سيد أمين يكتب: تداعيات انتقال التعليم من المدرسة إلى الشارع
الغريب أنه حينما أعلنت وزارة التعليم منذ أعوام قيامها بتنظيم "مجموعات التقوية المدرسية" لإعطاء دروس بالمصروفات داخل المدارس كانت الفاجعة أن أسعار تلك الدروس أغلى من نظيرتها
رئيس الوزراء ووزير التعليم المصري (وسائل التواصل)
منذ أكثر من شهر فتحت المدارس أبوابها في مصر، فيما يعلم جميع مرتاديها التلاميذ، والمعلمون، والإداريون، وأولياء الأمور، وحتي جمهور المراقبين في الشارع.
أن الحصيلة التعليمية لهذا الإفتتاح لن تختلف كثيرا عما كان قبلها، فبسبب نقص أعداد المعلمين وتدني الرواتب والأجور والكثافة الهائلة في الفصول انتقلت الدراسة منها إلى الشارع حيث مراكز ومجموعات الدروس الخصوصية، كما انتقلت مراجع الإستذكار من كتب المدرسة إلى الملخصات التعليمية الخارجية.
وهناك جملة أسباب أدت لتخلي المدرسة عن دورها الذي انشئت من أجله منها ما يخص المعلم الذي جعلته ضٱلة الراتب الذي يتقاضاه مع الارتفاع الفاحش لتكاليف الحياة إلى الاعتماد بشكل شبه كلي على عائدات الدروس الخصوصية ليضمن احتفاظه بحياة تتمتع بالحد الأدنى للحياة الإنسانية اللائقة، وبالطبع أدى ذلك إلى تدني عطائه في المدرسة والتي تحولت هي الأخرى تدريجيا إلي مكتب لعقد صفقات الدروس خارجها.
ومن الأسباب أيضا ما يخص المدرسة حيث كثافة الفصول التي تصل في بعض الأحيان إلى ما يقرب من 100 تلميذ في الفصل، وحيث افتقاد أغلب المدارس إلي “الأحواش” ومتنفسات أوقات الراحة، بالإضافة إلى تهدم الأسوار في بعضها أو عدم فعاليتها، ما صعّب من عمليات الضبط والربط والمراقبة.
ومنها ما يخص أولياء الأمور الذين دخلوا مع هذا التحول في”مفرمة” تلتهم غالبية دخولهم المالية خاصة مع الارتفاع الجنوني في أسعار الكتب والمراجع والملخصات والأدوات والملابس المدرسية، وتضاعف قيمة ما يدفعه الطالب كمصروفات دراسية عدة مرات، موزعة على بنود مثل “مصروفات كتب أو تبرعات للمدرسة أو دعم لصندوق تحيا مصر وغيرها من صناديق” بالإضافة إلى أعباء المواصلات اللازمة للذهاب والإياب من المدارس وإليها وهي التي تضخمت مع ارتفاع أسعار المحروقات، وكل ذلك يبقى دون العبء الأكبر المتمثل في أسعار الدروس الخصوصية التي وصلت إلى أرقام لا تصدق، وتحديدا في بعض المواد العلمية.
إهانة العملية التعليمية
وزاد الطين بلة حدوث ما يشبه الاعتراف الرسمي بهذا الانتقال فصارت الإمتحانات تقتبس من المراجع الخارجية، وصار هناك عدم يقين بدور المعلم في المدرسة لدرجة جعلت الوزارة تفتح أبواب مدارسها لمتعاقدين بمقابل 20جنيها للحصة، ما يعني أن هذا المتعاقد -وهو في الغالب قليل الخبرة العلمية- لن يتقاضي أكثر من 120جنيها في اليوم، وذلك أجرا متدن لا يكفي لمصروفات انتقاله من وإلى المدرسة و لن يقبل به إلا غير المؤهلين وغير الجادين في العطاء والعاشمين للتعيين الحكومي وهو ما لن يحدث.
وزاد الطين بلة قيام الوزارة بفتح باب التدريس التطوعي دون أجر تحت مسمى”المشاركة المجتمعية”، وهذا الإجراء يعني ضمن ما يعني أن الوزارة تدعو المتطوع لأن يأخذ راتبه من خلال الدروس الخصوصية التي يمكنه التعاقد عليها مع التلاميذ خارج المدرسة، وقبل الكثيرون بهذا العمل اعتقادا منهم بأنه سيمنحهم الأولوية في التعيين حال فتحت الوزارة الباب لتعيينات جديدة خاصة مع تدهور سوق العمل، وارتفاع نسبة البطالة الفعلية فيه.
والغريب أنه حينما أعلنت وزارة التعليم منذ أعوام قيامها بتنظيم “مجموعات التقوية المدرسية” لإعطاء دروس بالمصروفات داخل المدارس كانت الفاجعة أن أسعار تلك الدروس أغلى من نظيرتها التي يتلقاها التلميذ في الدرس الخصوصي في المنزل”السنتر” ليس ذلك فحسب بل أن أعداد المشاركين فيها كان أكبر، مما جعل الطلاب وأولياء أمورهم ينفضون عنها ففشلت التجربة فشلا ذريعا.
ومن مظاهر إهانة العملية التعليمية غموض المادة العلمية التي تتضمنها المناهج، بالإضافة إلى ركاكتها وضحالة عوائدها المعرفية، وكذلك التأخير الشديد في تسليم الكتب حني قرب نهاية الفصل الدراسي وقد تكرر ذلك كثيرا في السنوات السابقة، فضلا عن أن الامتحانات عادة لا تأتي من بين ثناياها ولكن من بين صفحات الكتب الخارجية، ما يجبرنا على الذهاب لتفسيرات تتعلق بطبيعة “بزنس” الكتب الخارجية والمشاركين فيه.
كل هذه السياسات كبدت الدولة خسائر فادحة جراء فشل الهدف من العملية التعليمية رغم ما أنفق عليها، وكبدت أولياء الأمور خسائر أخرى في صورة تلك الدروس المهدرة، ولم يربح إلا ناشر الكتب الخارجية ومدرس الدروس الخصوصية التي تقول الوزارة أنها تسعى لعقابه!.
تمييز تعليمي
للأسباب السابقة يمكننا القول أن العملية التعليمية في مصر لا تتوخى المساواة بين الطلاب لا سيما مع طغيان التعليم الخاص والدولي في مراحل التعليم الأساسي وحتى الجامعي على المشهد، حيث ساهم ذلك في اتساع رقعة التمييز وانعدمت المنافسة بين الطلاب، وارتكن من يملكون المال إلى كونهم بقدراتهم المالية سينافسون من جدوا وثابروا، بل وسيقصونهم بعد ذلك من سوق العمل ويشغلون وظائفهم، خاصة أن مناهج المدارس الدولية مثلا أكثر بساطة وأقل كثافة من نظيرتها في التعليم المحلي ولها الأولية في التوظيف.
وقبل أن تتفشى موجة خصخصة التعليم وتحويله إلى عملية تجارية لا تكترث كثيرا بالعوائد العلمية والوطنية، كانت قديما هناك إجراءات بسيطة يطبقونها لتعزيز الشعور بالمساواة والانتماء، تعتمد على توحيد شكل ولون الزي المدرسي بين مراحل التعليم الأساسي المختلفة وفي كافة المدارس، فضلا عن توحيد الأطعمة التي يتناولها التلاميذ، وما أحوجنا اليوم للعودة لهذه الإجراءات التي سيساهم تنفيذها في تخفيف الضغوط الاقتصادية على أولياء الأمور .
طبعا مثل تلك الإجراءات لن تعدل السفينة المائلة ولكن ستمنحها وقتا أطول قبل الغرق.
[…] للأسباب السابقة يمكننا القول أن العملية التعليمية في مصر لا تتوخى المساواة بين الطلاب لا سيما مع طغيان التعليم الخاص والدولي في مراحل التعليم الأساسي وحتى الجامعي على المشهد، حيث ساهم ذلك في اتساع رقعة التمييز وانعدمت المنافسة بين الطلاب، وارتكن من يملكون المال إلى كونهم بقدراتهم المالية سينافسون من جدوا وثابروا، بل وسيقصونهم بعد ذلك من سوق العمل ويشغلون وظائفهم، خاصة أن مناهج المدارس الدولية مثلا أكثر بساطة وأقل كثافة من نظيرتها في التعليم المحلي ولها الأولية في التوظيف.وقبل أن تتفشى موجة خصخصة التعليم وتحويله إلى عملية تجارية لا تكترث كثيرا بالعوائد العلمية والوطنية، كانت قديما هناك إجراءات بسيطة يطبقونها لتعزيز الشعور بالمساواة والانتماء، تعتمد على توحيد شكل ولون الزي المدرسي بين مراحل التعليم الأساسي المختلفة وفي كافة المدارس، فضلا عن توحيد الأطعمة التي يتناولها التلاميذ، وما أحوجنا اليوم للعودة لهذه الإجراءات التي سيساهم تنفيذها في تخفيف الضغوط الاقتصادية على أولياء الأمور .طبعا مثل تلك الإجراءات لن تعدل السفينة المائلة ولكن ستمنحها وقتا أطول قبل الغرق.اقرأ المقال على أخر الكلام […]