كاتب وكتاب
د. محمد الغمري
د. محمد الغمري

كاتب ومستشار قانوني

المثقفون المزيفون: أزمة المثقف أم أزمة المجال العام؟

ماذا يحدث لوظيفة المثقف عندما تنتقل سلطة الاعتراف به من المؤسسات المعرفية إلى المجال الإعلامي؟

مشاركة:
حجم الخط:

قراءة: د. محمد الغمري 

ليست القيمة الحقيقية لكتاب «المثقفون المزيفون: النصر الإعلامي لخبراء الكذب» للمفكر الفرنسي باسكال بونيفاس في كونه يوجّه نقدًا لعدد من الوجوه الإعلامية والثقافية في فرنسا، وإنما في أنه يثير سؤالًا أعمق يتعلق بمصير المثقف في زمن أصبحت فيه وسائل الإعلام أحد أهم منتجي الشرعية الرمزية.

فالكتاب، الصادر عام 2011، يتجاوز السجال مع أسماء بعينها ليطرح إشكالية أكثر اتساعًا:

ماذا يحدث لوظيفة المثقف عندما تنتقل سلطة الاعتراف به من المؤسسات المعرفية إلى المجال الإعلامي؟

وتنطلق هذه المقالة من بونيفاس لتذهب إلى أن الأزمة ليست أزمة أفراد يمارسون التزييف، بل أزمة مجال فقد شروط إنتاج شرعيته المعرفية، وهو فرق منهجي، لأن كل تشخيص يقود إلى تصور مختلف للعلاج.

والسؤال في جوهره ليس عن الأخلاق الفردية، بل عن البنية التي تُنتج المثقف وتمنحه موقعه داخل المجتمع.

فالمجال المعرفي، بما يضمه من جامعات ومجلات محكّمة وجمعيات علمية وشبكات نقد، لا ينقل المعرفة فحسب، بل ينتج شروطها عبر التراكم والمراجعة والاختبار المستمر.

محمد الغمري يكتب: من قصة الفيل إلى أزمة التفسير في الرد على يوسف زيدان

محمد الغمري يكتب: العقل العربي النقدي والمجال الحضاري

لذلك فالمجال ليس مجرد فضاء تتنافس فيه الأصوات

بل البنية التي تحدد كيفية إنتاج الشرعية وتداولها، وتميز بين الاعتراف القائم على الإنجاز والاعتراف القائم على النفوذ.

وحين تتراجع المؤسسات المعرفية أمام مؤسسات الاعتراف الإعلامي، لا تتبدل الوجوه وحدها، بل تتغير قواعد الاعتراف نفسها، فيصبح الانتشار منافسًا للإنجاز.

وهذا هو التحول البنيوي الذي يرصد بونيفاس ملامحه، وإن لم يصغه في نظرية متكاملة للمجال، وهو ما يلتقي مع تحليل بيير بورديو للحقل الثقافي واستقلاليته عن حقل السلطة.

وانطلاقًا من هذا المنظور، يعرّف بونيفاس المثقف الحقيقي بأنه من يلتزم بالمنهج لا بالنتائج. فلا يبدأ من موقف مسبق، بل يترك الأدلة تقوده إلى ما تنتهي إليه.

واستقلاله لا يعني معارضة السلطة أو تأييدها، وإنما إخضاع الوقائع للبحث والنقد بعيدًا عن اعتبارات المنفعة والانتماء.

ولذلك فإن غياب هذا الشرط لا يعني اختفاء المثقف، بل انتقاله من إنتاج المعرفة إلى أداء وظيفة أخرى لا تستند إليها، وهو الفارق الجوهري بين الحضور الإعلامي والفاعلية المعرفية.

ويرى بونيفاس أن هذا النموذج تعرض لتحول تدريجي مع تغير طبيعة المجال العام، إذ لم تعد وسائل الإعلام وسيطًا لنقل المعرفة، بل أصبحت أحد أهم منتجي الاعتراف الاجتماعي وتحديد المرجعيات.

وبذلك لم تعد الشهرة دائمًا نتيجة للخبرة، بل قد تتحول إلى مصدر مستقل لها، فيخلق الحضور المتكرر انطباعًا بالمرجعية حتى في غياب إنتاج معرفي مماثل.

وهنا تبدأ أزمة الشرعية، إذ تنفصل عن مسارها القائم على الإنجاز والتراكم لتصبح قابلة للاكتساب عبر الظهور المتواصل، خاصة عندما تفضل المؤسسات الإعلامية الخطابات اليقينية على الباحثين الذين يعترفون بتعقيد الظواهر وحدود المعرفة، فتتشكل نخبة تستمد مكانتها من كثافة حضورها أكثر مما تستمدها من عمق إنتاجها.

وفي هذا السياق يكتسب مفهوم «المثقف المزيف» معناه الحقيقي

إذ لا يمكن فهمه خارج المجال الذي أنتجه.

فالمثقف المزيف ليس بالضرورة قليل المعرفة، وإنما هو من يعكس العلاقة الطبيعية بين المعرفة والنتيجة.

يبدأ بالموقف الذي يريد الدفاع عنه، ثم ينتقي الوقائع والشواهد لتأكيده، فتتحول المعرفة من وسيلة لاختبار الفرضيات إلى أداة لتبريرها.

وفي هذا الانعكاس يكمن جوهر ما يمكن تسميته الفاعلية المستهلَكة

وهي حالة يشغل فيها المثقف موقع الإنتاج المعرفي، بينما يؤدي وظيفة الاستهلاك الرمزي.

فهو لا ينتج شرعية جديدة بقدر ما يستهلك الرصيد الرمزي الذي راكمه من موقعه أو شهرته أو حضوره العام، ويوظفه خارج المجال الذي اكتسب فيه مشروعيته.

وهذا المفهوم يصف موقعًا وظيفيًا لا هوية ثابتة

فقد يكون المثقف منتجًا للمعرفة داخل تخصصه، ثم يمارس الفاعلية المستهلَكة عندما يتحدث في مجالات أخرى مستندًا إلى شرعية اكتسبها في حقل مختلف.

ومن ثم فالمسألة ليست حكمًا على الأشخاص، بل تحليل لآلية انتقال الشرعية بين الحقول حين تضعف الضوابط المؤسسية المنظمة لهذا الانتقال.

ويمكن رصد هذا النمط في أكثر من تجربة عربية معاصرة؛ إذ قد يبلغ الباحث منزلة رفيعة في تخصصه، ثم يتحول حضوره الإعلامي إلى مصدر لشرعية عامة تتجاوز حدود اختصاصه، فيُستقبل بوصفه مرجعية في التاريخ أو الدين أو السياسة أو الاجتماع لمجرد نجاحه في مجال مختلف.

ومن الأمثلة الدالة، من الناحية البنيوية، تجربة يوسف زيدان

فقد رسخ مكانته العلمية من خلال أعماله في تحقيق المخطوطات ودراسة التراث، وهو حقل يمتلك فيه إسهامًا أكاديميًا معروفًا، غير أن حضوره الإعلامي منح هذه الشرعية امتدادًا إلى ميادين أخرى لا ترتبط بالضرورة بتخصصه المنهجي المباشر.

ولا تكمن أهمية المثال في شخص صاحبه، إذ يمكن استبداله بأمثلة عربية أو غربية أخرى، وإنما في كشف آلية انتقال الشرعية من مجال معرفي محدد إلى فضاء عام تتراجع فيه الحدود الفاصلة بين الاختصاص والرأي.⁴

والفارق بين الفاعلية المعرفية الحقيقية والفاعلية المستهلَكة ليس في مقدار المعرفة أو مستوى الذكاء، بل في اتجاه الحركة المعرفية نفسها.

فالأولى تبدأ من المنهج ثم تترك النتائج تتشكل وفق الأدلة

أما الثانية فتبدأ من النتيجة ثم تبحث عما يؤيدها، فيتحول المنهج من أداة لاكتشاف الحقيقة إلى وسيلة لإضفاء الشرعية على موقف سابق.

وما يجعل هذه الظاهرة بنيوية لا فردية هو أن التزييف، كما يكشف الكتاب، لا يقتصر على اختلاق المعلومات أو نشر الأكاذيب الصريحة، بل يتحقق عبر آليات أكثر تعقيدًا، مثل انتقاء الوقائع، أو إخراجها من سياقها، أو تضخيم بعض العناصر وإهمال غيرها.

وقد تبدو كل جزئية صحيحة في ذاتها، لكن الخطاب يصبح مضللًا عندما تُعاد صياغة الواقع بصورة انتقائية تخدم رواية محددة.

ولا تنشأ هذه الممارسات من قرارات فردية معزولة، بل يغذيها مجال يكافئ اليقين أكثر مما يكافئ التردد المنهجي، ويمنح الإجابات الحاسمة حضورًا أوسع من الأسئلة المركبة، حتى يغدو الظهور الإعلامي موردًا رمزيًا مستقلًا نسبيًا عن جودة الإنتاج المعرفي.

وعند هذه المرحلة لا يعود الخلل مقتصرًا على أداء بعض المثقفين، بل يمتد إلى البنية التي تعيد إنتاجهم وتكافئ نمط اشتغالهم.

ولا يمثل هذا التحول في مصادر الشرعية انحرافًا عابرًا، بل يعكس تآكل المؤسسات الوسيطة التي كانت تحفظ التراكم المعرفي وتربط كل جيل بما أنجزه سابقه.

ومع تراجع هذه المؤسسات لا يفقد المجال شرعيته فحسب، بل يفقد أيضًا قدرته على التجدد الذاتي.

إذ يبدأ كل جيل من الصورة التي تنتجها وسائل الإعلام عن المعرفة، لا من النقطة التي بلغها البحث العلمي في تطوره الفعلي.

وهنا تظهر أولى الملاحظات النقدية الجوهرية على الكتاب

وهي ملاحظة تنبثق من منطقه الداخلي؛ فاعتماد بونيفاس على نقد شخصيات بعينها يمنح الكتاب حيوية وجدلية، لكنه يجعله عرضة لمأزق الشخصنة الذي يضعف جانبًا من أطروحته البنيوية.

فحين يتركز الاهتمام على الأفراد تتراجع رؤية المجال الذي أنتجهم، مع أن الأفراد يتغيرون بينما قد يستمر المجال في إعادة إنتاج الظاهرة بأسماء وآليات متشابهة.

وهذا هو الفارق بين أزمة أفراد وأزمة مجال.

فالأولى قد تُعالج باستبدال الوجوه.

أما الثانية فلا تُعالج إلا بإعادة بناء الشروط التي تمنح الشرعية وتحدد معايير الاعتراف.

وتتعلق الملاحظة الثانية بالأساس المعرفي للكتاب.

فبونيفاس يفترض ضمنًا إمكان التمييز بين الخطاب العلمي والخطاب الدعائي بمعيار موضوعي للحقيقة، لكنه لا يناقش الأساس الفلسفي لهذا الافتراض بما يكفي.

والحال أن الممارسة العلمية لا تقوم على امتلاك يقين نهائي، بل على بناء إجراءات تجعل الادعاءات قابلة للاختبار والنقد والمراجعة المستمرة.

ومن ثم فإن غياب معيار فلسفي مطلق لا يمنع التمييز بين المعرفة والدعاية، بل يجعل هذا التمييز فعلًا مؤسسيًا وتاريخيًا أكثر منه حكمًا ميتافيزيقيًا مجردًا.

ومن هذه الزاوية يقترب معيار القابلية للتفنيد عند بوبر من الممارسة العلمية، كما ينسجم مع تصور هابرماس للحوار العقلاني بوصفه إطارًا إجرائيًا لإنتاج المعرفة لا وسيلة لامتلاك يقين نهائي.³

وتلتقي الملاحظتان عند جذر واحد؛ فالكتاب يصف أزمة مجال، لكنه يعالجها أحيانًا كما لو كانت أزمة أفراد، ويفترض معيارًا للحقيقة دون أن يربطه بما يكفي بالمؤسسات التي تجعل هذا المعيار فاعلًا داخل المجال العام.

والحال أن المعرفة لا تنتجها العقول المنعزلة وحدها، وإنما تنتجها أيضًا البنى التي تنظم الحوار والنقد والتراكم، وتجعل الاعتراف العلمي ثمرة لمسار مؤسسي لا لحضور إعلامي عابر.

ومن هنا يبرز السؤال الأعمق الذي يتركه الكتاب مفتوحًا:

فإذا كانت وسائل الإعلام قادرة على إنتاج النجومية الفكرية بمعزل عن التراكم العلمي، فإن السؤال لم يعد:

من هو المثقف الحقيقي؟

بل ما الحد الأدنى من الشروط التي تجعل التمييز بين المعرفة والرأي، وبين الاختصاص والادعاء، ذا معنى اجتماعي فعلي؟

ولا يتحقق ذلك بتغيير الوجوه أو بإدانة الأفراد، وإنما بإعادة بناء المؤسسات الوسيطة التي تربط الشرعية بمصادرها المعرفية:

جامعات تستعيد دورها بوصفها منتجة للمعرفة، ومجلات علمية قادرة على الحضور في الفضاء العام، وتقاليد نقدية تجعل الاعتراف بالتعقيد فضيلة، والمراجعة علامة قوة.

فالمجال لا يقاس بعدد الأصوات التي يستوعبها، بل بقدرته على التمييز بين ما يكتسب شرعيته من التراكم المعرفي وما يكتسبها من مجرد الحضور.

ومن هذه الزاوية تتجاوز أهمية كتاب بونيفاس الحالة الفرنسية

ليس لأن الظاهرة واحدة في كل المجتمعات، بل لأن كل مجال ينفصل فيه الاعتراف عن مصادره المعرفية يصبح معرضًا، بدرجات متفاوتة، لإعادة إنتاج الديناميكية نفسها مهما اختلفت صورها.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد كيف نكشف المثقف المزيف؟

بل كيف نستعيد المجال الذي يجعل التزييف أقل قدرة على إنتاج الشرعية من المعرفة نفسها؟

فالمجتمعات لا تخسر الحقيقة حين يكذب بعض مثقفيها، وإنما حين تصبح آليات الانتقاء والتبسيط واستثمار الشرعية الرمزية الطريق الأسرع إلى الاعتراف العام.

وعندئذٍ لا تكون الأزمة أزمة مثقف، بل أزمة مجال فقد قدرته على جعل المعرفة أكثر قدرة على إنتاج الشرعية من الوهم.

شارك المقال: