إبداع
زكريا صبح
زكريا صبح

كاتب أدبي

رواية حارس الحكايات: الكاتب حين يحول الخيال واقعا (2-2)

الكاتبة تعي أنها تكتب من الخيال لا من الواقع ولذا تجد نفسها تستخدم ( كأن ) لسد الهوة بين الخيال والواقع والتقريب بينهما.

مشاركة:
حجم الخط:

الكاتب الجيد هو الذى يعلى من شان الخيال، يوهمنا بأن الواقع الذي جسده ليس إلا خيالا،
حارس الحكايات واحدة من تلك الروايات الخيالية التى ليس من سبيل لمن يقرأها الا التماهى مع خيالها.

لا أبالغ إذا قلت: أنه ليس من سبيل ألا التواطئ معها _ اقصد الرواية- وربما قصدت التواطئ مع الكاتبة ، حيث نجد أنفسنا منساقين إلى هذا التواطئ وهذا التماهى حتى لو كانت الحبكة غير قابلة للتصديق.

والكاتبة أذ تتخيل مكانا أختارته _ شواطئ ايطاليا _ وتتخيل بحرا _ هو البحر المتوسط _ تتخيل ابطالا تحركهم كيفما شاءت، وتتخيل احداثا ربما يصعب على العقل تصديقها، ولكنها استطاعت ترويضها بصدق فنى.

الكاتبة إذ تتخيل كل ذلك كانت فى حاجة إلى لغة تحتمل كل هذا الخيال

وبادئ ذى بدء للحديث عن اللغة فإن الملاحظة الأولى أنها جاءت لغة فصيحة سردا وحوارا، وبشئ من التدقيق سنجد أنفسنا اننا امام لغة شعرية، حرصت فيها الكاتبة على تصوير الأحداث تصويرا ينحو الى الخيال اكثر من الواقع.

فهى لغة لا يخلو سطر فيها من تشبيه أو إستعارة أنظر هذه الصورة

( ما أن وصلت حتى كان الموج قد التهم السفينة كسمكة قرش جائعة تقطر رعبا من فمها المائى الواسع ، شعرت بخفة غريبة فيما البحر يمتد تحتى حاملا أياى على حافة صمت رهيب )

هذه فقرة من صفحة فى الرواية،مجرد نموذج بسيط لمستوى اللغة وكيفية استخدام الكاتبة لها ، نموذج سيجده القارئ ماثلا امامه كلما توغل في النص.

رواية حارس الحكايات لسمر الكلاس: عندما يكون البحر بطلا (1-3)

مازلنا مع الخيال الجامح الذي تتمتع به الكاتبة

وهي إذ تكتب من منطلق خيالى تجد نفسها متورطة فى إقناع القارئ بهذا الخيال، تفعل ذلك بفعل لا شعوري نستشفه من تكرار حرف ( كأن ) هذا الحرف الذي لا تكاد صفحة من الرواية تخلو منه، ولا أبالغ إذا قلت : لا تكاد فقرة تخلو منه.

ودلالة ذلك واضحة بذاتها، فالكاتبة تعي أنها تكتب من الخيال لا من الواقع ولذا تجد نفسها تستخدم ( كأن ) لسد الهوة بين الخيال والواقع والتقريب بينهما.
فتقول في ص 163 تقول فيها :

“استيقظت على وجعي كأني سقطت من أرتفاع لا يقاس بالمسافة، بل بالذاكرة،كان وجهى غارقا فى العرق وصدرى يعلو ويهبط كبحر فقد إتزانه، أيكة بجانبى، يلف شعرها شعاع شمس الصباح كأن الفجر يستعيرها ليختبر رقة العالم، نظرت إلي والخوف يتسلل إلى قلبها كأنه يختبر حدود صبرها، أستدارت نحوى ببطئ بنظرة ملؤها حيرة كانها تسمع اأسما لم يغب عنها، ثم اغمضت عينيها كأنها تحاول ان تحبس دمعها”

هل لاحظت كم ( كأن ) فى هذه الفقرة ؟

كأنها تريد أن تقول صدقوني أنني اكتب خيالا، أحاول تقريبه إليكم مشبهة إياه بالواقع، وفى ذلك دلالة اخرى تصل القارئ أننا أمام أحداث كأنها تحدث.

 ما زلنا مع اللغة التى كتبت بها الكاتبة روايتها، وقد أجتهدت الكاتبة أجتهادا كبيرا في أختيار وصنع لغة ادبية راقية مفارقة تماما للغة الدارجة التى يكتب بها البعض فلا نعرف هل يتكتب أدبا أم تكتب أخبارا في جريدة او موقع .

 جاءت اللغة رشيقة، خلت من التقعر، وأتسمت بالعمق، لغة وصلت من الشفافية حد أن تكون حكمة سائرة على لسان الناس

 الإيقاع السردى

هذا عالم روائى ليس به صخب المدينة وتوترها، سرعتها ولهاثها، عنفها و جفاف مشاعرها، هذا عالم روائي تجرى أحداثه في الماء أحيانا وعلى شاطئ البحر أحيانا اخرى.

هذا عالم البطل فيه يعاني من غربة مركبة، هو فى حالة بحث عن ذاته

هذا عالم عنوانه “حارس الحكايات” فيرو ذلك المتأمل في البحر ومصائر مرتاديه، ولذا ليس غريبا أن يكون الايقاع السردي هادئ هدوء الراوي العليم الذي أخذ على عاتقه سرد الحكاية في بساطتها عبر مائة وثمانين صفحة.

ولنا أن نتخيل كيف يكون الايقاع السردى بطيئا، لا يتعجل الأحداث، وما زاد الإيقاع بطئا الوصف المفرط.

الكاتبة كانت تتلذذ بوصفها التفاصيل مهما كانت صغيرة ومهما كانت غير مهمة ولا تؤثر فى مجريات العمل.

 من أجمل ما يلفت النظر فى هذا العمل الحس الصوفى الذي يتبدى في الهارمونى الكونى بين الكائنات والاشياء نصرة للبطل الذي يبحث عن نفسه بين وطنين، أحدهما ينتسب له بالدم والاخر ينتسب له بالتربية.

حدثتكم عن البحر وكيف كان متعاطفا مع ميلا واخيه والان احدثكم عن الجمادات وهى تتفاعل مع الانسان تقول الكاتبة فى ص 145″

“وكأن الغرفة صارت ككائن حي يتنفس ويراقب، يحتفظ بسره، يختبرني، يعرف أني أبحث عن شيئ لم يكتشف بعد”

وتقول فى ص 108:

( اسألها عن مصدر الورقة، عن أسم المرأة الذي يظهر بخط واضح أسفل النص، فتخبرنى أنها لم تحضر الورقة وإن الغرفة نفسها هي التي أعادت إخراجها من مكانها القديم لأن الوقت حان كى تقرأها، أشعر أن الارض ترتفع قليلا تحت قدمي ، كأن المدينة قررت ان تعيد ترتيب ما كنت اعرفه عن نفسى )

أرأيتم كيف تتكاتف الكائنات والاشياء فى حالة تعاطف مدهشة مع ابطال فقدوا ذواتهم وراحو يبحثون عنها ،، فهل نحن امام واقعية سحرية خاصة بالنص والكاتبة معا ؟

الكاتب الجيد هو من يوفق في اختيار راويه

ولعل لكل نص راو يناسبه، ولعل لكل قصة راو ينهض بالحكاية على خير وجه.

ولقد اجادت الكاتبة عندما جعلت الراوي المشارك المتكلم عن نفسه والمتحاور مع أقرانه من أبطال العمل.

اقول : لقد اجادت الكاتبة باختيارها راو مشارك، اليس هو القادر عن التعبير عما يعتريه من ألم الغربة والفقد ؟ 

اليس هو القادر على استدعاء ماض لم يشهده إلا هو لحظة ميلاده ؟

صحيح أننا لم نسمع سوى صوته (ميلا) لكننا أستعذبنا هذا الصوت لأنه لم يكن يمثل نفسه في هذا الاغتراب بل يمثل كل انسان عربى اضطرته الحرب للهجرة والعيش فى المنفى.

ولا أبالغ أن قلت أن ميلا وأخوه يمثلان نماذج إنسانية بغض النظر عن جنسيتها

وحده الراوى المشارك الذي خبر كل شخصية تعامل معها حتى الطفلة الصغيرة التي ظنت نفسها عصفورا وراحت تجرب الطيران بأجنحة تشبه اجنحة العصافير .

كأن الكاتبة تذكرنا بمحاولة الطيران الاولى التى قام بها عربى يسمى ابن فرناس ( هذا تأويلى الشخصى واظنه فيه شيئ من المغالاة ) وكذا كان هناك استدعاء لاسطورة بجماليون اليونانية فى ص 30 حبث توقع الراوي من ليام صانع التماثيل أن يصنع لنفسه امرأة يحكى لها وتحكى له.

 بعض تقنيات العمل

أعرف أن الكاتب إذ يكتب لا يعمد مطلقا لاستخدام تقنيات دون غيرها، وربما فرض النص تقنيات تناسبه.

وهذا ما حدث في تقنية الاستباق والفلاش باك، جاء الاستباق فى ص 48 حيث يقول الراوى: 

(رايتها في خيالي تسند ذقنها إلى راحة يدها، تتطلع من شرفة السفينة نحو الافق البعيد، تفكر بى وهى لا تعرف أن لى وجودا في هذا العالم)

جاء هذا الاستباق حيث كان البطل يبحث عن حبيبته فتخيل لقاء لم يحدث بعد

اما الفلاش باك فقد جاء واضحا في ص 94 يقول الراوي :

“تراجعت قليلا ، كأن الهواء ضاع فجأة ،تابعت والذاكرة تجرنى الى ذلك الصباح الرمادى فى سجن البندقية”

ثم يحكى ما كان بينه وببن ظافر ، في لحظة استدعاء كاشفة

 تقنية الحلم

الحلم هو التقنية الاساس الذي قامت عليه الرواية، فما دفع ميلا للبحث عن ذاته وتاريخه الغارق وامه التى ابتلعلها البحر، اقول مادفع ميلا إلى ذلك إلا الحلم الأسود الذى كان يقوم على اثره صارخا، بعد أن يتقيأ سائلا أسود، الحلم هو الذي كان يجسد له أمه على هيئة حبيبة ويدعوه للبحث عنها .

تقينية الحلم جاءت لتأخذ بيد النص المغرق في الغموض لتحل لنا صعوبة تقبلنا لبعض الأمور التي قد لا يتقبلها عقل، ولكن لأن هذه الأحداث جاءت عبر الأحلام فليس أمامنا سوى التماهي معها وقبولها عن رضا.

 الرمزية

مثل هذه النصوص التي تجسد فكرة، وتعبر عن موقف وجودي يتبناه الكاتب،لابد وأن يأتى النص رمزيا فى بعض أبعاده إن لم يكن كله ليس إلا رمزا

 رمزية البحر

لماذا جعلت الكاتبة من البحر مسرحا لعملها ؟
لعل ذلك يرجع الى رمزية البحر بما يحمله من امواج ورياح عاصفة وعواصف قد تقتلع الانسان من جذوره فان لم تقتلعه فان البحر كفيل باغراقه.

البحر ليس الا رمزا للحياة بصخبها وغدرها

رمزية ايطاليا وفينسيا ؟

ربما اختارت الكاتبة هذا المكان كمكان متوسط بين الاندلس والدول العربية في الشرق الاوسط، حيث اجتمع في هذا المكان المرأة الغارقة الاتية من الاندلس لتضع مولديها في مياه البحر المتوسط، وكذا التقى بعض الفارين من جحيم الحروب فى دول الشرق الاوسط.

 لماذا غرقت الام ؟ ربما رمزت الكاتبة بذلك إلى الأمة العربية التي أحاطت بها الخطوب وأغرقتها.

 لماذا ايكة مصرية؟

ربما رمزت الى قوة مصر وصلابتها و قبولها حمل الامانة في الدفاع عن الهوية العربية، بل واصرارها على استمرار هذه المسيرة ، ايكة كانت صورة من الام الغارقة ، الام التى كان يبحث عنها ابنها فلما اتته ايكة تزوجها لاستكمال مسيرة الخلاص من القهر

 رمزية الاسماء

يتعلق بامر الرمزية اختيار الكاتبة لأسماء ابطالها ودلالات هذه الاسماء

-ميلا، الابن الذي كاد يغرق، وعندما نجا لم يتوقف عن البحث لأعادة المجد، ميلا في الايطالية يعنى المعجزة. 

-ليام ، الاخ التؤام لميلا ، والذي مات غريبا لا يعرف أن له أخا كان يعيش معه وهو لا يدري، ليام فى الايطالية اسم يعنى المحارب الشجاع ، ذى الارادة القوية.

ومجموع دلالتى الاسمين سيكون القوة والشجاعة والإرادة من أجل تحقيق المعجزة

-إيلار ، الفتاة البريئة التى كانت تحلم بالحرية ، إيلار في الإيطالية تعني البهجة والمرح.

استيفان المسلم الذي كان يعمل طباخا واكتشف جريمة القائد، استيفان أسم يعني الاكليل ، أو الشخص المكلل بالنجاح، مات صعقا بالكهرباء، ومع ذلك يظل مكللا بالنجاح.

– أنيتا ، العرافة التي ساعدت ميلا فيالبحث عن حبيبته، أنيتا  تعنى المرأة الحنونة الممتلئة نعمة.

– إيكة المصرية التى اكملت المسيرة مع ميلا، الايكة فى اللغة العربية هى الشجر الكثيف ذي الجذور الممتدة في باطن الارض، إيكة هي الشجر الكثيف الملتف، لها دلالة الاحتواء والحماية.

 فيرو، حارس الحكايات، كاتب القصص، متابع المصائر ، فيرو فى الايطالية يعنى الذى يقول الحقيقة.

– ظافر، الذي مات شنقا لأنه نادى بالحرية في بلاد لا تعرف إلا حرية اهلها، مات شنقا لكنه ظفر بالشهادة وخلود السيرة والاسم.

-ناهض ، اسم لا تغيب دلالته عن حصيف ، ناهض الذى قطعوا لسانه ويديه ، متهمين اياه بالاتجار في المخدرات، ومع ذلك نهض بنفسه وظل على قيد الحياة متمسكا بها

 أخيرا
لقد عشنا مع رواية بلورت قضية عصرية تشغل بال الكثيرين، ولولا بعض الهنات اللغوية صرفا ونحوا واملاء لنالت رضا القارئ بلا اى تحفظ.

شارك المقال: