آراء و تحليلات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

اغتيال المنصوري وخيوط المعركة المكتومة داخل ليبيا

المنصوري لم يكن مجرد ضابط أمني في بنغازي قبل تعيينه مديراً للاستخبارات العسكرية في مايو 2024، تولى قيادة منطقة سبها العسكرية منذ 2021

مشاركة:
حجم الخط:

جاء التفجير بعد اختراق في مسار توحيد المؤسسة العسكرية.. والبحث عن القاتل يقود إلى الجنوب وبقايا الجهاديين وخصوم التقارب بين الشرق والغرب

لم يكن اختيار اللواء فوزي المنصوري هدفاً عشوائياً، كما أن توقيت اغتياله مساء 10 أغسطس في بنغازي يصعب فصله سياسياً ــ وإن لم يمكن ربطه جنائياً حتى الآن ــ عن التحولات التي سبقت العملية بأسابيع قليلة.

فالضابط الذي قُتل بعبوة زرعت في سيارته كان يدير الاستخبارات العسكرية في معسكر الشرق في اللحظة التي بدأت فيها خطوط ظلت مغلقة لسنوات تنفتح بين المؤسستين العسكريتين المتنافستين.

ليبيا بين تسوية تتقدم ودولة تتآكل.. من يسبق الآخر؟

ما الذي سبق الاغتيال؟

قبل نحو شهر فقط، وتحديداً في 12 يوليو، حدث تطور استثنائي في سرت: التقى رئيس أركان قوات الشرق خالد حفتر برئيس الأركان في الغرب صلاح الدين النمروش، بحضور بعثة الأمم المتحدة واللجنة العسكرية المشتركة «5+5».

لم يكن اللقاء بروتوكولياً فقد اتفق الطرفان على تنظيم تعبئة وتمرين عسكري موحد في جنوب ليبيا، وفتح مسار اجتماعات منتظمة بين الأفرع العسكرية.

وكان ذلك أول اجتماع بهذا المستوى على الأراضي الليبية بعد لقاء سابق في لواندا.

وجاء التحرك العسكري فوق أرضية سياسية جديدة أيضاً؛ ففي 18 يونيو أعلنت قيادات مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي خارطة طريق تستهدف انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة قبل 17 فبراير 2027، وتتضمن آليات أمنية ومؤسساتية لمرافقة العملية الانتخابية.

إذن وقع الاغتيال بينما كان ترتيب العلاقة بين شرق ليبيا وغربها يتغير.

لماذا المنصوري بالذات؟

هنا تبدأ المنطقة الأكثر حساسية في التحقيق.

المنصوري لم يكن مجرد ضابط أمني في بنغازي قبل تعيينه مديراً للاستخبارات العسكرية في مايو 2024، تولى قيادة منطقة سبها العسكرية منذ 2021.

وهذا يعني أنه مرّ بأحد أكثر الملفات الليبية تعقيداً: الجنوب، الحدود، التهريب، الجماعات العابرة للحدود، والتحركات العسكرية الأجنبية.

كما ظهر ضمن الحلقة العسكرية العليا التي استقبلت مسؤولين عسكريين أجانب في بنغازي، ومن بينهم نائب وزير الدفاع الروسي يونس بك يفكوروف عام 2024.

رجل بهذا الموقع يعرف ــ بحكم منصبه ــ شبكات أكثر مما يظهر في العلن: من يتحرك عبر الجنوب، ومن يمول، ومن يتصل بمن، وأين تتقاطع مصالح التشكيلات المحلية بالقوى الخارجية.

وهذا يجعل اغتياله قابلاً للقراءة في ثلاث دوائر

 من المستفيد؟ ثلاث فرضيات لا اتهامات:

الفرضية الأولى: بقايا التنظيمات الجهادية.

القيادة العامة دفعت سريعاً باتجاه توصيف العملية كعمل إرهابي، وذكّرت بأسلوب الاغتيالات التي عرفتها بنغازي خلال سنوات الحرب على التنظيمات الإسلامية المسلحة. وهناك بالفعل مؤشرات حديثة إلى استمرار نشاط خلايا مرتبطة بتنظيم «داعش» وشبكات تهريب في ليبيا. لكن حتى الآن لم يتبنَّ داعش ولا أي تنظيم جهادي العملية؛ ولذلك تبقى هذه فرضية ممكنة لا أكثر.

الفرضية الثانية: تصفية من داخل البيئة الأمنية نفسها

هذه أكثر حساسية. زرع عبوة في مركبة رئيس الاستخبارات العسكرية، ومعرفة توقيت خروجه وتحركاته، تشير من الناحية العملياتية إلى قدرة على المراقبة والوصول.

هذا لا يثبت «اختراقاً داخلياً»، لكنه يجعل التحقيق في الدائرة القريبة من الضحية أمراً منطقياً. فعمليات من هذا النوع تحتاج معلومة دقيقة أكثر مما تحتاج قوة نارية كبيرة.

الفرضية الثالثة: ضرب مسار التقارب العسكري.

لا يوجد دليل يربط اجتماع سرت باغتيال المنصوري، لكن التوقيت يستحق الفحص. فتوحيد أو حتى تنسيق المؤسستين العسكريتين يعني بالضرورة إعادة توزيع النفوذ والرتب والموارد وشبكات السيطرة.

وهناك أطراف ليبية مسلحة واقتصادية بنت نفوذها طوال عقد على استمرار الانقسام. بالنسبة لهذه القوى، الجيش الموحد ليس بالضرورة فرصة؛ قد يكون تهديداً مباشراً.

رسالة إلى بنغازي أم إلى ليبيا كلها؟

الأخطر في اغتيال المنصوري أنه أعاد إلى بنغازي أسلوباً اعتُقد أن المدينة تجاوزته: العبوة، المراقبة، والضربة الدقيقة.

وإذا أثبت التحقيق أن العملية مرتبطة بصراع داخل دوائر النفوذ، فستكون تداعياتها أكبر من خسارة مدير استخبارات؛ لأنها ستعني أن إعادة ترتيب السلطة داخل الشرق بدأت تولّد مقاومة عنيفة.

وإذا ثبت أنها عملية جهادية، فالمشكلة لا تقل خطورة: عودة قدرة الخلايا السرية إلى قلب بنغازي بعد سنوات من إعلان القضاء عليها.

لكن هناك سؤالاً ثالثاً ربما يكون أكثر إزعاجاً: هل اغتيال المنصوري حادث منفرد، أم أول طلقة في معركة صامتة حول شكل المؤسسة العسكرية التي يجري التفاوض على توحيدها؟

الإجابة عن هذا السؤال تحديداً ستكشف لماذا قُتل فوزي المنصوري الآن، ولماذا هو بالذات.

شارك المقال: