علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
سامح حسنين
سامح حسنين

كاتب صحفي

سامح حسنين يكتب: “كم تضاحكت عندما كنت أبكي” فهل تمنيت حقًا أن يطول عذابي؟

وفي أيلول كان ميلاد الحزن وأخذ سيرورته بتراكمات كمية وبتحولات كيفية، لكن عند بلوغ صيرورته في القلب ربتت يد الله، فبين السيرورة والصيرورة كان الله حاضرًا

مشاركة:
حجم الخط:

لم أكن أحتسي مدامع قلبي بل كنت أغرق تمامًا فيما تبقى من دمي!

لكنّ شيئًا ما منعني أن أكون من المقتحمين، ربما صدى صوت جمال عبد الناصر وهو يعلنها من فوق منبر الأزهر “سنقاتل”ربما كانت كلمات جيفارا الأخيرة “إنك تقتل رجلاً”.

ولربما كان ما بقي في قلب الصغير الذي اشتعل شيبًا من قرآن، فتذّكر “ولسوف يعطيك ربك فترضى” فترضى

بعض العارفين يقولون أن الله يبقى حين لا يبقى أحد، وأن الله في القلب حتى لو لم تدرك علة وجوده، فيربط على ما تبقّى من القلب.

سامح حسنين يكتب: المنتظرون

في الحزن متسع للجميع كما في الجحيم، والأحزان كما الأيام نداولها بين الناس

وفي أيلول كان ميلاد الحزن وأخذ سيرورته بتراكمات كمية وبتحولات كيفية، لكن عند بلوغ صيرورته في القلب ربتت يد الله، فبين السيرورة والصيرورة كان الله حاضرًا.

لا أزعم أني مؤمن تمامًا، لكني يومًا لم أبلغ درجة الخروج النهائي، شىء ما بقي بيني وبين الله، صياغة العلاقة كانت إلى حد بعيد معقدة لكنه بقي دومًا في القلب رغم احتجاجي أحيانًا!

أسكن إلى الليل ويسكن الحزن والفقراء قلبي، كل ليلة يسهر معي بعض الرفاق المؤسسين للطريق والذكريات.

يسامرني جورج حبش وليلى خالد، ويأتي مالك الأشتر ليستريح من عناء القتال، لكن أبدًا لم يأت علي، رغم هذا أعرفه جيدًا هذا الذي سمته أمه حيدرة.

في المسافة الفاصلة بين الرصاصة ورأسي كان الحسين واقفًا فتلقى الرصاصة نيابة عني!!

عند الفجر ودعني وذهب لكربلاء، صليت الفجر وأغلقت كربلاء قلبي وأم كلثوم تبكي” وأنا أحتسي مدامع قلبي حين لم تلقني لتسأل ما بي”

أما صديقي الذي تحت الأنقاض فلم يعثروا أبدًا على جثته!!

كان عائدًا من مقر الصحيفة التي يكتب لها، فتحت صغيرته الباب واحتضنته مطولًا، أعدت زوجته المائدة وجلسوا يأكلون.

بدا بلا شهية، تحدثت زوجته بقلق عن كون العدوان وشيك، نظر لزوجته وصغيرته وفجأة أنشد شعرًا لأمل دنقل:

“لا تصالح ولو توجوك بتاج الإمارة”

تنظر زوجته لملامح وجهه بدهشة، حين وصل إلى البيت الذي يقول:

” والذي اغتالني ليس ربًا ليقتلني بمشيتئة” بكى.

فجأة انطلقت صواريخ العدو، وتحوّل المنزل لأنقاض، استخرجوا جثمان صغيرته، وأخرجوا زوجته على قيد الحياة!

أما هو فلم يعثروا على جثته قط، قال بعض أولي العلم أنه سافر إلى الطف، فقبض قبضة من أثر الحسين وبكى، وبايع المختار الثقفي على الأخذ بثأر الحسين.

أخرون أقسموا أنهم رأوه يقاتل في معركة السويس وقت الثغرة، لكن مقاتلا ظفاريًا أكد أنه كان رفقته في ثورة ظفار.

أما صديقي اللبناني حين رأى صورته أجهش بالبكاء لأنه شاهد جثته في حادثة عين الرمانة، أحد رفاق أحمد جبريل أصر على أن صاحب الصورة كان من المقاتلين الذين دافعوا عن مخيمي صابرا وشاتيلا ضد ميليشيات إيلي حبيقة وجعجع.

وأخرون أكدوا أنهم رأوه بأعينهم يحارب ضد سعد حداد، وأنه في إحدى العمليات كاد أن ينجح في اغتيال أنطوان لحد.

لكنّ مقاتلين في صفوف الجبهة الشعبية وصفوا شجاعته لحظة هجومه على إحدى قواعد العدو منذ أيام، وأنه ما زال حيًا ويقاتل!

أما صديقي الصغير الذي أحب عبدالناصر واشترى جريدة العربي الناصرية لأن معها بوستر هديه للزعيم، التحق بصفوف الناصريين حمدين صباحي ورفاقه وغنى معهم :

“صورة صورة صورة كلنا كده عايزين صورة تحت الراية المنصورة”

لكن الصورة كانت قاتمة، فسافر إلى كربلاء مددًا لجيش الحسين لئلا يجتزوا رأسه، لكنهم قتلوا ابن الأكرمين فبايع سليمان بن صرد الخزاعي على الخروج في ثورة التوابين.

الصغير الذي هجرته حبيبته في الصباح لم يمزق شريانه في المساء لكنه ارتحل ليحطم قلعة الباستيل مع السان كيلوت، فاعتقلوه في سجن الخليفة متهمين إياه باقتحام السفارة الأميركية والقتال في جيش العراق، فابتسم للمحقق قائلاً شرف لا ندعيه وجهاد لم ندع إليه.

خرج من السجن وقاتل مع المختار الثقفي، وعاد ليغني مع أم كلثوم “والليالي تمر بيا بين أماني وبين ظنوني”

لكنهم ألقوا القبض عليه بتهمة الغناء وقلب نظام الحكم، فنزل من عربة الترحيلات يغني:

“حبيبتي يا مدينة متذوقة وحزينة” فاعتبروا غناءه اعتراف.

بعد حين من الدهر بدّل الحب فيها داره والعصافير هجرت الأوكارا، أخرجوه من سجن الغربانيات، ليقاتل في صفوف الثورة الجزائرية، حمل السلاح وانتصر، وانتظر.

لكن الثورة أكلت أبناءها، فعاد لميدان التحرير، في الخامس والعشرين من يناير يغني:

“اللي خانوا العهد بينا واستباحوا كل حاجة مستحيل هيكونوا منا .. احنا حاجة وهم حاجة”

لكن طيور الظلام هبطت على المدينة، فاتهموه بكونه شيوعي وشيعي وأنه عضو في الحرس الثوري الإيراني يُقدس تشى جيفارا ويصلي مرسلا يداه كجعفر الصادق.

وأنه يخطف الطائرات مع ليلى خالد وتيريزا هيلسا، وأنه صديق عبدالله أوجلان وجورج عبدالله

فابتسم وذهب ليلتحق بجيش الفلاحين مع ماوتسي تونج، ويدعم كيم ايل سونج في حربه ضد الأميركيين، يعرج ليقاتل مع هوشي منه ويضع الخطط مع الجنرال جياب، وعاد ليغني في التحرير مرة أخرى في يونيو:

“اه لو عبد الناصر عايش كان لبسكوا طرح وغوايش”وانتصر، وانتظر.

لكنهم عاودوا القبض عليه لأنه غنى للأرض والدم المقدس في تيران.

في الانفرادي في السجن العسكري غنى فاتهموه بالجنون لأنه غنى للوطن دون إذن.

وخرج ملاحقًا مراقبًا، يغني بقلبه للأسماء والشهداء ويلعن وجوه المخبرين، يغني لمدن الملح والجرح، ويلعنُ أميركا و وذيول أميركا.

ما زال الصغير هو الصغير وإن غزا الشيب مفرقه لكنه مع حمدين صباحي يغني:

” يا فلسطينية وأنا بدي أسافر حداكوا.. ناري في ايدياوايديا تنزل معاكوا على رأس الحية وتموت شريعة هولاكو”!

لا أعرف من أين يجيئ الاكتئاب فيطاردك ككلب عقور، يقولون أن الاكتئاب أتى مع آدم حين هبط من جنته العالية، وكاد أن ينتهي من الأرض في الطوفان لولا أن نوح حمله معه في السفينة.

فانتقلت عدواه من البشر لباقي المخلوقات

فكانت القطط أكثرهم إصابة به للدرجة التي تجعلها تنتحر حين يتحكم بها، والبعض يقولون أن الاكتئاب مخلوق من قبل خلق الكون، وأن الانفجار العظيم لم يكن سوى انتحار للتشكيل الأول للكون جراء الاكتئاب.

وأن المخلوق البشري قبل آدم لم يصمد ليس لأن الطبيعة كانت أقوى منه بل انهياره كان نتيجة الاكتئاب.

وورثه الإنسان لكنه تعاطى معه بشكل أو بآخر، لكن بعض العارفين يقولون أن الاكتئاب تولدّ من العلة الأولى يصاب به الحالمون والمغتربون عن هذا الواقع.

يحيون بهشاشة نفسية، غالبًا ما تنتهي بمتلازمة قلب مكسور وهم يغنون ” حطيت على القلب إيدي وأنا بودع وحيدي وأقول يا عين .. اسعفيني يا عين “

شارك المقال:

شاركنا برأيك