محمد الغمري يكتب: هدنة الأيام العشر في لبنان
ما يجري اليوم في لبنان، في ظل الحديث عن هدنة مؤقتة لمدة عشرة أيام، يكشف هذه الحقيقة بوضوح: نحن أمام حرب تُدار بمعادلات دقيقة، لكن خارجها تمامًا يقف الإنسان

معارك الدبابات في جنوب لبنان صورة تعبيرية
حرب تُدار بلا إنسان
في هذه الحرب، لا يُستبعد الإنسان فقط من القرار… بل من اللغة التي تصفها.
تتحول المأساة إلى أرقام، والخسارة إلى تقديرات، والحياة إلى “كلفة” قابلة للحساب.
وما يجري اليوم في لبنان، في ظل الحديث عن هدنة مؤقتة لمدة عشرة أيام، يكشف هذه الحقيقة بوضوح: نحن أمام حرب تُدار بمعادلات دقيقة، لكن خارجها تمامًا يقف الإنسان.
فإذا كان الإنسان خارج المعادلة… فمن تُدار هذه الحرب لأجله؟
هذه الهدنة لا تعني سلامًا، ولا حتى بداية له. إنها نتاج توازن قسري فرضته كلفة القتال دون أن ينتج عنه حسم. حين ترتفع الخسائر ولا يتحقق الانتصار، تضطر الأطراف إلى التوقف؛لا لأنها اقتنعت بالتسوية، بل لأنها لم تعد قادرة على الاستمرار بنفس الوتيرة.
د. محمد الغمري يكتب: هم الحرب البرية ضد إيران
د. محمد الغمري يكتب: ترامب “الكابوي” حين تتحول الأسطورة إلى ترند
د. محمد الغمري يكتب: اختبار لبنان
هكذا تتحول الهدنة إلى استراحة اضطرارية داخل مسار مفتوح، لا إلى نقطة نهاية له.
المشهد الميداني يعكس هذا التناقض بوضوح. تقدم عسكري دون حسم، وصمود دون تفوق. لا طرف قادر على إنهاء الحرب، ولا طرف مستعد للاعتراف بذلك، النتيجة حالة معلّقة، تُدار فيها العمليات والتفاهمات في آن واحد—تفاوض تحت النار، لا بعد توقفها.
غير أن الأهم من هذا كله هو الإطار الذي تُدار فيه الحرب. فلبنان لم يعد ساحة صراع محلية، بل عقدة ضمن شبكة أوسع من التوازنات الإقليمية والدولية.
الولايات المتحدة تدفع نحو التهدئة لا لإنهاء الحرب، بل لمنع توسعها. إيران تحافظ على مستوى محسوب من التصعيد يضمن استمرار نفوذها دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة.
أما الأطراف الأخرى، فتنخرط بدرجات مختلفة في ضبط الإيقاع، لا في تغيير النتيجة.
في هذه المعادلة، لا يُطرح السؤال:
كيف ينتهي الصراع؟ بل: كيف يمكن التحكم فيه؟ وهنا يغيب الإنسان مرة أخرى. لا يظهر كفاعل، بل كأثر جانبي.
القتلى يُحصَون، والنازحون يُقدَّرون، والدمار يُقاس، لكن لا شيء من ذلك يتحول إلى نقطة انطلاق لإعادة تعريف المسار.
النازح لا يظهر في الحسابات، بل في طابور انتظار لا يعرف أين ينتهي.
حتى في الداخل اللبناني، حيث يفترض أن يكون الإنسان أقرب إلى مركز القرار، تتعمق المفارقة. دولة ضعيفة، قرار منقسم، واقتصاد منهك—كلها عوامل تجعل المجتمع في موقع المتلقي، لا الفاعل.
وبينما تُدار الحرب في مستويات عليا، يجد الناس أنفسهم في الأسفل، حيث لا توجد معادلات، بل نتائج فقط. البيت لا يُختصر في “خسارة مادية”، بل في حياة كاملة انقطعت.
ورغم الكلفة الإنسانية الهائلة، لا يتحول هذا الواقع إلى قوة ضاغطة كافية لإنتاج تسوية. إنه يفرض تهدئة مؤقتة، لكنه لا يفرض سلامًا. فالخسارة، مهما ارتفعت، لا تكفي وحدها لتغيير المعادلة، ما لم تتغير الشروط التي تحكمها.
من هنا، تبدو هدنة الأيام العشر لحظة تعليق أكثر منها تحولًا. إنها تعبير عن عجز مزدوج: عجز الحرب عن الحسم، وعجز السياسة عن الاتفاق.
وبين هذين العجزين، يستمر الصراع في التحول من شكل إلى آخر، دون أن ينتهي
في النهاية، لا يُقاس ما يجري بما يُحقق من أهداف، بل بما يُفقد من بشر.
وطالما بقي الإنسان خارج المعادلة، فإن كل هدنة لن تكون إلا استراحة داخل حرب قابلة للتكرار—حرب لا تنتهي لأنها لم تبدأ أصلًا من الان، ولن تنتهي بدونه.






