آراء و تحليلات
أحمد علام
أحمد علام

كاتب وسياسي

أحمد علام يكتب: حين يعود الدين إلى الغرب من باب الهوية

المسيحية هنا لا تبدأ من العقيدة بقدر ما تبدأ من الهوية.حين يرى الأوروبي العلماني مسلمًا يصلي أو يسجد أو يرتدي رموزًا دينية واضحة، قد ينشأ السؤال: إذا كان هو مسلمًا بهذا الوضوح، فمن أكون أ

مشاركة:
حجم الخط:

حين يقول نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس:

“إنه لن يُصدم إذا كان المسيح الدجال يسير بين الناس”

ويتحدث عن نهاية الزمان والشيطان والبعد الروحي للتكنولوجيا، فمن السهل أن تُقرأ كلماته بوصفها غرابة دينية أمريكية عابرة.

لكن فانس نفسه، الذي اعتنق الكاثوليكية بعد رحلة طويلة من الشك واللادينية، ليس شخصية هامشية، ولا يتحدث من خارج قلب السلطة الأمريكية.

ولهذا فإن عودة هذه اللغة العقائدية إلى المجال السياسي تستحق التوقف.

وفي الجهة الأخرى من الأطلسي، كشفت لقطة رياضية عابرة عن شيء لا يقل أهمية.

سجد لاعب أوروبي مسلم بعد إحرازه هدفًا في كأس العالم، فتحولت السجدة لدى دوائر اليمين الأوروبي إلى أكثر من احتفال رياضي.

ظهرت ردود فعل تستدعي هوية أوروبا المسيحية ، وتتعامل مع السجود باعتباره علامة على حضور الإسلام داخل المجال العام الأوروبي.

لم يعد السؤال:

ماذا فعل لاعب كرة؟ بل: من نحن نحن الأوروبيين؟ ومن هو الآخر؟

المفارقة هنا شديدة الدلالة.

أوروبا التي أمضت عقودًا طويلة وهي تقول إن الدين خرج من المجال العام، تجد نفسها تستدعي المسيحية حين يظهر مسلم متمسك بهويته الإسلامية.

وفي واشنطن، يعود نائب للرئيس إلى الكاثوليكية ويتحدث عن الأسرة والدين والخير والشر.

يبدو الأمر للوهلة الأولى ظاهرتين مختلفتين، لكنهما في العمق قد تكونان تعبيرًا عن أزمة واحدة: أزمة الهوية الغربية بعد عقود من العلمنة والفردانية والنيوليبرالية.

أحمد علام يكتب: الشارع وصراع أجنحة الحكم؟ (التمرد الإبتزازي)

فأي مسيحية تعود إلى الغرب اليوم؟

هل هي المسيحية الخلاصية التي تبدأ من سؤال الإنسان عن الله والخطيئة والمصير والآخرة؟

أم المسيحية الحضارية الإمبراطورية الاستعمارية التي تستدعى بوصفها علامة على الحدود والهوية والانتماء؟

لفهم هذا التحول لا بد من العودة إلى أصل البناء الأوروبي نفسه.

أوروبا الحديثة لم تولد علمانية. خرجت من تركيب تاريخي طويل التقت فيه الفلسفة اليونانية بالقانون الروماني بالمسيحية.

من اليونان أخذت جزءًا من تراثها الفلسفي، ومن روما ورثت القانون والإدارة والدولة، ثم من المسيحية أخذت تصورًا للإنسان والأسرة والأخلاق والمعنى والغاية.

وعندما تحولت الإمبراطورية الرومانية إلى المسيحية، لم تعد المسيحية مجرد رسالة خلاص فردي أو انتظار أخروي، بل دخلت في تركيب السلطة والمجتمع والقانون.

ثم تشكل ما عرف لاحقًا بالعالم المسيحي الأوروبي، حيث أصبحت الهوية الدينية جزءًا من تعريف الجماعة السياسية والإمبراطورية.

ولم تختف هذه البنية عندما سقطت روما سياسيًا، كما لم تختف تمامًا عندما ظهرت العلمانية.

تبدلت الأشكال، لكن كثيرًا من الطبقات العميقة استمر:

القانون، المؤسسة، الأسرة، الذاكرة، مفهوم النظام، وتصورات الإنسان والمجتمع.

ثم جاءت الحداثة الأوروبية:

الإصلاح الديني، الدولة القومية، التنوير، الثورة الصناعية، الرأسمالية، ثم تسارعت العلمنة. وانسحب الدين شيئًا فشيئًا من موقعه المركزي، لكن المجتمع ظل طويلًا محتفظًا بمؤسسات تمسكه من الداخل:

الأسرة، الكنيسة، النقابة، المجتمع المحلي، المصنع، الحي، المدرسة، والأمة.

ثم جاءت النيوليبرالية.

لم تخترع النيوليبرالية الفردانية أو المادية، ولم تكن وحدها سبب تراجع الدين والأسرة، لكنها عمقت منطقًا جديدًا في تنظيم المجتمع.

صار السوق العالمي هو المرجع الأعلى للكفاءة، وصارت حرية حركة رأس المال والسلع والعمل جزءًا من تعريف النجاح الاقتصادي.

وان كان الهدف أساسا حل مشكلة الرأسمالية وإضعاف قوة النقابات العمالية وتكلفة العمالة الأوربية وانتقال المصانع إلى مناطق وفرة العمالة الرخيصة وذلك بالهرولة في اتجاه مدرسة شيكاغو الاقتصادية ونظريات ميلتون فريدمان و هايك وتتبع سياسات ريجان وتاتشر لهما ثم سار على الدرب أغلب الغرب.

وكان الوعد جذابًا:

حرر التجارة، خفف القيود، انقل رأس المال إلى حيث تكون الكفاءة أعلى، وستزداد الثروة ويستفيد الجميع.

وبالفعل حدث نمو اقتصادي هائل، وتسارعت التكنولوجيا، وانخفضت تكلفة كثير من السلع، لكن فاتورة أخرى كانت تتراكم في الخلفية.

حين تنتقل الشركة بمصنعها إلى بلد آخر لأن تكلفة العامل أرخص، يكون القرار منطقيًا داخل جدول الحسابات.

لكن الجدول لا يسجل ما يحدث للمدينة التي فقدت المصنع، ولا للرجل الذي فقد مكانته الاجتماعية، ولا للشاب الذي لم يعد قادرًا على شراء بيت أو تكوين أسرة، ولا للمتجر الصغير الذي أغلق، ولا للمجتمع المحلي الذي فقد مركزه الاقتصادي.

السوق يحسب السعر، لكنه لا يعرف دائمًا كيف يحسب الانتماء.

وهنا ظهرت واحدة من أكبر مفارقات النموذج النيوليبرالي:

الاقتصاد الذي يفترض أنه يمثل ذروة نجاح الغرب بدأ، عند قطاعات من المجتمع، يهدم بعض المؤسسات التي صنعت قدرة الغرب نفسه على الاستمرار وأرتد أثر النيوليبرالية السلبي إلى المركز.

تحول العامل إلى مورد بشري، والمواطن إلى مستهلك، والمكان إلى فرصة استثمارية، والمصنع إلى رقم يمكن نقله، والأسرة إلى قرار فردي مؤجل تحت ضغط تكاليف السكن والعمل فنظريات النيوليبرالية اقتصادية مادية بحتة.

لكن الأسرة لا تعمل بمنطق السوق.

لا يرعى الابن أباه لأنه أكثر الأشخاص إنتاجية، ولا تنجب الأسرة طفلًا لأنه أفضل استثمار مالي. ولا تقوم علاقة الأم بولدها على حساب الأرباح والخسائر.

الأسرة تقوم على أشياء لا تستطيع السوق قياسها بسهولة: الواجب، والانتماء، والتضحية، والاستمرارية بين الأجيال.

ولهذا ليس غريبًا أن تعود الأسرة إلى قلب خطاب اليمين الجديد في أمريكا وأوروبا.

وهنا يظهر اختلاف فانس عن اليمين الأمريكي الريجاني القديم.

فقد كان اليمين التقليدي قادرًا على الجمع بسهولة بين المحافظة الاجتماعية والسوق الحرة الواسعة.

أما اليمين الجديد فيسأل:

ماذا لو كانت السوق نفسها، حين تتحرر من كل الضوابط الاجتماعية، تهدم الأسرة والمجتمع والمصنع الذي نزعم أننا ندافع عنه؟

ماذا لو كان نقل المصنع إلى الصين ممتازًا للشركة، لكنه سيئًا للأمة؟

وماذا لو ارتفع الناتج المحلي بينما انخفض الزواج والإنجاب، وتضاعفت الوحدة، وتراجعت المدن الصناعية؟

عند هذه النقطة تصبح السوق أداة وليست عقيدة.

لكن الأزمة الأوروبية أكثر تعقيدًا.

فأوروبا الغربية شديدة العلمنة، والحضور الكنسي منخفض جدا، ومع ذلك ما زالت أعداد كبيرة من الأوروبيين تعرف نفسها باعتبارها مسيحية حتى لو لم تمارس الشعائر وتذهب للكنيسة.

وهنا يظهر ما يمكن تسميته “المسيحية الهوياتية”

المسيحية هنا لا تبدأ من العقيدة بقدر ما تبدأ من الهوية.

حين يرى الأوروبي العلماني مسلمًا يصلي أو يسجد أو يرتدي رموزًا دينية واضحة، قد ينشأ السؤال:

إذا كان هو مسلمًا بهذا الوضوح، فمن أكون أنا؟

وتأتي الإجابة: أنا مسيحي، بمعنى ثقافي وهوياتي حتى لو لم أكن ممارسًا.

ولهذا يمكن لسجدة لاعب كرة مسلم أن تثير توترًا أكبر من حجمها الرياضي.

فهي لا تُرى فقط كفعل ديني شخصي، بل كمرآة تعكس سؤالًا أوروبيًا أعمق: هل ما زالت هذه قارة مسيحية؟ وما الذي يعنيه ذلك أصلًا؟

وهنا يتحول الصليب من رمز خلاص إلى علامة حدود.

ويتحول الدين من سؤال: ماذا يريد الله مني؟

إلى سؤال: من نحن ومن هم؟

وهذا التحول بالغ الخطورة، لأنه قد يعيد المسيحية إلى المجال العام دون أن يعيد مضمونها الروحي والأخلاقي.

فالمسيحية الخلاصية تستطيع أن تقول للسلطة:

أنت لست الله وتقول للقوي: القوة لا تصنع الحق. وتقول للإنسان: الغريب والضعيف لهما كرامة.
أما المسيحية الهوياتية الإمبراطورية فقد تتحول إلى راية تقول:

هذه أرضنا وهذه جماعتنا وهذا الآخر.

والفرق بين الاثنين هائل.

لكن لماذا يحدث هذا كله الآن؟

لأن الغرب لا يواجه أزمة داخلية فقط، بل في الخارج عادت قوى ظن طويلًا أنها ستلتحق بنموذجه.
الصين لم تعد تقدم نفسها باعتبارها دولة متأخرة تتعلم من الغرب، بل تتحدث عن النهضة العظيمة للأمة الصينية، وعن حضارة لها نموذجها وموقعها ومصالحها.

والهند لا تتحدث فقط عن التنمية الاقتصادية، بل يصاحب صعودها استدعاء قوي للهوية الثقافية الهندوسية.

أما داخل أوروبا نفسها، فقد جاءت موجات هجرة إسلامية تحمل معها دينًا وهوية وشعائر أكثر وضوحًا من تلك التي بقيت عند كثير من الأوروبيين.

فتظهر مفارقة تاريخية شديدة القوة:

الصيني يستعيد حضارته.

والهندي يستدعي جذوره.

والمسلم القادم إلى أوروبا يحمل دينه وهويته.

ثم ينظر الأوروبي في المرآة ويسأل: ماذا بقي لي أنا؟

وهنا تصبح الإجابة الجديدة عند قطاعات من اليمين مختلفة عن إجابة العقود النيوليبرالية السابقة.

لم تعد: أنا فرد حر داخل سوق عالمية.

بل: أنا أوروبي، أنتمي إلى تاريخ، وأمة، وأسرة، وتاريخ إمبراطوري ذا جذور مسيحية.

وهذا يفسر لماذا لا يبدو صعود اليمين الجديد مجرد موجة انتخابية عابرة.

فهو يحاول أن يجمع أزمات متعددة داخل سردية واحدة: أزمة الأسرة، والهجرة، والهوية، والعمل، والدين، والسيادة.

ويعيد كل ذلك إلى سؤال واحد: هل يستطيع المجتمع الغربي أن يعيد إنتاج نفسه؟

ديموغرافيًا عبر الأسرة.

واجتماعيًا عبر الجماعات والمؤسسات.

واقتصاديًا عبر العمل المنتج.

وثقافيًا عبر ذاكرة مشتركة.

وروحيًا عبر معنى يتجاوز الاستهلاك.

لقد منحت النيوليبرالية الفرد حرية حركة واسعة، ووفرت له خيارات وسلعًا وقدرات هائلة، لكنها لم تستطع وحدها الإجابة عن سؤال بسيط: إلى من ينتمي هذا الفرد؟

وقد يكون هذا السؤال، لا سعر الفائدة ولا نسبة الضرائب، هو الذي يعيد تشكيل السياسة الغربية اليوم.

ومن هنا يصبح فانس أكثر من مجرد سياسي محافظ.

فتحوله إلى الكاثوليكية ليس تفصيلًا في حياته الخاصة، وتصريحاته عن الأسرة والدين والخير والشر ليست منفصلة عن رؤيته للمجتمع.

وفي أوروبا أيضًا لم تعد المسيحية مجرد عقيدة تتراجع أمام العلمنة، بل أصبحت عند قطاعات من اليمين مخزنًا لهوية يريدون استدعاءها في مواجهة الخوف من التفكك الداخلي ومن حضور الآخر ومن تراجع موقع الغرب عالميًا.

وربما لهذا لا يكون السؤال الحقيقي: هل عاد الغرب إلى المسيحية؟

بل: أي مسيحية تعود؟

هل تعود المسيحية التي تقيد القوة والمال والدولة، أم تعود بوصفها الاسم القديم لإمبراطورية مشتتة خائفة تبحث في ذاكرتها عن راية تجمعها في مواجهة الصين والهند والإسلام وفي مواجهة التفكك الذي أنتجته هي نفسها؟

هذا السؤال قد يحدد شكل الغرب في العقود المقبلة، وقد يحدد أيضًا شكل صراعه القادم مع العالم.

ولكن أين المسلمين من كل ذلك ؟ هذا هو محور المقالة التالية.

شارك المقال: