آراء و تحليلات
أحمد علام
أحمد علام

كاتب وسياسي

أحمد علام يكتب: سيد قطب من جمال القرآن إلى سؤال الحاكمية!

لذلك فإن اختزال سيد قطب في «معالم على الطريق» يعني عمليًا قراءة مفكر كامل من خلال أكثر نصوصه تكثيفًا وصدامًا.

مشاركة:
حجم الخط:

قراءة في الخيط الذي يصل الأديب بالمفكر والحركي

“وفي هذه المقالة سأستشهد بكتاباته والدراسات الغربية التي صدرت عنها وذلك لتأكيد كم هو مهم هذا الرجل وكم كنا ولا زلنا ظالمين له ولإنتاجه المثمر”

في 29 من أغسطس/آب 1966 أُعدم سيد قطب،وبعد ستين عامًا لا يزال الرجل حاضرًا في المجال الفكري والسياسي بصورة استثنائية.

غير أن سيد قطب الذي يدور حوله الجدل اليوم ليس شخصًا واحدًا

فهناك سيد قطب الذي صنعه أنصاره:

الشهيد الذي رفض أن ينحني للسلطة ودفع حياته ثمنًا لموقفه، وهناك سيد قطب الذي صنعه خصومه: الأب الفكري للتكفير والعنف والجهادية المعاصرة.

وبين الصورتين يختفي أحيانًا سيد قطب الحقيقي:

الأديب والناقد، والباحث عن جمال القرآن، وصاحب «العدالة الاجتماعية»، والمفسر، والمفكر الحركي الذي تطورت أفكاره عبر عقود.

المشكلة أن كثيرًا من القراءات تبدأ من نهاية الطريق، من «معالم في الطريق»، ثم تعود إلى الماضي فتفسر الرجل كله بعين كتابه الأخير.

لكن ماذا لو قرأناه بالعكس؟

ماذا لو بدأنا من «التصوير الفني في القرآن»، ثم تتبعنا انتقاله من الأدب إلى الاجتماع، ومن الاجتماع إلى المرجعية، ومن المرجعية إلى الحاكمية والجاهلية والطليعة؟

أحمد علام يكتب: حين يهرب المجال العام إلى «قاع الهامور»

ويمكننا اقتراح خريطة فكرية لمشروعه:

الجمال ← العدالة ← تحرير الإنسان من عبودية الإنسان ← المرجعية ← الحاكمية ← الجاهلية ← الطليعة.

هذه ليست مراحل زمنية صارمة، بل خريطة منطقية تكشف خيطًا داخليًا في مشروعه:

كيف يستطيع الإنسان أن يعيش داخل عالم ذي معنى من دون أن يتحول إلى عبد لإنسان آخر أو لقوة بشرية مطلقة؟

فإذا صح هذا الافتراض، فإن السياسة ليست نقطة البداية في فكر قطب، بل النتيجة السياسية لمسألة بدأت أدبية وأخلاقية ووجودية.

بدأ قطب من سؤال الجمال.

ففي «التصوير الفني في القرآن» بحث في الصورة والمشهد والحركة والإيقاع والجو النفسي، ورأى أن القرآن لا يقدم المعاني المجردة في صورة تقريرية فقط، بل يحولها إلى تجربة حية.

وقد أعادت Lauren Osborne (الدكتورة لورين إي. أوزبورن، أستاذة الأديان في كلية ويتمان الأمريكية) في دراستها عن التفاعل الوجداني في «التصوير الفني» الانتباه إلى هذا الجانب.

كما حاولت Giedrė Šabasevičiūtė (جيدري شاباسيفيتشوتيه عالمة اجتماع ومؤرخة وباحثة إسلامية ليتوانية في المعهد الشرقي التابع لأكاديمية العلوم الاجتماعية في جمهورية التشيك) في كتابها سيد قطب:

سيرة فكرية الصادر سنة 2021 أن تفكك الرواية التقليدية التي تفصل تمامًا بين قطب الأديب وقطب الإسلامي.

وهنا يمكن طرح فرضية مهمة:

قطب الناقد كان يبحث عن «الوحدة الكلية» للنص؛ فلم يكن يفصل الصورة عن الإيقاع، ولا المعنى عن الوجدان، ولا الجزء عن الجو العام.

ثم ظهر الميل نفسه لاحقًا على مستوى أوسع: لم يعد يقبل أن يكون الدين عقيدة منفصلة عن الأخلاق، أو عبادة منفصلة عن المجتمع، أو قرآنًا منفصلًا عن الحياة.

وكأن المسار انتقل من وحدة الصورة القرآنية إلى وحدة التصور الإسلامي، ثم إلى الإسلام بوصفه نظامًا متكاملًا.

وهي الفكرة التي درسها William Shepard (ويليام إي. شيبارد هو باحث في الدراسات الدينية وأستاذ بجامعة هارفارد الأمريكية) حين قام بنشر كتاب سيد قطب والنشاط الإسلامي.

وهو ترجمة إنجليزية مفصلة وتحليل نقدي لنص سيد قطب الأساسي “العدالة الاجتماعية في الإسلام” في بحثه المعروف عن الإسلام بوصفه «نظامًا» في كتابات قطب المتأخرة.

ثم جاء سؤال العدالة.

في «العدالة الاجتماعية في الإسلام» سنة 1949 خرجت الفكرة من النص إلى المجتمع. كانت مصر تعاني تفاوتًا اجتماعيًا حادًا، واحتلالًا، وأزمة في النظام السياسي، وفي وقت كانت فيه الرأسمالية والاشتراكية والشيوعية تتنافس على تقديم إجابات عن سؤال العدالة.

هنا بدأ قطب يقدم الإسلام باعتباره رؤية للحياة لا مجرد عقائد وشعائر.

ومن سؤال العدالة انتقل إلى سؤال أعمق: لماذا يظلم الإنسان الإنسان؟

وهنا برزت واحدة من أكثر أفكاره ثباتًا:

أن التوحيد ليس مجرد إجابة عن سؤال «كم إلهًا يوجد؟»

بل إجابة عن سؤال «من يملك الإنسان؟» 

فإذا كان الإنسان عبدًا لله وحده، فلا يجوز أن يتحول إنسان آخر إلى رب له. ومن هنا جاءت الفكرة المركزية: العبودية لله تعني التحرر من عبودية البشر.

في هذا الضوء يمكن فهم الصلة بين كتاباته الاجتماعية وكتاباته السياسية المتأخرة.

فالاستغلال الاقتصادي صورة من عبودية الإنسان للإنسان، والاستبداد السياسي صورة أخرى، والهيمنة الثقافية صورة ثالثة، ثم سيصبح التشريع الذي يمنح البشر سلطة مطلقة على البشر صورة رابعة.

وهكذا انتقل السؤال من: كيف نحقق عدالة اجتماعية؟

إلى: كيف نمنع إنسانًا من أن يمتلك سلطة مطلقة على إنسان آخر؟

ومن هنا برز لدى قطب سؤال المرجعية: من يضع المعيار النهائي للخير والشر، والحلال والحرام، والعدل والظلم؟

بدأ قطب يرى أن أزمة المجتمعات الحديثة ليست فقط في فساد الحكام، بل في مصدر المرجعية نفسها.

وهنا ظهر مفهوم الحاكمية بوصفه الترجمة السياسية لسؤال العبودية.

تأثر قطب في هذا المجال بأبي الأعلى المودودي، وهو ما تؤكده دراسات حديثة، منها دراسة سامي بارودي ( أستاذ في الجامعة الأمريكية اللبنانية) عن انتقال مفهومي الدولة الإسلامية وحاكمية الله سبحانه من المودودي إلى قطب.

لكن قطب لم يكن مجرد ناقل، فقد أعاد إدماج الحاكمية داخل ثنائية العبودية والتحرر.

الملاحظ، أن المشروع القطبي كان أقوى في نقد «السيادة البشرية المطلقة» منه في بناء نظرية مؤسسية كاملة تجيب عن أسئلة:

من يفسر الشريعة؟

وكيف تتداول السلطة؟

وكيف تقع المحاسبة؟

وكيف نمنع من يزعم تمثيل حاكمية الله من أن يتحول إلى سلطة بشرية مطلقة؟

إذا كانت الحاكمية تحدد المرجعية، فإن «الجاهلية» تحدد وصف المجتمع الذي يقوم على مرجعية أخرى.

عند قطب المتأخر لم تعد الجاهلية عصرًا تاريخيًا انتهى بظهور الإسلام، بل حالة يمكن أن تتكرر كلما جعل المجتمع المرجعية النهائية للبشر لا لله.

وقد جعل وليام شيبارد (سبق تعريفه) هذا المفهوم محور دراسته الشهيرة “Sayyid Qutb’s Doctrine of Jāhiliyya” (نظرية سيد قطب في الجاهلية)المنشورة سنة 2003.

وهنا وقع أحد أهم التحولات في المشروع:

انتقل السؤال من « كيف يتحرر الإنسان؟»

إلى «كيف نصنف المجتمع؟» 

ومن ثم ظهرت أسئلة شديدة الحساسية: هل وصف النظام بالجاهلي يعني وصف المجتمع كله؟

وهل يمتد الحكم إلى الأفراد؟

وأين ينتهي الوصف الحضاري وأين يبدأ الحكم العقدي؟

ولا يصح مطلقا أن ننسب إلى قطب كل ما فعلته الحركات التكفيرية بعده فقضية التكفير لم تكن في حاجة الى سيد قطب فقد تسللت الى المسلمين منذ القرن الاسلامي الأول.

ثم جاءت «الطليعة». فإذا كانت الأزمة أزمة مرجعية لا مجرد حكومة، وإذا كان المجتمع نفسه قد تشكل على قيم جاهلية، فإن التغيير لن يبدأ، في تصور قطب، بمجرد تغيير الحاكم، بل بتكوين جماعة تستعيد التصور الإسلامي أولًا، ثم تتحرك به في الواقع.

وهنا تبلغ أفكار «معالم في الطريق» أعلى درجات التكثيف.

ولهذا أصبح الكتاب، أكثر من غيره، قابلًا للتحول من نص فكري إلى دليل للحركة.

ولا يمكن فهم التحول في لغته المتأخرة من دون تجربة السجن.

فقد قضى سنوات طويلة في السجون الناصرية، وعاش أجواء القمع والتعذيب والصدام بين الدولة والإخوان المسلمين، ثم انتهت حياته بمحاكمة وإعدام.

هذا السياق لا يبرر الأفكار ولا يلغي مسؤولية صاحبها عنها، لكنه يساعد على تفسير انتقال اللغة من نقد اجتماعي واسع إلى لغة أكثر صدامًا وحدية.

وهذه نقطة اهتم بها John Calvert حين أعاد قطب إلى سياقه المصري بدل التعامل مع «معالم في الطريق» كأنه نص ولد في فراغ.

(جون كالفيرت “سيد قطب وأصول الإسلام الراديكالي” هو دراسة سيرة ذاتية وفكرية للمفكر المصري المؤثر سيد قطب 1906-1966)

غلاف كتاب سيد قطب
غلاف كتاب سيد قطب

ومن المفيد هنا التمييز بين ثلاثة مستويات كثيرًا ما تختلط في النقاش:

ما قاله قطب بالفعل، وما يمكن أن تحتمله عباراته من تأويل، وما صنعته الحركات اللاحقة بهذه العبارات. فالمؤلف لا يتحمل تلقائيًا كل التطبيقات التي جاءت بعده.

كما أن إعادة قراءة «في ظلال القرآن» مهمة في هذا السياق، فهو أوسع من «معالم» وأكثر قدرة على إظهار التوتر داخل المشروع بين الحس الأدبي والحركة، وبين التربية والتغيير، وبين بناء الإنسان وتشخيص المجتمع.

ولذلك فإن اختزال قطب في «معالم على الطريق» يعني عمليًا قراءة مفكر كامل من خلال أكثر نصوصه تكثيفًا وصدامًا.

وهنا تظهر المفارقة الكبرى.

فقد بدأ المشروع من فكرة تحريرية قوية:

لا ينبغي لإنسان أن يتحول إلى إله صغير يملك إنسانًا آخر.

لكن حين انتقل من سؤال تحرير الإنسان إلى سؤال تصنيف المجتمع ظهرت مخاطر أخرى.

فالثنائية بين حاكمية الله وحاكمية البشر قد تتحول إلى ثنائية بين الإسلام والجاهلية، ثم إلى ثنائية بين الطليعة والمجتمع.

وكلما اشتدت الحدود ضاقت المساحات الرمادية التي تعيش فيها المجتمعات الحقيقية، بما فيها من إيمان ومعصية، وعدل وظلم، واجتهاد وخطأ وتدرج.

من هنا يمكن تقديم نقد أدق لقطب من مجرد نعته بأنه «تكفيري» 

فالمشكلة الأعمق أن قوة المعيار في مشروعه المتأخر كانت أحيانًا أكبر من قدرته على استيعاب تعقيد الاجتماع البشري.

لكن الاختزال المعاكس لا يقل خطأ، فقد حذر جون كالفيرت في كتابه السابق من القفز المباشر من سيد قطب إلى الحركات الجهادية، ومن قراءة الرجل بأثر رجعي من خلال الحركات التي جاءت بعده.

فبين قطب والجهادية المعاصرة عقود من الانتقاء والتفسير والإضافة والحذف. التأثير قد يكون حقيقي، لكنه لا يعني التطابق.

ومن زاوية أخرى، قدمت Roxanne Euben في كتابها عدو في المرآة (1999) اعتراضًا منهجيًا مهمًا:

لماذا يُقرأ نقاد الحداثة الغربيون باعتبارهم مفكرين تُناقش حججهم، بينما يُفسر المفكر الإسلامي غالبًا بوصفه «ظاهرة» صنعتها الأزمة أو الاستعمار؟

اقترحت إيوبن أن يُقرأ قطب بوصفه ناقدًا للحداثة والعقلانية والمادية أيضًا، لا باعتباره مجرد حالة سياسية.

(روزان ليزلي يوبن عالمة أمريكية متخصصة في الفكر السياسي الإسلامي. وهي أستاذة في العلوم الاجتماعية بجامعة بنسلفانيا)

أما الدراسات الأحدث فقد انتقلت إلى دراسة «الصراع على إرث قطب» نفسه.

وتبين دراسة Joas Wagemakers المنشورة في Journal of Islamic Studies سنة 2025، ( فاجماكر استاذ الدراسات الاسلامية والعربية بجامعة اوترخت بهولندا) عن مفهوم الجاهلية وإرث قطب بين إخوان الأردن.

أن النص القطبي نفسه أنتج قراءات متعددة، وأن البيئة السياسية تلعب دورًا في إعادة تشكيل صورته.

وهذا يقود إلى نتيجة مهمة: سيد قطب لم يعد فقط صاحب أفكار؛ بل أصبح هو نفسه ميدانًا للصراع على تفسير الأفكار.

بعد إعدامه نشأت صورتان مبسطتان: قطب الشهيد الذي لا يخطئ، وقطب المتطرف الذي لا يقول شيئًا يستحق النظر.

أما الباحث فيحتاج إلى استعادة الرجل بما هو أكثر تعقيدًا:

أديبًا ومفسرًا ومفكرًا وحركيًا، يصيب ويخطئ، ويتطور، وتتغير لغته تحت ضغط الواقع والسجن والصدام.

قوة قطب كانت في قدرته على تحويل أسئلة متفرقة إلى رؤية كلية:

ربط التوحيد بالحرية، والحرية بالعدالة، والعدالة بالمرجعية، والمرجعية بالسلطة، والقرآن بالحياة. وربما كان الأديب فيه هو الذي منح المفكر هذه القدرة.

لهذا يمكن تلخيص رحلته بين سؤالين:

كيف يتحرر الإنسان من عبودية الإنسان؟

وكيف نميز المجتمع الذي يخضع لله من المجتمع الذي يخضع لغيره؟

في السؤال الأول طاقة تحررية كبيرة، وفي الثاني ضرورة للتمييز؛ لكن المشكلة تبدأ حين تبتلع ضرورة التمييز طاقة التحرير.

بعد ستين عامًا من إعدامه، لا يكون إنصاف سيد قطب بإعادة تقديسه ولا بإعادة محاكمته. الإنصاف أن نخرجه من صورتين سجنتاه بعد موته.

وأن نعيده إلى تاريخ الأفكار، هناك فقط نستطيع أن نفهم كيف بدأ الطريق من سؤال عن جمال القرآن، ثم مر بالعدالة والحرية والمرجعية، حتى انتهى إلى الحاكمية والجاهلية والطليعة.

شارك المقال:

شاركنا برأيك