معصوم مرزوق يكتب: عزل ” كريم خان ” إجهاض جديد للعدالة الدولية!
لا أستطيع كدبلوماسي أن أخفي شعوري العميق بالصدمة حيال عزل "كريم خان" المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية علي خلفية إتهامه بإرتكاب "سلوك جنسي غير لائق"

كريم خان الرئيس المعزول للمحكمة الجنائية الدولية (الأناضول)
بعد أن ساد الإعتقاد بأن ” السلام قد حل أخيراً ” عندما تم الإعلان رسمياً عن إنتهاء الحرب الباردة التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية، بعد سقوط سور برلين وتفكك الكتلة الشرقية، تبادل قادة الغرب أنخاب النصر .
وبدأ المفكرون يرسمون صوراً وردية لعالم جديد تشحب فيه صورة الحروب
وكتب البروفيسور الأمريكي فرانسيس فوكوياما كتب كتابه عن ” نهاية التاريخ والإنسان الأخير ” محتفلاً بإنتصار الأيدولوجية الفردية الديمقراطية الغربية علي الأيدولوجية الشمولية، حيث رأي في ذلك النصر ما يتجاوز أبعاده السياسية، إلي نسق فلسفي جديد له زواياه الحضارية .
وقد كنت واحداً ممن انتقدوا هذه الأفكار المفرطة في ورديتها، الغارقة في كؤوس لحظة انتصار إستراتيجية.
وكتبت مقالات تؤكد علي أن الظروف الموضوعية للسياسة الدولية لا تزال في عناصرها الأساسية كما هي، ولكنها افتقدت إلي عنصر ستراتيجي هام وهو “توازن القوي العالمي” حيث انفردت الولايات المتحدة الأمريكية بقمة العالم.
وجاءت حرب تحرير الكويت كي تؤكد هذه “الأحادية القطبية ” ، تملي فيها واشنطن شروط الحرب والسلام و” العدل ” علي العالم .
ولقد توقفت كثيراً خاصة مع مفهوم “العدل الدولي”
موضحاً تطوره مع النظام الدولي الذي أعقب نهاية الحرب العالمية الثانية، وكان رأيي أن ذلك ” العدل ” يتطلب نوعاً من “توازن القوي العالمية” كي يتحقق.
وأن العالم لابد أن يصيغ رؤية جديدة لنظام دولي جديد، أسوة بما حدث بعد انتهاء الحرب العالمية الأولي بإنشاء “عصبة الأمم” وما حدث بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية بإنشاء ” نظام الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة “
ولقد أكدت الأيام مخاوفي،وأثبتت الأحداث تفاقم الخلل، سواء ما شهدناه في البلقان، أو إفريقيا، أو ما تجلي في الشرق الأوسط بكل وضوح.
معصوم مرزوق يكتب: إستراتيجية السقوط الحر!ودون الدخول في تفاصيل
فلا أستطيع كدبلوماسي أن أخفي شعوري العميق بالصدمة حيال عزل “كريم خان” المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية علي خلفية إتهامه بإرتكاب “سلوك جنسي غير لائق”
وذلك في إقتراع سري في نيويورك، حيث صدر قرار العزل بموافقة 82 دولة من أصل 152 (ويتردد أن من بينها دول عربية)
وسبب الشعور العام بالصدمة هو أنه لا يخفي علي كل المراقبين مدي الضغوط والتهديدات الأمريكية والإسرائيلية التي مورست علي ذلك المدعي العام وعلي المحكمة ذاتها منذ أن أصدرت مذكرتي إعتقال بحق كل من رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه السابق “يوآف جالانت” بتهمة إرتكاب جرائم حرب في غزة.

أما سبب الشعور الخاص بالصدمة
هو ما جعلني أستعيد حديثي مع العلامة القانوني الكبير المرحوم الدكتور محمود شريف بسيوني، والذي يعد بحق مؤسس القانون الجنائى الدولي الحديث، وهو الذي ترأس لجنة الصياغة في مؤتمر الأمم المتحدة الدبلوماسي عام 1992، وأهداني سفره الضخم عن ” القانون الجنائي الدولي ” الذي يعد المرجع الأساس لهذا الفقه في العالم كله.
كنت عضواً في اللجنة القومية المصرية لبحث التوقيع والإنضمام لإتفاقية إنشاء المحكمة الجنائية الدولية، التي ترأسها المغفور له السفير الجليل سليمان عواد.
وقد انقسم أعضاء المؤتمر ما بين موافق علي التوقيع والإنضمام (وكنت أنا بينهم) وبين من وافق علي التوقيع دون الإنضمام ، وأخيراً من لم يوافق علي التوقيع أو الإنضمام.
وكان سجالاً قانونياً وسياسياً رفيعاً سجلته في بعض مقالاتي
كما نشرت مقالات تعريفيه بالمحكمة ( ثلاثة أجزاء في صحيفة البيان ) مركزاً علي أهميتها في حالة الدول التي تعاني من إنتهاكات القانون الدولي وخاصة في شكل “جرائم حرب آو جرائم ضد الإنسانية”
(وهو موضوع قد أجد الوقت والصحة لتناوله بشكل منفصل)
لقد قال لي العلامة شريف بسيوني معلقاً علي إصراري علي إدراج عبارة “تحفظنا علي أن ذلك النظام لايسري بأثر رجعي علي وقائع قبل دخوله حيز النفاذ “
فقد قال لي متبسماً بتباسط العالم الصبور: “لا يمكن أن تنص الإتفاقية علي سريانها بأثر رجعي، لأن ذلك يخالف الأصول الفقهية، فضلاً عن أن أغلب دول العالم أرتكبت جرائم في الماضي، والإقرار بذلك يعني فتح كتاب الدعاوي بطول وعرض التاريخ، ولذلك قد يحجموا عن التوقيع في هذه الحالة “
فأوضحت له وللحضور:
“إن تطور القانون الجنائي الدولي بشكل عام يتطلب إعادة النظر في بعض الكلاسيكيات العتيقة في قواعد القانون “
مركزاً علي أن : “قبولنا بمبدأ عدم رجعية هذه الإتفاقية –مع إحترامي للمبدأ– يعني تسليمنا بما أرتكبته إسرائيل من إغتيال لأسرانا في الحرب وهم الذين اعترفوا بإرتكابها”
وشددت علي أنه : “حتي إذا افترضنا أن إدراج تحفظنا هذا لن يلقي ترحيباً دولياً كافياً، إلا أنه يفيد في إرساء بداية عرف دولي لا يجيز سقوط الجرائم الوحشية بالتقادم، علي مثال جرائم التعذيب”
وعندما أقر المؤتمر في النهاية إقتراحي بادراج التحفظ إذا وقعت مصر علي النظام الأساسي
(وساعدني في ذلك بشكل كبير رئيس المؤتمر السفير سليمان عواد )
قال العلامة المصري شريف بسيوني ضاحكاً وهي يهنأني :
” لقد كسبت هذه المرة أيها الشاب المشاغب، ولكن يجب أن تدرك أنه لا يجوز إدراج أي تحفظ علي هذا النوع من الإتفاقيات الدولية ، فإما أن تقبلها كما هي ، وإما ألا تنضم!”
وكان كرماً منه أنه احتفظ بهذا التعليق بيني وبينه، أما ما حدث بعد ذلك، فهو موضوع حديث أخر.
واقع الأمر أن الولايات المتحدة ( ومثلها إسرائيل ) إتخذت موقفاً عدائياً من المحكمة الجنائية الدولية منذ إنشائها.
وفي 2002 أصدر الكونجرس الأمريكي قانوناً لحماية القوات المسلحة الأمريكية بتحصينهم من الخضوع لقضاء المحكمة الجنائية الدولية.
ليس هذا فحسب بل تم التأكيد أيضاً علي أن أمريكا لن تتعاون بأي شكل مع تحقيقات المحكمة ، أو طلباتها للتوقيف أو القبض والتسليم لأي مواطن أمريكي .
ولم تكتف أمريكا بذلك
وإنما حرصت أيضاً علي الضغط علي الدول لتوقيع “إتفاقيات الحصانة الثانية” أو BIAs التي تمنع الدول الموقعة عليها من تسليم أي مواطن أو جندي أمريكي إلي المحكمة الجنائية الدولية دون موافقة خطية مسبقة من واشنطن .
ومن الزواية القانونية البحتة، سوقت أمريكا ذلك النوع من الإتفاقيات، من خلال لعبة تفسير استغلت فيه خلل في نظام روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، يتمثل في الفقرة الثانية من المادة “98” التي تقضي بعدم جواز قيام المحكمة بطلب تقديم شخص إذا كان ذلك سيرغم الدولة المطلوب منها ذلك علي تصرف يتنافي مع إلتزاماتها الدولية.
وفي عام 2004 تم إضافة تعديل (إسمه تعديل نيزركات) الذي تضمن ” قطع أموال الدعم الاقتصادي الحيوي عن الدول التي تأبي التوقيع علي هذه الإتفاقيات “
وتجدر الإشارة إلي أن مصر كانت من الدول التي وقعت علي هذه الإتفاقية عام 2007 في شكل تبادل خطابات مع السفارة الأمريكية
(كذلك وقعت من الدول العربية كل من الجزائر ودول مجلس التعاون الخليجي وموريتانيا وجيبوتي)
ويلاحظ أن الخارجية الأمريكية نشرت تقارير متعددة أن بعض الدول التي وقعت ، طلبت صراحة عدم الكشف عن هويتها لأسباب سياسية داخلية وإقليمية .
ورغم ذلك
فأنه يمكن القول أن تلك الدول التي انضمت إلي نظام روما، وأصبحت عضواً في المحكمة لم تقدم تفسيراً لتعارض هذا الإلتزام (التالي لتوقيعها علي إتفاقية المحكمة) مع إلتزاماتها وفقاً لمواد نظام روما .
حيث أن تلك الإتفاقيات التي حرصت أمريكا علي توقيعها مع الدول لا يمكن أن ترقي في الميزان القانوني السليم لحجب إلتزام آخر يمكن إعتباره من النظام القانوني الدولي العام الذي لا يجوز الاتفاق علي مخالفته .
في فبراير 2025، وقع الرئيس الأمريكي ترامب أمراً تنفيذياً “بفرض عقوبات علي المحكمة الجنائية الدولية” بسبب إصدارها مذكرات لا أساس له إعتقال بحق نيتانياهو وجالانت، وأن ذلك يشكل تهديداً غير عادي للأمن القومي الأمريكي!”
وهكذا، تبدو تهمة “السلوك الجنسي غير اللائق”
التي تم من خلالها عزل المدعي العام كريم خان مجرد إدعاء كي يتم معاقبته علي تمسكه بموقفه المبدئي بمحاكمة نتيناهو وجالانت.
وهو سقوط جديد لجدار من جدران العدالة الدولية، التي أصبح العالم كله يراها قاصرة للتطبيق فقط علي زعماء وقادة الدول الصغري.
وهو ما رآه بوضوح بعض الحكماء في اللجنة القومية المصرية قبل ما يزيد علي ثلاثين عاماً.
ولكن ذلك يقتضي بالفعل إعادة صياغة للنظام الدولي الجديد قبل أن ينفجر النظام القائم المتهالك ، مثلما انفجر في سبتمبر ١٩٣٩ ، وكلف البشرية ملايين من القتلى والجرحي والدمار الشامل.






