زلزال هرمز (10) الجمهورية الثالثة
جاء انتخاب المرشد الجديد في غضون أيام قليلة ليقطع الطريق أمام مراهنات الخصوم على حدوث ارتباك دستوري أو تآكل في هرم السلطة، حيث سارع مجلس خبراء القيادة، بمباركة وثيقة من الدوائر الأمنية

إستراتيجية الردع الشامل من قلب العاصفة
أثبتت طهران أن قدرتها على امتصاص الضربات ليست مجرد تكتيك دفاعي، بل هي استراتيجية انبعاث متكاملة؛ فبينما كان الرهان الغربي ينصبُّ على حدوث فراغ سيادي، فاجأ النظام العالمي بقدرته الفائقة على إفراز قيادة جديدة في زمن قياسي، لتتحول الصدمة الأولى إلى وقود لمحرك عسكري استعاد المبادرة سريعاً بتجديد القصف المركّز على تل أبيب واستهداف المصالح الأمريكية في المنطقة. إننا لا نشهد تراجعاً، بل نشهد ولادة “الجمهورية الثالثة” التي تكتب مسودتها الأولى بمداد من صواريخ “فاتح” وعقيدة سياسية لا تعرف الانحناء، واضعةً العالم أمام حقيقة جديدة: إيران تحت النار أكثر تماسكاً وهجوماً مما كانت عليه قبله.
أولاً: معجزة التماسك السياسي
لم يكن انتخاب المرشد الجديد مجرد سدّ لفراغ دستوري، بل كان “استعراض قوة” سياسياً أثبت أن بنية الدولة الإيرانية صُممت لتكون مضادة للكسر.
فمن خلال تفعيل المادة 111 من الدستور وتشكيل مجلس القيادة المؤقت، انتقلت السلطة بسلاسة أذهلت المراقبين، لتنتهي العملية بتثبيت قيادة جديدة تلتحم عضوياً مع المؤسسة العسكرية والأمنية.
هذا التجديد القيادي منح الضوء الأخضر للحرس الثوري لتوسيع دائرة الردع، مما أدى إلى موجات قصف جديدة طالت عمق تل أبيب والقواعد الأمريكية، كرسالة بأن القيادة الجديدة تولد وهي تحمل “زناد الحرب” بيد و”شرعية الثورة” باليد الأخرى.
النظام الإيراني يبرهن اليوم أن مؤسساته، سواء كانت دينية أو أمنية، تعمل كشبكة موحدة تزداد ترابطاً كلما زاد الضغط الخارجي، مما يحول دون أي ارتباك في هرم السلطة.

هندسة الخلافة تحت النار
جاء انتخاب المرشد الجديد في غضون أيام قليلة ليقطع الطريق أمام مراهنات الخصوم على حدوث ارتباك دستوري أو تآكل في هرم السلطة، حيث سارع مجلس خبراء القيادة، بمباركة وثيقة من الدوائر الأمنية، إلى اختيار شخصية تجسد التحالف العضوي الكامل مع الحرس الثوري وتتبنى رؤية صلبة لا تقبل التراجع في لحظة الحرب. إن خلفية المرشد الجديد، التي تدمج بين المتانة الفقهية التقليدية والارتباط الوثيق بالمؤسسة العسكرية، تعكس تحولاً جذرياً في “الجمهورية الثالثة” نحو نموذج “دولة القلعة”، حيث باتت الأولوية القصوى هي للحفاظ على بقاء النظام وإثبات قدرته على الردع الميداني

لم يكن الخطاب الأول للمرشد الجديد مجرد بيان سياسي تقليدي، بل كان “مانيفستو” عسكرياً بامتياز، أرسى من خلاله قواعد اشتباك جديدة تلغي مسافات “الصبر الاستراتيجي” وتضع الفعل الميداني في قلب المعادلة السياسية.
من خلال نبرة اتسمت بالحسم واليقين، أعلن المرشد أن شرعية الدولة اليوم تُصان في ميادين القتال عبر تجديد الضربات على “تل أبيب” واستهداف المصالح الأمريكية، معتبراً أن أي تراجع أمام الضغوط الخارجية هو انتحار سياسي، وهو ما أعطى تفويضاً مفتوحاً للحرس الثوري لتوسيع دائرة الردع دون قيود دبلوماسية.
كما تضمن الخطاب رسائل اجتماعية عميقة حاولت تحويل المعاناة الناتجة عن انهيار الريال وتضخم الأسعار إلى “جهاد اقتصادي” وطني، مراهناً على تماسك الجبهة الداخلية وقدرتها على التكيف مع قسوة “اقتصاد الحرب” مقابل الحفاظ على استقلال القرار الوطني وسيادة البلاد.أثر القيادة الجديدة على مجريات الحرب والعلاقات الدولية
ثانياً: “اقتصاد الصمود”.. عبقرية التكيف تحت الحصار الخانق رغم الأرقام القاسية التي تتحدث عن وصول الريال إلى 1.53 مليون مقابل الدولار وتجاوز التضخم الغذائي حاجز 100%، إلا أن الداخل الإيراني لا يعيش حالة انهيار، بل حالة “تعبئة اقتصادية”

إيران دخلت الحرب وهي تمتلك دكتوراة في “اقتصاد الالتفاف”، حيث طورت شبكات معقدة لتصدير النفط واستيراد السلع الأساسية بعيداً عن الرقابة الدولية، مما يمنحها نفساً طويلاً في المواجهة.
المجتمع الإيراني، الذي اعتاد العيش تحت وطأة العقود الأربعة الماضية، يظهر تماسكاً فريداً؛ حيث يتم توجيه الموارد المتاحة لدعم الجبهات وتأمين الحد الأدنى من المعيشة، معتبراً أن الكلفة الاقتصادية هي ثمن “السيادة الوطنية” المستهدفة.
ثالثاً: الجبهة الداخلية.. التفاف قومي يربك حسابات “الاستنزاف”تخطئ التقديرات التي تراهن على انقسام الشارع؛ فالتاريخ السياسي الإيراني يؤكد أن الهجوم الخارجي الواسع يؤدي دائماً إلى “تماسك دفاعي مؤقت” يذيب الخلافات بين التيارات السياسية.
التيار البراغماتي والتيار الراديكالي يصطفان الآن خلف القيادة الجديدة، حيث يرى الجميع أن المعركة لم تعد على “سياسة” بل على “وجود”.هذا التلاحم الشعبي والمؤسسي هو ما يوفر الغطاء السياسي لعمليات القصف المستمرة ضد الأهداف الاستراتيجية المعادية، محولاً الجبهة الداخلية إلى “ظهير صلب” للمقاتل الميداني.
رابعاً: ملامح إيران القادمة
قوة إقليمية بنسخة “راديكالية”السؤال الذي يفرض نفسه في اليوم العاشر هو: أي إيران ستخرج من هذا الصراع؟ المؤشرات تؤكد أننا بصدد نسخة أكثر عسكرية وتصميماً.على الصعيد العسكري: إيران أثبتت أنها قادرة على ضرب “تل أبيب” في عزِّ استهداف قيادتها، مما يرفع سقف الردع الإقليمي إلى مستويات غير مسبوقة.
على الصعيد الدولي: ستكون إيران الجديدة أكثر اعتماداً على تحالفاتها الشرقية (روسيا والصين)، وأقل اكتراثاً بالضغوط الغربية، بعد أن تكسرت “هيبة” التهديدات المباشرة على صخرة الصمود الداخلي.خاتمة: الرهان الخاسرفي اليوم العاشر، تبدو إيران كمن استعاد توازنه في منتصف السقوط؛ فهي اليوم دولة تدار بمنطق “غرف العمليات”، حيث يمتزج فيها القرار الفقهي بالخبرة الصاروخية.
إن تجدد الضربات على المصالح الأمريكية والإسرائيلية ليس إلا برهاناً على أن “المرشد الجديد” قد استلم زمام المبادرة فعلياً، وأن الرهان على انكسار إيران من الداخل كان رهاناً على سراب؛ فالدولة التي تفرز قيادتها وهي تحت القصف هي دولة لا يمكن كسر إرادتها بـ “الاستنزاف”.هل ترغب في أن أقوم بتحليل خطاب “المرشد الجديد” الأول ومقارنته بالخطابات التاريخية في لحظات الحرب المفصلية لاستنباط ملامح المرحلة القادمة؟






