علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
تقارير
ماريا أيمن خالد
ماريا أيمن خالد

صحفية وباحثة في العلاقات الدولية

الحقيقة تحت الأنقاض.. حين يصبح الإعلام ساحة للصراع

يعرض التقرير أمثلة على تصريحات إعلامية دعت إلى محو غزة وتدميرها، إلى جانب خطاب يبرر العنف ضد الفلسطينيين

مشاركة:
حجم الخط:

تقرير أممي يرصد استهداف الصحفيين الفلسطينيين وتقييد تدفق المعلومات، ويحذّر من دور التضليل والتحريض في إعاقة المساءلة عن الجرائم في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

لم تعد الحرب في فلسطين تقتصر على الدمار الذي تصنعه الأسلحة، بل امتدت، وفق تقرير أممي، إلى معركة على الحقيقة نفسها:

من يملك القدرة على توثيق الأحداث، ومن يستطيع إيصالها إلى العالم، ومن يحدد الرواية التي تحظى بالتصديق والانتشار. ففي تقريرها المعنون «الحقيقة تحت الأنقاض: الإعلام في زمن الإبادة الجماعية»،

تطرح فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967.

قراءة لدور الإعلام في النزاع، مسلطة الضوء على استهداف الصحفيين الفلسطينيين، والتحكم بالمعلومات، وتهميش الأصوات الفلسطينية في وسائل الإعلام الدولية والمنصات الرقمية.

ويستند التقرير، المؤرخ في 21 يوليو/تموز 2026، إلى مصادر أولية ومعلومات متاحة للجمهور ومشاورات مع ناجين وخبراء،

إضافة إلى 89 مساهمة مكتوبة، تناولت 62 منها أنماطًا متكررة في البيئات الإعلامية بأوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا.

استهداف الصحفيين ومحاصرة الشهادة

يضع التقرير استهداف العاملين الفلسطينيين في الإعلام في مقدمة الأنماط التي يرصدها،

مشيرًا إلى القتل والإصابة والاحتجاز التعسفي والتعذيب والترهيب، فضلًا عن اتهام صحفيين بالإرهاب،

بما يسهم في التشكيك بمصداقية شهاداتهم وتوثيقهم للأحداث.

ولا يتوقف أثر هذه الممارسات عند الصحفيين أنفسهم،

بل يمتد إلى المجتمع الذي ينقلون معاناته، إذ يؤدي تراجع القدرة على التغطية المستقلة إلى تقليص المعلومات المتاحة للعالم عن الأوضاع على الأرض.

ويشير التقرير إلى أن الصحفيين الفلسطينيين واجهوا ظروفًا من القصف والنزوح والجوع والإرهاق،

فيما واصل كثيرون نقل الأحداث رغم المخاطر، حتى إن بعضهم قدم تقاريره من الخيام.

كما يلفت إلى استهداف البنية التحتية الإعلامية ووسائل الاتصال، معتبرًا أن تعطيلها يحد من قدرة الصحفيين على توثيق الوقائع وإيصالها إلى الخارج.

وهنا تتجاوز المسألة حماية العاملين في مهنة الصحافة، لتصل إلى حق الجمهور في المعرفة، وإلى إمكانية الاحتفاظ بأدلة قد تكون ضرورية في إجراءات المساءلة مستقبلًا.

بين التحريض والتضليل وتطبيع العنف

يرصد التقرير نمطًا آخر يتمثل في منظومة أوسع للتحكم بالمعلومات، تشمل الرقابة والقيود المفروضة على الإعلام،

إلى جانب خطاب الكراهية والتحريض على العنف وإنكار الجرائم أو التقليل من شأنها.

ويشير إلى دور قطاعات من الإعلام الإسرائيلي في تكرار تصريحات تنزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين، وتصورهم باعتبارهم جماعة لا تستحق الحماية.

ويعرض التقرير أمثلة على تصريحات إعلامية دعت إلى محو غزة وتدميرها،

إلى جانب خطاب يبرر العنف ضد الفلسطينيين. كما يناقش محاولات التشكيك في الصحفيين الفلسطينيين والمؤسسات الإنسانية، من خلال اتهامهم بالانحياز أو الارتباط بجماعات مسلحة،

أحيانًا من دون تقديم أدلة كافية.

ويشدد على أن التحريض العلني والمباشر على الإبادة الجماعية جريمة مستقلة بموجب القانون الدولي، متى استوفى الشروط القانونية المطلوبة،

وأن مسؤولية المؤسسات الإعلامية لا تنحصر في المحتوى الذي تنتجه، بل تشمل أيضًا كيفية تعاملها مع خطاب الكراهية والتحريض الصادر عن ضيوفها ومقدمي برامجها.

وفي المقابل، يذكر التقرير أن بعض المؤسسات الإعلامية الإسرائيلية المستقلة أسهمت في كشف معلومات أخفقت مؤسسات أخرى في تمحيصها،

وهو ما يوضح أن التقييم لا يتعلق بهوية المؤسسة وحدها، بل بمدى التزامها بالتحقق والاستقلالية وأخلاقيات المهنة.

الإعلام الدولي والمنصات الرقمية تحت المساءلة

ينتقل التقرير إلى دور وسائل الإعلام الدولية المؤثرة والمنصات الرقمية الكبرى، معتبرًا أن بعض أنماط التغطية أسهمت في إعادة إنتاج روايات تهمش الأصوات الفلسطينية،

أو تتعامل مع الادعاءات الإسرائيلية باعتبارها حقائق قبل التحقق منها، أو تعيد صياغة الوقائع بطريقة تحجب أبعادها القانونية والإنسانية.

وتكمن خطورة هذا المسار في أن المؤسسات الإعلامية لا تكتفي بنقل الأحداث،

بل تؤثر في كيفية فهم الجمهور لها، وفي تحديد القضايا التي تحظى بالاهتمام، والضحايا الذين تُسمع أصواتهم، والأدلة التي يجري تداولها.

وعندما يُمنح ادعاء طرف متحارب مساحة واسعة من دون تدقيق، بينما تُهمش شهادات الضحايا أو تُحذف مواد توثق معاناتهم، يصبح الوصول إلى صورة متكاملة عن الأحداث أكثر صعوبة.

كما يناقش التقرير مسؤولية المنصات الرقمية عن إزالة المحتوى المتعلق بفلسطين، بما في ذلك المواد التي توثق انتهاكات محتملة،

وعن ضرورة التمييز بين المحتوى الذي يحرض على العنف والمحتوى الذي يوثق الأحداث أو يعبر عن رأي مشروع.

ويؤكد أهمية الشفافية في قرارات الحذف والتقييد، وحفظ المواد التي قد تشكل أدلة في إجراءات قضائية مستقبلية.

ومن هذا المنطلق، يربط التقرير بين أداء الإعلام ومسؤولية الشركات والدول، مشددًا على ضرورة احترام حقوق الإنسان.

وإجراء مراجعة دقيقة للممارسات الإعلامية والرقمية، خصوصًا في النزاعات المسلحة.

القانون الدولي وحماية الحقيقة

يستند التقرير إلى قواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، مؤكدًا أن الصحفيين مدنيون يتمتعون بالحماية ما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية.

كما أن نشر المعلومات، حتى عندما تتضمن انتقادات لطرف متحارب، لا يحول الصحفي تلقائيًا إلى هدف عسكري مشروع.

ويشير إلى أن الاعتداءات المتعمدة على المدنيين والأعيان المدنية، والقتل والتعذيب والاحتجاز غير المشروع للأشخاص المحميين،

قد تشكل جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية بحسب ظروفها وعناصرها القانونية.

ويستحضر كذلك التدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية، والتزامات الدول بمنع التحريض على الإبادة الجماعية والتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.

وفي توصياته، يدعو التقرير إلى إنشاء آلية مستقلة لجمع الأدلة المتعلقة بالاعتداءات على الصحفيين والبيئة الإعلامية في الأرض الفلسطينية المحتلة،

ووقف الهجمات على البنية المعلوماتية، والإفراج عن الصحفيين المحتجزين تعسفيًا، والسماح للصحفيين الدوليين ومراقبي حقوق الإنسان بالوصول إلى غزة.

كما يحث الدول على التحقيق في الاعتداءات، ويدعو المؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية إلى التحقق من ادعاءات الأطراف المتحاربة، وتصحيح الأخطاء بوضوح، وحفظ المواد التي قد تفيد إجراءات المساءلة.

في المحصلة، يطرح التقرير قضية تتجاوز حرية الصحافة إلى مستقبل العدالة نفسها.

فحين يُستهدف الشهود، وتُحاصر المعلومات، وتُستبدل الأدلة بروايات غير ممحصة،

لا يصبح توثيق الحقيقة مهمة إعلامية فحسب، بل شرطًا أساسيًا لمحاسبة المسؤولين ومنع تكرار الانتهاكات.

فالحقيقة التي لا تجد من يحميها قد تُدفن تحت الأنقاض، لكن حفظها يظل خطوة ضرورية نحو المساءلة والعدالة.

شارك المقال:

شاركنا برأيك