د. أيمن منصور ندا يكتب: هيئات مستقلة تنتظر إذن السلطة التنفيذية (3)
ما أن تقول ماذا فعلت، وماذا مُنعت من فعله، ومن منعك، أو تغادر المنصب الذي لم تعد قادراً على حمايته.

صورة تعبيرية للمقال
قراءة في تقرير لجنة تطوير الإعلام المصري (3- 12)
عن رؤساء كان عليهم أن يستقيلوا لا أن يحتفلوا بالتقرير
في يناير 2004، صدر تقرير “اللورد هاتون” Hutton Report عن أزمة “ديفيد كيلي” خبير الأسلحة البريطاني الذي عُثِر عليه ميتاً بعد عاصفة سياسية وإعلامية حول تغطية BBC لملف أسلحة الدمار الشامل في العراق.
واللافت هنا ليس التقرير وحده، بل ما حدث بعده
إذ استقال رئيس مجلس محافظي BBC “جافين ديفيز”، ثم تبعه المدير العام للمؤسسة، “جريج دايك”، في اليوم التالي.
وقد اختلف المحللون في تقييم تقرير هاتون، فقد رآه البعض قاسياً على BBC ولطيفاً مع حكومة بلير، ورآه البعض محايداً وموضوعياً، لكن ما تم الاتفاق عليه هو أن لحظة صدور التقرير تحولت إلى لحظة مسؤولية.
د. أيمن منصور ندا يكتب: لجنة من رحم المشكلة!
د. أيمن منصور ندا يكتب: قراءة في تقرير لجنة تطوير الإعلام المصري (1- 12)
كان معنى المسؤولية أبسط وأقسى
حين تصدر وثيقة رسمية تقول إنَّ خللاً جسيماً وقع في نطاق مسؤوليتك، فأنت لا تبدأ من الاحتفال بالتوصيات، بل من كشف الحساب.
إما أن تقول ماذا فعلت، وماذا مُنعت من فعله، ومن منعك، أو تغادر المنصب الذي لم تعد قادراً على حمايته.
لم تتحول الأزمة إلى مناسبة احتفالية عن “تطوير الأداء” بل فُهمت الرسالة كما ينبغي أن تُفهم في المؤسسات التي تعرف أن المنصب ليس كرسياً للبقاء، بل مسؤولية قابلة للمحاسبة.
من هذه الزاوية تحديداً
فإنَّ تقرير اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري لا يدين فقط الواقع الإعلامي، ولا يدين فقط اللجنة التي أعدته، ولا يدين فقط التوصيات التي جاءت مرتبكة ومتناقضة في مواضع عديدة، وإنَّما يدين قبل ذلك كله، وبشكل رئيسي، الهيئات القائمة على الإعلام في مصر:
المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام،
والهيئة الوطنية للإعلام،
والهيئة الوطنية للصحافة.
لا أقول إنَّ هذه الهيئات تملك وحدها كلَّ مفاتيح الأزمة، فهذا غير صحيح
ولا أقول إنَّها تستطيع منفردة تعديل القوانين،
أو توفير التمويل، أو حل أزمة الديون، أو وقف التدخلات غير الرسمية، فهذا أيضاً غير صحيح.
لكنني أقول إنَّ جزءاً كبيراً مما ورد في التقرير يقع أصلًا في نطاق اختصاصاتها المهنية والتنظيمية والإدارية، وكان يمكن البدء فيه قبل سنوات طويلة، دون انتظار لجنة مشكلة بقرار من رئيس مجلس الوزراء!
ومن ثم، كان على رؤساء هذه الهيئات الثلاثة التقدم رسمياً باستقالاتهم عند صدور هذا التقرير!

لنبدأ بالمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام
يأتي التقرير ليعيد على المجلس ملفات كان يجب أن تكون في صميم عمله
مواجهة الممارسات الاحتكارية، حماية المنافسة، مراجعة الحجب، بناء مدونات وأدلة مهنية، حماية الملكية الفكرية، تنظيم العلاقة مع المنصات والسوشيال ميديا، ومتابعة قضايا الذكاء الاصطناعي والتضليل.
هذه ليست مهاماً مستجدة على جهة يفترض أنها تنظم الإعلام، بل هي الوظيفة نفسها التي تم إنشاء المجلس من أجلها (حددت المادة 211 من الدستور الحالي، والقانون 180 لعام 2018 الخاص بتنظيم الصحافة والإعلام 24 وظيفة للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام: هل يقوم بأي منها؟!).
فإذا كان المجلس ينتظر لجنة لكي تذكره بها
فمعنى ذلك أنَّه لم يمارس جوهر وظيفته كما ينبغي.
وإذا كان مارسها فعلًا، فأين الأثر؟
أين التعددية؟ أين منع الاحتكار؟
أين حماية الاستقلال؟ أين شفافية الملكية؟
أين قياس الثقة؟ أين مواجهة ظاهرة الصوت الواحد؟
أين حماية الإعلاميين والصحفيين من المنع والإقصاء والتجريف المهني؟
أين الوقوف الحاسم أمام تحويل المجال الإعلامي إلى نسخة واحدة مكررة بأصوات مختلفة وملامح متشابهة؟
ثم، “معذرة يا سيدي: وأين صاحبي حسن؟”!
السؤال هنا لا يحتاج إلى بلاغة، بل إلى كشف حساب.
فإذا جاء تقرير رسمي ليقول إنَّ الإعلام يعاني فقدان الثقة، وتقييد الحريات، وهيمنة الصوت الواحد، وسياسات السيطرة والاحتكار، فهل هذا تقرير عن الإعلام فقط.
أم هو أيضاً تقرير عن فشل الجهة المنوط بها تنظيمه؟ هل كان المجلس غائباً؟
أم حاضراً بلا أثر؟ أم حاضراً بأثر عكسي؟
وهل يمكن لرئيس المجلس أن يقرأ هذه العبارات في التقرير ثم يواصل عمله، بدون تأنيب ضميره المهني، وكأن شيئاً لم يكن؟
في تقديري، كان الواجب أن يخرج رئيس المجلس إلى الرأي العام، لا ليعلق على التقرير، بل ليقدم كشف حساب:
ماذا فعل المجلس خلال السنوات الماضية؟
ماذا منع؟ ماذا عجز عن منعه؟ من قيّد سلطاته؟
وما خطته إن بقي؟
أما أن يتحول التقرير إلى مناسبة جديدة للتصريحات، وإغراق موقع المجلس بصور الاجتماعات، فذلك استمرار للمرض لا بداية للعلاج.
ثم نأتي إلى الهيئة الوطنية للإعلام، وماسبيرو تحديداً.
تبدو توصيات التقرير الخاصة بماسبيرو مؤلمة أكثر من غيرها، لأنها بديهية جداً ومتأخرة جداً جداً.
فالتقرير يدعو إلى انتقال ماسبيرو من نموذج الخطاب الرسمي إلى نموذج الخدمة الإخبارية.
وإلى تقديم الأخبار بمهنية، والفصل الواضح بين الخبر والتعليق.
وإعادة ترتيب أولويات النشرات بحيث تكون الصدارة لأحداث الساعة لا للأنشطة الرسمية، وتخصيص مساحات متوازنة لوجهات النظر المختلفة، وتمثيل المعارضة بشكل متوازن، وتعزيز البرامج الخدمية.
والسؤال الحقيقي الذي يجب طرحه هنا هو:
لماذا احتاجت الهيئة إلى تقرير في عام 2026 لكي يخبرها أنَّ الخبر يجب أن ينفصل عن التعليق؟
وأن النشرة يجب أن تبدأ بالحدث لا بالنشاط الرسمي؟
وأن إعلام الخدمة العامة ليس هو إعلام البيانات الرسمية؟
وأن الجمهور لا يريد شاشة تقرأ عليه ما يعرف أنه مكتوب في مكان آخر؟!!
هذه ليست ثورة مهنية ولا ابتكاراً رقمياً ولا فتحاً إعلامياً مبيناً
هذه أبجديات المهنة الغائبة عن المسؤولين!
فإذا كان ماسبيرو يحتاج إلى توصية رسمية لكي يعرف ذلك، فماذا كان يفعل طوال السنوات الماضية؟ ومن كان مسؤولاً عن بقائه في هذه الحالة؟ ومن كان راضياً عن ذلك؟
ويضيف التقرير توصيات أخرى عن إطلاق قناة متخصصة لماسبيرو على يوتيوب،
وإنشاء وحدة مركزية لإدارة السوشيال ميديا،
وتطوير منصات البودكاست للإذاعات المصرية، والتوسع في بث الإذاعات عبر التطبيقات والمنصات الرقمية، واستثمار إرث ماسبيرو باستخدام الذكاء الاصطناعي..
وكلها أفكار مطلوبة، لكنها تكشف درجة التأخر
فهل كان ماسبيرو يحتاج إلى لجنة عليا لكي يكتشف يوتيوب؟
وهل كانت الإذاعة المصرية تحتاج إلى خريطة طريق وطنية لكي تعرف أن العالم دخل عصر البودكاست؟
وهل كان أرشيف ماسبيرو يحتاج إلى عشرات الاجتماعات لكي نكتشف أنه ثروة لا مخزن تراب؟
إنَّ المشكلة هنا ليست في الاقتراح، بل في زمن الاقتراح.. بعض التوصيات حين تأتي متأخرة جداً لا تبدو كحل، بل كاعتراف ضمني بأنَّ من كان مسؤولاً نام طويلاً!

أما الهيئة الوطنية للصحافة، فالتقرير يدينها بالقدر نفسه
فهو يوصي بتطوير الصحافة المطبوعة من خلال تصنيع وتعميق الأخبار
تطوير الصفحات الأولى، وتعميق صفحة الرأي
الإسناد إلى المراكز البحثية، وإعادة الاعتبار للصحافة المتخصصة.
تشكيل فرق تطوير داخل المؤسسات
وإنشاء وحدات صحافة بيانات، وتأسيس فرق للصحافة الاستقصائية.
هذه كلها توصيات جيدة في ظاهرها
لكنها في جوهرها أسئلة اتهام!
هل تحتاج الصحافة القومية إلى لجنة رئيسية لكي تعرف أن الصفحة الأولى يجب أن تكون جذابة؟
وأن الخبر يجب أن يكون عميقاً؟
وأن الرأي يجب أن يكون متنوعاً؟
وأن المؤسسات تحتاج إلى غرف أخبار مدمجة؟
وأن صحافة البيانات لم تعد ترفاً؟
وأن الصحافة الاستقصائية هي إحدى علامات الحياة المهنية؟
إذا كانت الهيئة الوطنية للصحافة لا تعرف ذلك، فهي لا تعرف الصحافة، وإذا كانت تعرفه ولم تفعله، فهي مسؤولة عن هذا التأخر!
الأمر لا يتوقف عند المحتوى يتحدث التقرير أيضاً عن استثمار الأصول
وإنشاء قواعد بيانات للصور الوطنية الموجودة في الصحف القومية، وتدشين منصات لتحالف المؤسسات التي تملك أرشيفاً متميزاً..
مرة أخرى، الأرشيف موجود منذ عقود، والأصول موجودة منذ عقود، والخسائر موجودة منذ عقود، والأزمة معروفة منذ عقود.
فلماذا نحتاج اليوم إلى لجنة كبرى لكي تقول: استثمروا الأرشيف؟
هذا ليس تطويراً بالمعنى الدقيق، بل تذكير متأخر بأشياء كانت تصرخ من تلقاء نفسها!
والسؤال القاتل هنا:
ماذا فعلت الهيئة الوطنية للصحافة طوال السنوات الماضية في إدارة هذه الأصول؟
كم إصداراً خاسراً قيّمته بجدية؟
كم تجربة رقمية أنقذتها؟ كم غرفة أخبار دمجتها؟
كم قيادة اختيرت بالكفاءة لا بالرضا؟ كم موهبة صعدت؟ وكم كاتباً غادر؟ وكم صحفياً محترفاً أُعيد من الفريزر المهني؟
لعلَّ أكثر ما يدين الهيئات الثلاث في هذا التقرير، إضافة إلى ما سبق، هو كثرة التوصيات الموضوعة في مدى زمني قصير.
فالتوصية التي توضع في جدول الستة أشهر تعني ضمنياً أنها ليست مستحيلة، ولا تحتاج إلى جيل جديد، ولا إلى انقلاب تشريعي شامل، ولا إلى ميزانيات خرافية، بل قولاً واحداً تعني أنها قابلة للبدء الآن.
فإذا كانت كذلك، فلماذا لم تبدأ من قبل؟!
حين يقول التقرير: إن من الممكن خلال ستة أشهر إعداد مدونات وأدلة، وتطوير محتوى، وإطلاق تدريب، وتطوير سياسة التفاعل الرقمي، والتحول من الخطاب الرسمي إلى الخدمة الإخبارية، وإنشاء وحدات للسوشيال ميديا والبودكاست والصحافة المتخصصة.
فهو لا يقول فقط إنَّ لدينا خطة عاجلة، بل يقول أيضا إن لدينا تقصيراً عاجلاً.
كل بند قصير المدى هو شاهد إثبات على هذا التقصير، كل توصية مؤجلة كانت ممكنة هي علامة استفهام على من جلس في موقعه ولم يفعلها!
لهذا أرى بكل وضوح أنَّ رؤساء الهيئات الإعلامية الثلاث كان عليهم، مع صدور التقرير، أن يتقدموا باستقالاتهم.
أو أن يقدموا على الأقل كشف حساب علنياً.
لا أتحدث عن استقالة انتقامية أو عن كبش فداء، ولا أزعم أنهم وحدهم أصل الداء، لكن التقرير جعل بقاءهم بلا مساءلة أمراً غير مفهوم، وغير مقبول.
فإذا كانت التوصيات التي تقع في صميم اختصاصاتهم لم تنفذ، فهم مسؤولون.
وإذا كانوا حاولوا ولم يستطيعوا، فهم مطالبون بتفسير العجز، وإذا كان العجز سببه تدخلات أعلى، فهم مطالبون بكشفها أو مغادرة مواقعهم، وإذا كانوا لا يعرفون أصلاً أن هذه الملفات تدخل في اختصاصهم، فالمصيبة أكبر!
قد يقول قائل: إنَّ رؤساء هذه الهيئات ليسوا أصحاب القرار الكامل،
وإنَّ هناك قوانين تحتاج إلى تعديل
وتمويلاً يحتاج إلى موافقة
وديوناً تحتاج إلى تدخل حكومي
وسوق إعلان مختلاً، ومنصات عالمية، وجهات أمنية
وقراراً سياسياً أعلى، وهذا صحيح إلى حد بعيد، لكنَّ هذه الحجة لا تنقذهم بالكامل، بل ربما تدينهم من زاوية أخرى
لأن الهيئة المستقلة لا تُسأل فقط عما فعلت حين استطاعت،
بل تُسأل أيضا عما قالت حين لم تستطع: هل أعلنوا عجزهم؟
هل قالوا إنهم لا يملكون الصلاحيات؟
هل قالوا إنَّ هناك تدخلات تمنعهم من ممارسة اختصاصاتهم؟
هل وضعوا استقالاتهم يوم وجدوا أن المنصب بلا أدوات؟!
إن الهيئة التي تُمنع من الاستقلال ثم تصمت لا تكون ضحية فقط، بل تتحول إلى جزء من الديكور!
والسؤال الصعب الذي يجب الإجابة عنه الآن:
هل فشلت هذه الهيئات لأنها لا تملك الكفاءة؟
أم لأنها مُنعت من ممارسة دورها؟
أم لأنها تعودت ألا تتحرك إلا بعد إذن؟
أم لأنها اختارت السلامة والبقاء على حساب المسؤولية؟
الاحتمالات كلها سيئة؛ إذا فشلت، فلتستقل! إذا مُنعت، فلتعلن أو لتستقل!
إذا تعودت انتظار الإذن، فلتستقل!
وإذا اختارت السلامة على المسؤولية، فلتستقل!
بقاء القيادات في مواقعها بعد تقرير كهذا يعني أن التقرير تحول إلى حفلة تطوير بلا محاسبة
كأننا نقول للمسؤول: إدارتك كانت جزءاً من الأزمة، والتقرير أثبت الأزمة، والآن تفضل، أنت المسؤول عن حلها! وهذا يشبه أن نطلب من الحريق أن يقود إدارة الإطفاء!
هناك قاعدة بسيطة في الإدارة والسياسة والأخلاق:
من كان جزءاً من المشكلة لا يجوز أن يصبح جزءاً من الحل، أو ينفرد بقيادة الحل،
قد يشارك في الشهادة، وقد يشرح العقبات، وقد يقدم الملفات، وقد يسلم المفاتيح، لكنه لا يجلس على رأس الطاولة باعتباره المنقذ الوحيد!
والتقرير في صورته الحالية يفعل العكس، وهنا يصبح الإصلاح أقرب إلى إعادة تدوير الفشل:
الوجوه نفسها،
والأدوات نفسها،
والثقافة نفسها، والخوف نفسه، والانتظار نفسه،
ثم نريد نتائج مختلفة، وهو التطبيق الحرفي لتعريف الغباء عند “إينشتاين”!
الخلاصة أن تقرير اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري لا يجب أن يُقرأ فقط بوصفه خطة للمستقبل، بل يجب أن يُقرأ أولاً بوصفه كشفاً عن فشل الماضي..
ولقد حرَّر التقرير بدون أن يقصد شهادة وفاة الهيئات الإعلامية التي انتظرت لجنة من السلطة التنفيذية لكي تخبرها كيف تمارس استقلالها.. سعيكم مشكور أيُّها السادة!






