إبداع
محمد رفعت
محمد رفعت

كاتب صحفي وأديب روائي

صاحب ” الأيام السبعة” المظلوم حيا وميتا

عبدالحكيم قاسم، الروائي المصري الموهوب، عاش حياة مليئة بالمنفى والسجن والتهميش، لكنه ترك إرثًا أدبيًا غنيًا تجاوز شهرة رواية "أيام الإنسان السبعة"، ليظل رمزًا للأديب المظلوم والثائر على الواقع.

مشاركة:
حجم الخط:

لم يتعرض أديب عربي، لما تعرض له الروائي الراحل عبدالحكيم قاسم من ظلم وتهميش وتجاهل حيا وميتا، لا لأنه كان ضعيفا أو مهادنا، بل على العكس، لأنه كان نبيلا أكثر مما يحتمل الواقع، وثائرا أكثر مما تسمح به الأنظمة القمعية.وُلد عبدالحكيم قاسم في قرية البندرة قرب طنطا، وانتقل في منتصف الخمسينات إلى القاهرة، حاملا معه روحه الريفية الصافية وإحساسه العميق بالإنسان البسيط.

بدايات الكتابة

بدأ الكتابة في منتصف الستينات، لكن حياته لم تسر في الطريق الهادئ الذي يستحقه كاتب موهوب، فقد سُجن أربع سنوات بسبب انتمائه إلى تنظيم يساري، وكانت تلك التجربة القاسية نقطة مفصلية في تكوينه الإنساني والإبداعي.

كان الرجل صاحب روح ثائرة لا تقبل المساومة، ونبل شديد جعله دائما في مواجهة مع الواقع، فدفع ثمن مواقفه غاليا.
عاش سنوات في برلين الشرقية من 1974 إلى 1985، في حالة أقرب إلى النفي القسري، بعيدا عن وطنه وقرائه، يعمل حارس أمن، مبتعدا عن القراءة والكتابة التي كانت حياته الحقيقية.
وكان ذلك ظلما قاسيا لكاتب كان من الممكن أن يضيف الكثير لو أُتيحت له الظروف الطبيعية.

وعندما رجع إلى القاهرة، عاد ككتلة لهب مشتعلة، كأنه يريد أن يعوض سنوات الغياب دفعة واحدة.
عاش خمس سنوات فقط بعد عودته، كتب خلالها كالمحموم، واندفع في الحياة الثقافية والفكرية بلا حساب.
لم يكن يعرف المهادنة، ولم يكن يجيد الصمت، فدخل في معارك كثيرة وجمع عداوات عديدة، لأنه كان صريحا إلى حد القسوة، ونبيلا إلى حد السذاجة.

رشح نفسه لعضوية البرلمان، محسنا الظن ببيئة لم تكن تحتمل مثاليته، فسقط في الانتخابات، وسقط بعدها صريع اليأس والإحباط والمرض، وكأن الحياة كانت تضيق عليه أكثر فأكثر، حتى رحل عام 1990، لتخسر مصر واحدا من أندر كتابها، رجلا لم يُمنح الفرصة الكافية لا للعيش ولا للكتابة.

أول مجموعة قصصية 

نشر “باسم”، أولى قصصه في مجلة الآداب البيروتية عام 1964، ثم جاءت روايته “أيام الإنسان السبعة” عام 1969 لتضع اسمه بقوة في حقل الإبداع الروائي المصري والعربي.
وحققت الرواية شهرة مدوية ورواجاً كبيراً، لكنها ظلمته بشكل آخر، إذ التصق اسمه بها طوال حياته وحتى بعد رحيله، وكأنها حجبت عن الأضواء أعمالا أخرى لا تقل عنها جمالا وعمقا.

فقد كتب عبدالحكيم قاسم، روايات أخرى مهمة لم تحظ بنفس شهرة ” أيام الإنسان السبعة”، مثل “قدر الغرف المقبضة”، وهي تجربة إنسانية عميقة مع المكان والذاكرة، تملك روحا عالمية واضحة، و”محاولة للخروج” التي تناولت الصدام بين الشرق والغرب من خلال علاقة حب بين مصري وألمانية، مقدما رؤية مختلفة وحساسة لذلك التوتر الحضاري.

كما كتب “المهدي” في ظل ظروف طائفية مضطربة، فنالت الرواية انتشارا واسعا، ربما بدوافع سياسية بقدر ما كان بدوافع فنية.

كتابات تغوص في الواقع 

وإلى جانب رواياته، ترك مجموعات قصصية عديدة مثل “الظنون والرؤى والأشواق”، و”الأسى”، و”ديوان الملحقات”، و”الهجرة لغير المألوف”، فضلا عن أعمال صدرت بعد رحيله. وكانت كتابته دائما غوصا عميقا في الواقع الحي، بكل تفاصيله وتجلياته الروحية، ممتزجة بثقافة شعبية ودينية في آن واحد.
حتى في عمله الصغير “طرف من خبر الآخر”، بدا خياله خصبا، وقدرته على التأويل لافتة، وهو يستلهم التراث بطريقته الخاصة.

المأساة ظلم السياسة

إن مأساة عبدالحكيم قاسم أنه كان أكبر من اللحظة التي عاش فيها. ظلمته السياسة حين ضيقت عليه، وظلمه المنفى حين سرق منه سنوات الإبداع، وظلمه الواقع الثقافي حين اختزل اسمه في عمل واحد، وظلمته مثاليته حين دفعته إلى معارك لم تجلب له إلا الخسارة.

لقد كان نبيلا إلى درجة جعلته يدفع ثمن نقائه، وثائرا إلى حد جعله دائما في مواجهة مع السائد.
هكذا عاش مهمشا رغم عبقرية موهبته، وهكذا رحل قبل أن يأخذ حقه من الاعتراف والتقدير، ليبقى واحدا من الأدباء الذين ظلموا أحياء، ثم استمر ظلمهم بعد الرحيل.

شارك المقال: