مقالات
علي الأفريقي
علي الأفريقي

كاتب وباحث في الشؤون الإفريقية

علي الأفريقي يواصل: هل كانت السودان جزءا من مصر؟ (15)

وفي خطوة جريئة وذكية قرر "الهلالي" فتح مفاوضات مباشرة مع "المهدي" والاحزاب الاستقلالية السودانية الرافضة للقب "ملك مصر والسودان"

مشاركة:
حجم الخط:

محادثات أمريكية بريطانية حول دعوة الهلالي

استجابة للضغوط الامريكية قدمت بريطانيا صيغة جديدة لحل أزمة لقب الملك “فاروق” فطلبت مصر تعديلها لكن بريطانيا رفضت، فايقن “نجيب الهلالي” رئيس الحكومة المصرية عدم جدوي التفاوض مع الانجليز.

وفي خطوة جريئة وذكية قرر “الهلالي” فتح مفاوضات مباشرة مع “المهدي” والاحزاب الاستقلالية السودانية الرافضة للقب “ملك مصر والسودان” فدعاهم شخصيا لزيارة مصر.

أثارت دعوة “الهلالي” ردود فعل واسعة ففي اجتماع باريس 26 مايو 1952 بين “أشيسون” وزير الخارجية الأمريكية، و”إيدن” وزير خارجية بريطانيا، قال “ايدن”:

: إنه لا يستطيع التنبؤ بنتائج المباحثات المصرية السودانية فقد يقبل الاستقلاليون اللقب، وقد تنهار المفاوضات وسيدرك المصريون عندئذ أن اعتراض السودانيين على اللقب اعتراض حقيقي وليس تلفيقاً بريطانياً.
رد “أشيسون”:

: هذه المفاوضات مهمة لنا فهي الفرصة الأخيرة لتسوية ازمة اللقب، لان انضمام مصر لاتفاقية الدفاع المشترك مرتبط بحل مسالة اللقب المعقدة، واذا لم تنضم مصر للاتفاقية ستنهار كل استراتيجيتنا في الشرق الأوسط لاننا نحتاج لوجود قاعدة عسكرية في قناة السويس حتي يمكن تحويلها لترسانة حربية في حالة الحرب، لذا اقترح ان ترسل بريطانيا شخصية موثوقة لدي المصريين والسودانيين لحثهم علي الوصول لاتفاق نهائي.

فقال “إيدن”: فكرت في الذهاب بنفسي لكنني لا استطيع الضغط على السودانيين لقبول اللقب، فالسودانيون قوم بسطاء قد يظنون أننا نسلم السودان للسيادة المصرية.

فرد “أشيسون”:

امريكا لا تطلب من بريطانيا خيانة السودانيين، بل تطلب رعايتها للمباحثات للوصول الي اتفاق والتوصل لصيغة مناسبة تقنع السودانيين بقبول لقب رمزي، وتطمئنهم في الوقت نفسه من اي تدخل مصري في شؤونهم.

قال ايدن:

نتمني وصولهما الي اتفاق نهائي لكننا لن نقبل عقد صفقة بين مصر و”المهدي” تتيح تدخلا مصريا في السودان، فالمهدي لا يمثل السودان كله، وبريطانيا لن تبيع السودانيين لمصر.

علي الأفريقي يكتب: هل كانت السودان جزءا من مصر (14)

علي الأفريقي يبحث: هل كانت السودان جزءا من مصر (13)

شروط المهدي للتفاوض مع مصر

قرر “نجيب الهلالي” رئيس الحكومة المصرية التفاوض مباشرة مع “المهدي” والاحزاب الاستقلالية فدعاهم لزيارة القاهرة، وكان ذلك حدثا فريدا فكل الحكومات السابقة رفضت التعامل مع “المهدي” أو الاستماع لوجهة نظره باعتباره داعية انفصال.

اندهش “المهدي” من الدعوة، فقد كانت اول مرة تدعوه القاهرة، وعبر لاحقا عن ذلك بقوله لهيكل:

“أليس غريبا إنكم لم تتفاوضوا معنا؟

“سعد باشا” تفاوض مع الإنجليز،

“النحاس باشا” تفاوض مع الإنجليز

“صدقي باشا” تفاوض مع الإنجليز،

“النقراشي باشا” تفاوض مع الإنجليز،

كما ان كل الساسة المصريين اللي تفاوضوا في الشأن السوداني لم يذهبوا للسودان، ما حدش عندكم بيعرف السودان، أليس غريبا الا تحاولوا التعرف على بلد تدعون ملكيته”

اما الاحزاب الاتحادية وزعيمهم “علي الميرغني” فقد ابدوا استياءهم لأن الحكومة المصرية دعت “المهدي” والاستقلاليين ولم تدع الاتحاديين المؤيدين لمصر، وقال “الميرغني” مستنكرا: 

هل يعتقد المصريون اننا مضمونين لهم، لن نقبل اي اتفاق بينهم وبين وفد المهدي، واذا تم سنتحالف مع الحزب الجمهوري والجنوبيين ضدهم وسيخسرون تاييدنا.

وحرص “المهدي” علي استطلاع راي بريطانيا وتساءل هل قبوله لدعوة مصر سيثير شكوك بريطانيا مؤكدا اخلاصه لها ولن يذهب الي القاهرة الا بعد موافقتها فنصحوه بالذهاب لاثبات رفضه للسيادة المصرية ورغبته في الاستقلال.

فقرر “المهدي” ارسال وفد للقاهرة ينوب عنه لاستطلاع الامور مكون من ابن شقيقه “عبدالله المهدي”، ووزير التعليم “عبدالرحمن طه” ورئيس المجلس التشريعي “محمد الشنقيطي” ومعهم بعض اعضاء الاحزاب الاستقلالية وامرهم بابلاغ مصر انهم لن يخوضوا اي مفاوضات الا بشروط واذا لم توافق عليها فلا فائدة من سفر وفد الاستقلاليين.

والشروط هي:
1- الغاء لقب ملك مصر والسودان.
2- الاعتراف بحق السودانيين في الحكم الذاتي.
3- يتم تقرير المصير قبل سنة 1953.
4- رفض السيادة المصرية على السودان بأي صورة أو شكل.

سر الاصرار المصري علي لقب ملك مصر والسودان

لم ترد مصر علي شروط “المهدي” ومع ذلك سافر وفد الأحزاب السودانية الاستقلالية يوم 27 مايو 1952 إلى الاسكندرية مقر الحكومة المصرية الصيفي، وحظي الوفد باستقبال حافل.

ودعاهم الفنان “زكي طليمات” لمشاهدة المسرح الحديث وهناك هتف لهم الجمهور بحرارة، ولأن الزيارة صادفت شهر رمضان، أقيمت لهم ولائم افطار وحفلات سحور بهيجة طوال إقامتهم التي استمرت حتي 12 يونيو.

في بداية المباحثات عبر وفد الاستقلاليين عن شكرهم لنجيب الهلالي لاتاحة اللقاء، خاصة وأن الحكومات المصرية السابقة كانت ترفض التعامل معهم وتعتبرهم انفصاليين.

وأكدوا إخلاص السودانيين لمصر، ثم تساءلوا عن أسباب اعلان لقب “ملك مصر والسودان” واصرار مصر علي التمسك به، ومطالبة دول العالم بالاعتراف به.

فأجاب الهلالي :

بأن مصر ليس لها مطامع استعمارية بالسودان، لكنها تتمسك باللقب لحماية حقوقها التاريخية.
إذ أن الغاء “النحاس” لاتفاقية الحكم الثنائي 1899 التي كانت تمنحنا حقا قانونيا في حكم السودان أدي لفقدان مصر مركزها القانوني في السودان، خاصة حق تعيين الحاكم.

كما أنهي ارتباطنا القانوني بحكومة السودان، لذلك فالتخلي عن اللقب يعني ترك السودان للانجليز.
فسأله وفد الاستقلاليين: إذا كان الأمر كذلك فلماذا ألغت مصر اتفاقية 1899؟

فأجاب “الهلالي” بأنه لم يكن موافقاً على إلغاء الاتفاقية لكن “النحاس” وحكومة الوفد ورطوا مصر في الغائها.

فقال الاستقلاليون: إنهم ربما كانوا سيعترفون باللقب لو لغير “فاروق” لانه اشتهر باستهتاره بالدستور..

فقال “الهلالي”: اقبلوا التاج الرمزي مؤقتاً حتي موعد تقرير المصير لكي تقوم علاقة قانونية بين مصر والسودان تحل محل الاتفاقية، وبذلك نحل العقدة القانونية الناتجة عن الغاءها.

فرد الاستقلاليون: الملكية الرمزية أمر غير مفهوم، فالسودانيين يعلمون أن الملك هو الملك، والتاج يعني السيادة، ونحن نتطلع لأن نكون دولة مستقلة، ولا يمكننا العودة لبلادنا لنقول لشعبنا جئناكم بسيادة مصر على السودان.

المراجع:
1- ملف الاستقلال: “السودان للسودانيين”- أم سلمة الصادق المهدي- سودانيل- 17/1/2020.
2- كتاب (السودان من الحكم البريطاني الي فجر الاستقلال)- السير جيمس روبرتسون – الحاكم البريطاني لنيجيريا.
3- كتاب (الحركة السياسية السودانية والصراع المصري البريطاني بشأن السودان)- فيصل عبدالرحمن على طه- مركز عبدالكريم ميرغني الثقافي- أم درمان.
4- كتاب (مصر والسودان الانفصال بالوثائق السرية البريطانية والامريكية) – محسن محمد- دار الشروق- الطبعة الاولي.
6- برقية رقم 125 بتاريخ 16 مايو 1952 من نائب حاكم السودان روبرتسون الي مستر الن في وزارة الخارجية البريطانية.
7- كتاب (السودان للسودانيين)- عبد الرحمن علي طه- دار جامعة الخرطوم للنشر.

8- THE BRITISH DOCUMENTS ON THE SUDAN- 1940- 1956- Secret- VOLUME VI 1952- General Editor: MAHMOUD S. O. SALEH- First Published in October 2002- Beirut – Lebanon.

شارك المقال: