ما معايير الاختيار السابقة؟
هل حوسب من اختار خطأ؟
هل هناك تقييم علني للأداء؟
هل يغادر الفاشل موقعه؟
أم ينتقل من مؤسسة إلى أخرى كأن الفشل شهادة خبرة؟
والأسوأ أننا قد نطلب من القيادات التي صنعت الأزمة أن تقود الخروج منها!
وهنا يجب التوقف عند كلمة “الثقة”
لأنها مفتاح كل شيء؛ يتحدث التقرير عن استعادة الثقة بين الدولة والإعلام والمجتمع، لكنه لا يذهب بعيداً في تشريح كيف احترقت هذه الثقة!
عبر سنوات طويلة، سمع الجمهور أشياء كثيرة ثم اكتشف عكسها
رأى قضايا تُفتح فجأة وتغلق فجأة، رأى أشخاصاً يُرفعون إلى السماء ثم يختفون بلا تفسير.
رأى ملفات تُمنع ثم تصبح واجبة الكلام،
رأى وجوهاً تردد ما يناقض ما قالته بالأمس دون اعتذار
رأى إعلاميين يشرحون له الواقع لا كما هو، بل كما ينبغي أن يراه
ومع كل مرة، كان جزء من الثقة يسقط، ثم جاء التقرير ليتحدث عن استعادة الثقة كأنها بند في جدول زمني.
إن استعادة الثقة يا سادة لا تبدأ من الجمهور، بل من الإعلام نفسه! لا تسأل الجمهور: لماذا لا تثق؟
اسأل الإعلام: ماذا فعلت حتى فقدت ثقته فيك؟!
ولا يمكن تجاهل أن التقرير،
وهو يتحدث عن الإصلاح، لا يذهب بعيداً في مسألة المحاسبة، هو يتحدث عن الشفافية والمساءلة والإدارة الرشيدة، لكنه لا يحولها إلى سؤال سياسي مباشر:
من الذي يحاسب من؟
من يحاسب الهيئات؟
من يحاسب رؤساء المؤسسات؟
من يحاسب من تسببوا في الخسائر؟
من يحاسب من اختاروا الوجوه الفاشلة؟
من يحاسب من أداروا الإعلام بطريقة أضرت بالدولة التي زعموا الدفاع عنها؟
من يحاسب من حولوا الإعلام إلى عبء على السلطة بدل أن يكون سنداً لها؟
الإصلاح بلا محاسبة تجميل، والتطوير بلا مغادرة بعض الوجوه إعادة تدوير، والمراجعة بلا أسماء تتحول إلى تمرين لغوي!
وقد يقول البعض إن الظروف معقدة،
وإن الإعلام يعمل في بيئة إقليمية ودولية صعبة، وإنَّ هناك استهدافاً حقيقياً للدولة، وإنَّ قنوات معادية تستغل الأخطاء.
وهذا كله صحيح جزئياً، لكنَّ الرد عليه ليس بإعلام أقل حرية وأكثر خشونة، بل بإعلام أكثر مهنية وأكثر صدقاً وأكثر قدرة على الإقناع.
الدول لا تكسب معاركها الإعلامية بالصوت العالي فقط، ولا بالتخوين، ولا بالتجاهل، ولا بإخفاء الأخطاء، ولكن تكسبها حين يكون لديها إعلام يصدقه الناس حتى عندما يدافع عن الدولة.
أما الإعلام الذي لا يصدقه الناس إلا حين يهاجم خصومهم، فهو إعلام تعبوي لا إعلام وطني.
في الحكاية القديمة،
وقف عدد من العميان حول فيل؛ لمس أحدهم الخرطوم فقال: الفيل يشبه الثعبان
ولمس آخر ساقه فقال: بل يشبه العمود،
ولمس ثالث أذنه فقال: بل هو مروحة كبيرة..
كان كل واحد منهم صادقاً في وصف ما لمسه
لكنه كان مخطئاً في فهم ما أمامه! وهذا بالضبط ما يفعله التقرير:
يلمس ساق الأزمة فيسميها تدريباً، ويلمس أذنها فيسميها تمويلاً، ويلمس خرطومها فيسميه تشريعاً،
ويلمس جلدها فيسميه تحولاً رقمياً
لكنه يتجنب أن يقول إنَّ ما أمامه فيل كامل يحتل الغرفة!
لذلك ستبقى كل توصية صحيحة جزئياً، وقاصرة كلياً، ما دام التقرير يصف الأجزاء ولا يجرؤ على تسمية الكائن كله.. مشكلة التقرير ليست في أنه لم يلمس شيئاً؛ المشكلة أنَّه لمس كل شيء تقريباً، إلا الاسم!






