سامح غنيم يكتب: من خان من في معركة طهران؟
مع صعود غير مسبوق لحروب الاستخبارات و التأثير النفسي والإعلامي ، و ما بدا خلال الأسابيع الأخيرة و كأنه تحرك متسارع نحو مواجهة كبرى مع إيران ، كشف العمق عن تصدعات أعقد بكثير من كونه مجرد صراع عسكري مباشر

صورة تعبيرية للمقال
الشرق الأوسط بعد سقوط الأقنعه
ذهب الجميع في إتجاه الحرب المؤجله !!
ليست موجه عابره أو موجة توتر عابره يعيشها الشرق الأوسط اليوم ، بل يقف أمام مرحلة تاريخية شديدة الحساسية ، تتشابك فيها مشاريع الهيمنة ، و صراعات الطاقة ، و إعادة توزيع النفوذ العالمي ..
مع صعود غير مسبوق لحروب الاستخبارات و التأثير النفسي والإعلامي ، و ما بدا خلال الأسابيع الأخيرة و كأنه تحرك متسارع نحو مواجهة كبرى مع إيران ، كشف العمق عن تصدعات أعقد بكثير من كونه مجرد صراع عسكري مباشر ..
إذ إن أخطر ما ظهر في المشهد لم يكن حجم التصعيد ، بل حجم التباين داخل معسكر صانعيها ، و تضارب الحسابات بينهم ، من يريد الحرب فوراً و إنجاز أحلامه ، و من يريد إستثمارها فقط كورقة ضغط ، و من يخشى أن تتحول إلى انفجار إقليمي لا يمكن السيطرة عليه ..
من “ الردع ” إلى “ إعادة هندسة المنطقة ”
التحركات الأخيرة لم تكن مجرد ردود أفعال أمنية متبادلة ، بل جزءاً من تصور أوسع يسعى إلى إعادة صياغة شكل الشرق الأوسط خلال السنوات القادمة ، و كانت هناك قناعة متزايدة لدى بعض مراكز النفوذ الدولية بأن المنطقة دخلت مرحلة “ إعادة الهيكلة الجيوسياسية ” ، حيث لم يعد الهدف فقط إحتواء الخصوم ، بل إعادة تشكيل موازين القوى بالكامل ، و في هذا السياق ، ظهرت فرضيات تتحدث عن سيناريو متكامل لإضعاف الداخل الإيراني عبر عدة مسارات متزامنة :
– الضغط الاقتصادي العنيف.
– إنهاك البنية الأمنية و الاستخباراتية.
– خلق اضطرابات داخلية متصاعدة.
– إستهداف الشخصيات المؤثرة.
– دعم حركات التمرد و الانفصال.
– تحريك الأقليات القومية و العرقية.
– تضييق الخناق الإقليمي على النفوذ الإيراني.
– صناعة حالة إنهاك استراتيجي طويلة المدى.
و كان التصور المطروح لدى إستخبارات الكيان يقوم على أن تراكم هذه الضغوط قد يؤدي إلى حالة تفكك تدريجي أو انهيار سياسي سريع خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً ، لكن المشكلة الكبرى أن أصحاب هذه السيناريوهات تعاملوا مع إيران باعتبارها دولة يمكن إسقاطها بالضغط الخارجي فقط ، بينما الواقع يشير إلى أن النظام الإيراني بُني تاريخياً على مفهوم “ إدارة الأزمات ” و التكيف مع الضغوط الممتدة ، و هو ما جعل حسابات الحسم السريع أكثر تعقيداً و أنها أفترضت أوهاماً غير موجوده على الأرض .
سامح غنيم يكتب: يهود يثرب يبحثون عن العوده
لماذا لم تنجح خطة “الستة أيام”؟
الحديث عن إسقاط سريع للنظام الإيراني خلال “ستة أيام ” لم يكن مجرد عنوان إعلامي مثير ، بل يعكس بالفعل وجود تصور إستخباراتي قاصر بأن الضربات المتزامنة و الاختراقات الأمنية المكثفة قد تُحدث حالة شلل مفاجئ داخل بنية الدولة الإيرانية ، و لم يتوقع ثوابت هامه و متغيرات الأمور و حسابات الأطراف .
أولاً : تقدير خاطئ لصلابة الداخل الإيراني
بالرغم من كل الأزمات الإقتصادية والإحتقان الداخلي ، فإن مؤسسات الدولة الإيرانية ما زالت تمتلك قدرة عالية على الإحتواء الأمني و السيطرة المركزية ، خاصة في أوقات التهديدات الخارجيه.
ثانياً : الخوف من الفوضى غير المحسوبة
سقوط دولة بحجم إيران لا يعني فقط تغيير نظام سياسي ، بل إحتمال انفجار إقليمي واسع يمتد من الخليج إلى العراق و سوريا و لبنان و اليمن ، مع تأثير مباشر على الملاحة و الطاقة و أسواق العالم.
ثالثاً : تضارب الأهداف بين الحلفاء
ليست كل الأطراف التي تضغط على إيران تريد نفس النتيجة ، فهناك من يريد إسقاط النظام ، و هناك من يريد فقط إضعافه ، و هناك من يريد إحتواء نفوذه دون تفجير المنطقة بالكامل.
هنا بدأت “حرب الثقة” داخل معسكرالحرب
= نتنياهو … بين مشروع “ النصر المطلق ” و حدود الواقع :
فرئيس الوزراء الإسرائيلي بدا خلال المرحلة الأخيرة و كأنه يتحرك وفق رؤية تعتبر أن اللحظة الحالية تمثل فرصة تاريخية لإعادة رسم المنطقة بالقوة.
فبعد سنوات من الصراع غير المباشر مع إيران ، ظهرت قناعة داخل بعض التيارات الإسرائيلية بأن البيئة الإقليمية و الدولية أصبحت أكثر ملائمة لتوجيه ضربة إستراتيجية كبرى ، لكن مع اتساع دائرة التوتر ، بدأت معضلة جديدة تظهر :
* ماذا لو تحولت الحرب إلى استنزاف طويل؟
* ماذا لو خرجت الجبهات الإقليمية عن السيطرة؟
* ماذا لو تحولت الضغوط الاقتصادية العالمية إلى عبء على الحلفاء؟
* ماذا لو فشل الحسم السريع؟
هنا بدأت تظهر فجوات واضحة بين الخطاب السياسي المتشدد و بين الحسابات العسكرية و الاستراتيجية الأكثر تحفظاً ..
ترامب … البراجماتية الأمريكية في أقسى صورها
السياسة الأمريكية لا تتحرك بالعاطفة ، بل بمنطق التكلفة و العائد ..
و لهذا فإن أي تغير في الموقف الأمريكي يجب قراءته بإعتباره إنعكاساً لحسابات أعمق تتعلق بالمصالح الكبرى ، فالولايات المتحدة تدرك أن أي حرب شاملة مع إيران قد تؤدي إلى :
– ارتفاع هائل في أسعار الطاقة.
– اضطراب الاقتصاد العالمي.
– تهديد الملاحة الدولية.
– إستنزاف الحلفاء الإقليميين.
– فتح المجال أمام روسيا و الصين لتعزيز نفوذهما.
– خلق موجات اضطراب أمني جديدة في المنطقة.
و من هنا ، يمكن فهم التحولات المفاجئة في الخطاب الأمريكي بإعتبارها محاولة للسيطرة على التصعيد لا الإنسحاب منه بالكامل.
فالهدف قد لا يكون إسقاط إيران فوراً ، بل إبقاؤها تحت ضغط دائم يمنعها من التحول إلى قوة إقليمية مستقرة و مهيمنة.
أردوغان … اللاعب الذي يخشى إنهيار التوازن
تركيا تدرك أن أي انفجار شامل في المنطقة سيؤدي إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ بصورة قد تهدد مصالح الجميع ، بما في ذلك أنقرة نفسها ، و لهذا حاولت تركيا التحرك في مساحة معقدة للغاية ، فهي لا تريد انتصاراً إيرانياً مطلقاً ، و لا تريد انهياراً إيرانياً ، و لا تريد حرباً شاملة تعيد إنتاج الفوضى على حدودها.
وهو ما يجعل الدور التركي أقرب إلى “إدارة التوازنات” لا الانحياز الكامل لأي محور .
لذلك لم يصبح المشهد مجرد صراع عسكري تقليدي ، بل حرب متعددة الأدوات :
* تسريبات إستخباراتية.
* اختراقات أمنية.
* حرب سيبرانية.
* حملات نفسية و إعلامية.
* صناعة روايات متضاربة.
* توظيف الاقتصاد كسلاح.
* استخدام الرأي العام كساحة معركة.
و في هذا النوع من الحروب ، قد يكون تسريب واحد أخطر من صاروخ ، و قد تكون الشائعة أحياناً أكثر تأثيراً من الضربة العسكرية نفسها.
>> ماذا بعد ؟ السيناريوهات الأكثر ترجيحاً :
~ السيناريو الأول : إحتواء التصعيد
و هو الأكثر احتمالاً على المدى القصير ، حيث تستمر الضغوط المتبادلة دون الوصول إلى حرب شاملة.
~ السيناريو الثاني : مواجهة محدودة محسوبة
ضربات متبادلة و رسائل قوة ، لكن مع وجود خطوط حمراء تمنع الانفجار الكامل.
~ السيناريو الثالث : انفجار إقليمي واسع
و هو السيناريو الأخطر ، و قد يحدث إذا فشلت قنوات التهدئة أو حدث خطأ استراتيجي غير محسوب.
السيناريو الرابع : إعادة ترتيب المنطقة سياسياً
قد تتجه القوى الكبرى إلى فرض تسويات جديدة تعيد توزيع النفوذ بدلاً من خوض حرب طويلة مكلفة ، و لعل أخطر ما في المشهد ، و هو الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في إحتمالات الحرب ، بل في حالة السيولة السياسية غير المسبوقة التي أوقعتها الأحداث ، فالتحالفات أصبحت مؤقتة ، و الثقة بين الحلفاء تتآكل ، و القرارات الكبرى باتت تُدار بمنطق اللحظة لا بمنطق الاستقرار طويل الأمد ، و هذا يعني أن المنطقة قد تدخل خلال السنوات القادمة مرحلة إعادة تشكل تاريخية ، تتغير فيها خرائط النفوذ الكبيره ، و التحالفات الثابته ، و حتى طبيعة الدول نفسها.
الخلاصة
الشرق الأوسط لا يقف أمام أزمة عابرة ، بل أمام لحظة مفصلية قد تعيد كتابة موازين القوة لعقود قادمة ، و ما يجري اليوم ليس فقط صراعاً بين دول ، بل صراع بين مشاريع كبرى تستهدف تشكيل المنطقة سياسياً و أمنياً و إقتصادياً.
أما الحقيقة الأكثر وضوحاً حتى الآن ، فهي أن الجميع يمتلك القدرة على إشعال النار … لكن لا أحد يضمن القدرة على إطفائها إذا خرجت عن السيطرة.






