مقالات
د. فاروق شرف
د. فاروق شرف

إستشاري وخبير ترميم الاثار والمنشآت التاريخية.

أسرار يرويها الأثر : توسعات المسجد الحسيني (2)

واصل سلاطين المماليك رعاية المسجد الحسيني، فتم ضم مسجد صغير مجاور إلى مبنى المشهد، مما أسهم في زيادة مساحته لاستيعاب الأعداد المتزايدة من المصلين والزائرين.

مشاركة:
حجم الخط:

كيف ظل مقام الإمام الحسين يتجدد عبر ثمانية قرون؟

ليست الآثار مجرد أحجار صامتة أو مبانٍ عتيقة، بل هي صفحات حية من كتاب الحضارة، تركها لنا الأجداد لتروي قصة الإنسان والإيمان والتاريخ.

ولكل أثر سر، ولكل حجر حكاية، ولكل نقش رسالة عبرت القرون حتى تصل إلينا.
وفي هذه السلسلة، نقترب من الأثر بعين الباحث، وخبرة المرمم، وشغف المحب، لنكشف معًا أسرارًا ربما لم ينتبه إليها كثيرون، ونقرأ التاريخ كما يرويه الأثر نفسه

بعيدًا عن الأساطير، وقريبًا من الحقيقة.

المسجد الحسيني… تاريخ يتجدد مع الزمن

من بين مساجد القاهرة التاريخية، يظل المسجد الحسيني واحدًا من أعظم الشواهد الحضارية والدينية في مصر والعالم الإسلامي.

فمنذ إنشائه لم يكن مبنى جامدًا، بل ظل حيًا يتطور مع تعاقب الدول والحكام، وكل عصر يضيف إليه لمسة معمارية جديدة، حتى أصبح بالصورة المهيبة التي نراها اليوم.

أولًا: العصر الأيوبي (634هـ / 1236م)

شهد المسجد الحسيني أولى الإضافات المعمارية المهمة في العصر الأيوبي، عندما أنشأ أبو القاسم بن يحيى بن ناصر السكري، المعروف بالزرزور، مئذنة شامخة فوق باب المشهد.

وقد امتازت هذه المئذنة بزخارفها الجصية الدقيقة ونقوشها الفنية الراقية، وكانت تعلو الباب الأخضر.

إلا أن عوامل الزمن أدت إلى تهدم معظمها، ولم يبق منها سوى القاعدة المربعة، التي ما زالت تحتفظ بلوحتيها التأسيسيتين بعد تجديدهما حفاظًا على قيمتهما التاريخية.

ثانيًا: حريق المشهد وإعادة تعميره (640هـ / 1242م)

تعرض المشهد الحسيني لحريق كبير في عهد الملك الصالح نجم الدين أيوب.
وبعد هذا الحدث أُعيد ترميم المسجد وتوسعته، كما أُنشئت ساقية وميضأة لخدمة الزائرين، وأُوقفت عليه أراضٍ للإنفاق على صيانته وشؤونه.

وقد اختلف المؤرخون في أسباب هذا الحريق، ووردت روايات متعددة في المصادر التاريخية، وهو ما يدعو الباحث إلى التعامل معها بروح النقد العلمي والرجوع إلى المصادر الموثقة.

ثالثًا: التوسعات في العصر المملوكي (ابتداءً من سنة 1264م)

واصل سلاطين المماليك رعاية المسجد الحسيني، فتم ضم مسجد صغير مجاور إلى مبنى المشهد، مما أسهم في زيادة مساحته لاستيعاب الأعداد المتزايدة من المصلين والزائرين.

وفي عهد السلطان الناصر محمد بن قلاوون أُضيف إيوانان كبيران، كما أُنشئت مساكن للفقهاء وطلاب العلم، فأصبح المسجد مركزًا للعبادة والعلم معًا، في صورة تجسد الدور الحضاري للمساجد في العصر المملوكي.

رابعًا: عمارة الأمير عبد الرحمن كتخدا (1175هـ)

يُعد الأمير عبد الرحمن كتخدا من أبرز من اهتموا بعمارة المسجد الحسيني.

فقد أعاد بناء أجزاء واسعة منه، وأنشأ صهريجًا للمياه وحنفية كبيرة لخدمة الزائرين، وأضاف إيوانين جديدين.

كما جدد القبة المقامة فوق الضريح، وزخرفها بزخارف نباتية ملونة تتخللها لمسات من التذهيب، ما أضفى عليها جمالًا فنيًا فريدًا.

ولم يقتصر اهتمامه على العمارة، بل رتب أوقافًا ومرتبات للقائمين على خدمة المسجد، بما ضمن استمرار رسالته الدينية والعمرانية.

خامسًا: عمارة العصر العثماني والخديوي إسماعيل (1863م – 1873م)

عندما زار السلطان العثماني عبد العزيز مصر، وتشرف بزيارة المقام الحسيني، وجّه بضرورة الاهتمام بالمسجد وتطويره.

واستجاب الخديوي إسماعيل لذلك، فأصدر أوامره بإعادة بناء المسجد وفق أحدث الأساليب المعمارية في عصره، تحت إشراف راتب باشا، واستمرت أعمال البناء قرابة عشر سنوات حتى اكتمل المسجد بشكله الحالي سنة 1290هـ / 1873م.

وفي إطار هذا المشروع العمراني، فُتح شارع السكة الجديدة، الذي ربط الموسكي بالدراسة، وسهّل الوصول إلى المسجد، كما خُلّد اسم السلطان عبد العزيز بإطلاقه على أحد أشهر شوارع القاهرة.

سادسًا: تجديدات الملك فاروق الأول (1939م)

أمر الملك فاروق الأول بإصلاح أرضية القبة وفرشها بالرخام الفاخر.

وخلال هذه الأعمال، كشفت إدارة حفظ الآثار العربية عن تابوت خشبي نفيس كان محفوظًا داخل حجرة أسفل المقصورة.
وقد صُنع هذا التابوت من خشب الساج المستورد من الهند، وزُين بزخارف نباتية دقيقة وكتابات بالخطين الكوفي والنسخي، ويُعد من أروع نماذج فنون النجارة الإسلامية.

وبعد ترميمه، نُقل إلى متحف الفن الإسلامي بالقاهرة، حيث يُعرض حتى اليوم باعتباره تحفة فنية فريدة.

سر يرويه الأثر

إن المسجد الحسيني لم يكن يومًا مبنى تحده الجدران، بل كان كائنًا حيًا ينمو مع الزمن، وتتجدد عمارته كلما مرت به دولة أو سلطان أو محب أراد أن يضيف لبنة جديدة في خدمة هذا المقام الجليل.

ولعل أجمل ما في هذه التوسعات أنها لم تكن مجرد زيادة في المساحات، بل كانت تعبيرًا عن محبة المصريين لآل بيت رسول الله ﷺ، وحرصهم على أن يبقى المسجد الحسيني منارةً للعبادة والعلم، وتحفةً معماريةً تروي للأجيال تاريخًا ممتدًا عبر ثمانية قرون.

وهكذا… يرويها الأثر

وهكذا يظل كل أثر شاهدًا صادقًا على حضارة صنعت التاريخ، ورسالةً تحملها الأحجار من جيل إلى جيل.

وما كشفناه اليوم ليس إلا جزءًا من قصة أكبر، فما زالت أرض مصر تزخر بأسرار تنتظر من يقرأها بعلم، ويفسرها بصدق، ويحافظ عليها بإخلاص.
فالآثار لا تتحدث لكنها تروي لمن يعرف كيف يُنصت إليها.

شارك المقال: