إبداع

قصة محمد كامل خضري: الكيلو 27

وصلنا أخيرا كيلو 27 محطة النهاية، نزل العمال على سلالم القطار فلايوجد رصيف وركب عمال آخرون،المنجم يعمل ليل نهار والعمال الصاعدون كستهم الحمرة تماما أما العمال النازلون فهم أقل حمرة،على الأقل وجوههم.

مشاركة:
حجم الخط:

الكيلو27

جاءت الأجازة المدرسية السنوية وقبل أن أمارس أى نشاط ذكرت أبى بأن يفى بوعده ويصحبنى إلى عمله وها قد حان موعد الوفاء.

فنمت مبكرا وأيقظنى والدى مع آذان الفجر ودخلت الكنيف وأفرغت مافى المثانة ومافى الأمعاء وتوضأت من الماء المتاح فى علبة السمن النباتى التى أعيد إستخدامها كإناء للماء يسحب رصيده من البرميل الذى يتوسط البيت.

كنا نستخدم الماء فى أى مكان فى حوش المنزل وندعه يتسرب فى الأرض فالتربة الحجرية كفيلة بأن تدعه يمر بين الشقوق والجو النارى كفيل بأن يبخر ماتبقى على السطح.

ففى هذه البلدة وهذا البيت لانحتاج لشبكات الصرف، توضأت وصليت خلف أبى فقد كان من حفاظ القرآن بل وأزيد كان عبقريا فى هذا المجال على الرغم من أنه تربية “كتاتيب”

لكنه كان يدخل المساجد ويمسك المصاحف ويراجع الطبعات ويسحب المصاحف المحرفة منها والتى بها أخطاء مطبعية بمجهود شخصى دون ضجيج ودون إعلام ويحرقها كان يفعل ذلك فى كل مسجد يدخله وكان يرينا التحريف رحمه الله.

حكى لى أنه كان يتيما وأتم حفظ القرآن فأوصى شيخه بأن يتم تعليمه فى الأزهر لنبوغه وافقت أمه ولكن أخا له قال أرضه مقابل تعليمه فلن يتعلم هو ويصبح “أفندى” أو شيخا معمما ونحن هنا مطحونين فى الزرع والزراعة -وجهة نظر -!

جدتى رفضت أن يفرط هذا اليتيم فى أرضه وليذهب العلم والأزهر إلى الجحيم!

أفطرتنا أمى بيضا وفولا وأسقت أبى شايا الصغار فى بيتنا لايشربون الشاى.

ربما عن وعى حتى لايتلاشى الحديد من وجباتنا وتصيبنا الأنيميا وتشحب ألواننا وربما عن حرص ألا ينفذ التموين”حصة السكر والشاى” قبل آخر الشهر وهذا هو الأرجح !

لبس أبى بدلة العمل وخوذته وحذائه الشبيه بالبيادة العسكرية نظرا لموقع العمل الجبلى والتى كانت تصرف له سنويا ولبست أنا قميص وبنطلون من ملابس العام الدراسى المنقضى.

خرجنا من البيت مسرعين حتى لايفوتنا القطار وساعدتنا الطبيعة فى أن تتسع خطواتنا ونتدحرج بسرعة فقد كان بيتنا قرب نهاية جبل أقيمت على مدرجه المنازل حتى تراها من بعيد كورق كوتشينة مفرود على المائدة.

كان الصعود إلى بيوتنا شاقاً ولكن النزول كان سهلا يسيرا للغاية فلو تركت جسمك للجاذبية لتدحرجت رغما عنك.

محمد كامل خضري يكتب: التصفيق في الصفوف الأمامية؟

محمد كامل خضري يكتب: الشيخ طه!

وصلنا المحطة وركبنا القطار

قطار المناجم هو قطار مخصص لعمال مناجم الحديد ولا أحد غيرهم إلا بائع السجائر وبائع الجرايد.

بائع السجائر يبيع كاش و على النوتة وبائع الجرائد المطالعة لكل المجلات والجرائد نظير ملاليم معدودة.

المطبوعات كلها بايتة فهى تصل لهذه المدينة بالطيران متأخرة وهذه آخر فرصة لتسويقها قبل إرتجاعها.

العمال معظمهم من أهل هذه البلاد ذوى البشرة السمراء يلبسون زيا موحدا ولكن الملاحظ أن كل شئ تصبغه الحمرة.

فاللون الأحمر من أكاسيد الحديد التى تملأ الجبل، يملأون بها قطارا إلى القاهرة حيث يفصل المعدن عما يخالطه فيصير حديدا وصلبا.

ملابسهم حمراء أحذيتهم حمراء رفوف القطار وكراسيه، أرضية الممشى ةلون سطحه كل شئ مصبوغ باللون الأحمر ،رحب بى زملاء أبى وسألونى فى أى مرحلة أنت ؟

ماأخبار النتيجة ؟ماذا تتمنى أن تكون ؟ كلنا كنا نتمنى أن نكون مثل أبانا !

سحب الجرار عرباته من فوق الشريط الحديدى

تاركا المحطة الجميلة بعد أن شوه منظرها لبعض الوقت بلونه الأحمر القانى،وجدت ملابسى وقد أصابتها الحمرة نظرا لجلوسى على كراسى هذا القطار وملامسة العمال والجلوس بجوارهم.

حاولت فى البداية أن أتفادى ذلك ولكنى فشلت فأستسلمت،أعطانى بعض زملاء أبى عملات معدنية على سبيل اﻹهداء، رفضت،أمرنى أبى أن أقبلها،ووضعتها فى جيبى شاكرا لهم.

هكذا أوصانى أبى أتمنع ثم أقبل بإشارة منه

تحتاجون إلى تذكير أبنائكم بما عليهم أن يفعلوه بين الحين والحين، اﻷطفال ينسون الوصايا أمام العملة واللعبة والحلوى !

ولكن لاشئ تشتريه فهذا القطار ليس كقطارات السفر به بياعين.

أخذت موقعى بجوار الشباك ولكن لاشئ تراه إلا الجبل الأحمر وكسارات الحجارة التى تطحن خام الحديد قبل نقله وغلاف من الأتربة الحمراء المستثارة والتى غلفت القطار لبعض الوقت.

لم يحاول أحد أن يجتنبها من طول ما إعتادوها ولذا معظم هؤلاء المساكين أصيبوا بتحجر رئوى أو تلف جزئى للرئتين.

تركت الغبارة بصماتها على وجهى وملابسى بقليل من الحمرة

إنطلق القطار فى الجبل، السرعة بطيئة ولكن ركوب الأشياء المتحركة شئ مبهج فالأطفال يحبون الحركة إن لم تحركهم لتحركوا فالطفل لايلزم الهدوء إلا فى السيارة أو القطار أو المراجيح!

هدأ قليلا عند مزلقان الكيلو 18 حيث تسكن نادية صديقتى وزميلتى فى الفصل أبوها خفير المزلقان ويسكنون فى غرفة بجواره.

وصلنا أخيرا كيلو 27 محطة النهاية

نزل العمال على سلالم القطار فلايوجد رصيف وركب عمال آخرون،المنجم يعمل ليل نهار والعمال الصاعدون كستهم الحمرة تماما أما العمال النازلون فهم أقل حمرة،على الأقل وجوههم.

أمى كانت تغسل ملابس أبى فى طشت منفصل!

دخلنا إلى شباك عليه لافتة مكتب الوقت وقع أبى فى سجل الحضور وذهبنا إلى المخازن حيث يعمل عمله فى هذا المنجم له قصة طويلة -قد يأتى يوما نحكيها-

أشار أبى إلى مواقع العمل السيارات الضخمة واللوادر كلها تثير الأتربة الحمراء عمل أبى يقع على ربوة بعيدة ،مخازن قطع غيار سيور ومواتير ورمان بلى وغيره.

تجولت وعرفت نظام العمل فى كل مكان أزوره وسط ترحيب القائمين عليه وكأنى شخصية هامة.

وأتى موعد الإفطار، رغيفان وقطعة جبن وقطعة حلاوة طحينية.

الكل أهدانى الحلاوة الطحينية،هنا الحلاوة طازة غير تلك التى يحضرها أبى ساحت فى الرغيف وأصبحت لزجة.

كنا نتسابق فى البيت عند وصول أبى أينا يخلع له حذاؤه وشرابه حتى ينال الجائزة.

ساندوتش الحلاوة، الحلاوة جميلة، ولكن الخبز مالح.

عرفت لماذا تخبز أمى فى البيت فهذا خبز لايطاق.

الخبز السئ يسئ إلى الإدام الجيد أما الخبز الجيد فيحسن الإدام الردئ حتى لوكان (مش)

ومرت الأيام والسنين وعدت إلى مدينتى زائرا ﻷتفقدها بعد أن إفتقدتها فوجدت الحمرة ولكنى لم أجد القطار ولا المنجم ولا المخازن ولا الكيلو 27.

مالم يتم خصخصته تم تدميره أعاذكم الله من مرارة اﻹنكسار.

شارك المقال: