علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
د. محمد الغمري
د. محمد الغمري

كاتب ومستشار قانوني

د,محمدالغمري يكتب: حين يصبح احترام الدستور إنجازًا تاريخيًا!!

إنها تحتاج إلى توسيع المجال العام، وضمان حرية المنافسة، وتمكين القوى السياسية من بناء حضور مستقل، وإقامة توازنات تجعل احترام الدستور مصلحة مؤسسية واجتماعية، لا مجرد اختيار شخصي.

مشاركة:
حجم الخط:

قراءة في منشور خالد يوسف عن بداية عهد السيسي ونهايته

في منشوره المعنون «بداية ونهاية عهد السيسي» يربط خالد يوسف بين لحظتين تفصل بينهما سنوات من التحولات السياسية.

في الأولى، يرى أن الرئيس انحاز إلى الشعب في ثورته على حكم الإخوان، فسجّل اسمه في صفحة مضيئة من التاريخ.

في الثانية، يحتفي بإعلانه الالتزام بالدستور وعدم الترشح مجددًا، معتبرًا أنه بذلك «أرسى وكرّس ونفّذ لأول مرة في التاريخ مبدأ التداول السلمي للسلطة عن طريق صناديق الاقتراع»

 بين اللحظتين يدافع عن مبادرة تأهيل القيادات السياسية، لكنه يرفض أن تتحول إلى شرط يحدد من يحق له الترشح لرئاسة الجمهورية.

تبدو المواقف الثلاثة متسقة في ظاهرها

فالرئيس الذي انحاز إلى إرادة الشعب في البداية، وفق رواية خالد يوسف، يحترمها في النهاية، ولا يمكن أن يقبل مصادرتها عند اختيار من يخلفه.

غير أن هذا الاتساق يقوم على افتراض يستحق المناقشة:

أن إرادة الرئيس تظل الضمانة الأساسية لاحترام إرادة الشعب، حتى حين يكون موضوع الحديث بناء نظام سياسي يُفترض أن تستقل قواعده عن إرادة أي رئيس.

ليس في الترحيب بإعلان احترام الدستور ما يستدعي الاعتراض.

والامتناع عن تعديل قواعد البقاء في السلطة، والالتزام بانتهاء الولاية في موعدها، خطوة إيجابية تستحق التقدير.

لكن خالد يوسف يتجاوز الترحيب إلى إصدار حكم تاريخي مكتمل على واقعة لم تحدث بعد.

فالتداول السلمي للسلطة لا يتحقق بمجرد الإعلان عن عدم الترشح، ولا يصبح واقعًا لأن الرئيس تعهد باحترام موعد انتهاء ولايته.

إنه عملية سياسية ومؤسسية لا يثبت تحققها إلا بانتقال فعلي للسلطة وفق قواعد مستقرة.

ووصفها بالديمقراطية يقتضي فوق ذلك منافسة حقيقية تسمح للناخبين بالاختيار بين بدائل قادرة على الوصول إلى الحكم.

الأمر لا يتعلق بتدقيق لغوي في عبارة عابرة، بل بطريقة فهم التاريخ السياسي نفسه

فحين يُنسب إلى رئيس أنه أرسى التداول السلمي للسلطة وكرّسه ونفّذه قبل وقوع الانتقال، تتحول النتيجة المنتظرة إلى إنجاز منجز، ويصبح الإعلان بديلًا عن الاختبار.

أما عبارة «لأول مرة في التاريخ» فتحتاج إلى تمييز بين صور انتقال السلطة التي عرفتها مصر:

– عرفت البلاد الخلافة بالوفاة أو الاغتيال، من عبد الناصر إلى السادات ثم من السادات إلى مبارك.

–  وعرفت تسليم رئيس مؤقت السلطة عام 2014.

– وعرفت عام 2012 انتقالًا من سلطة انتقالية إلى رئيس منتخب بعد منافسة مفتوحة.

لكنها لم تعرف بعد انتقال السلطة من رئيس منتخب إلى خلف منتخب عبر صناديق الاقتراع، وهذا بالضبط ما يجعل عبارة خالد يوسف صحيحة في مضمونها، خاطئة في زمنها.

فما يصفه بأنه أُنجز لأول مرة هو ما لم يقع بعد، ولن يكون «أول مرة» إلا إذا وقع.
ولفهم حدود هذا الحكم، لا يكفي النظر إلى بداية العهد ونهايته المرتقبة، بل ينبغي تأمل المسافة بينهما.

فقد أعادت أحداث عام 2013 تشكيل موازين القوة بين مؤسسات الدولة والقوى السياسية والمجتمع، ثم تعززت مركزية الرئاسة في بنية النظام السياسي.

وأُجريت الانتخابات البرلمانية في ظل نظام يجمع بين المقاعد الفردية والقائمة المغلقة المطلقة، وهو نظام تحصد فيه القائمة الفائزة جميع مقاعد دائرتها، فيُضعف قدرة الأحزاب الصغيرة والمستقلة على التمثيل والتأثير.

ولم يكن هذا المسار مجرد تعاقب لقرارات يمكن الاتفاق معها أو الاختلاف حولها، بل تغيرًا في الشروط التي تتكون داخلها البدائل السياسية وتتنافس على السلطة.

 ظهرت إحدى محطاته الدستورية الحاسمة في تعديلات عام 2019.

فقد مدّت هذه التعديلات مدة الرئاسة من أربع سنوات إلى ست، وأضافت حكمًا انتقاليًا مدّ الولاية الجارية آنذاك لتنتهي عام 2024 بدلًا من 2022، وأتاح للرئيس القائم إعادة انتخابه مرة تالية.

فعام 2030، الذي يجري الاحتفاء به اليوم بوصفه نهاية مقررة للعهد، هو حصيلة إطالة ولاية قائمة وفتح ولاية جديدة معًا.

اللافت أن خالد يوسف نفسه كان قد أعلن آنذاك رفضه لهذه التعديلات ولمدّ فترات الرئاسة.

قد يُقرأ موقفه الحالي استمرارًا لذلك الرفض، أي احتفاءً بالتزام حدٍّ كان يطالب به.

لكنه يكشف في الوقت نفسه كيف يمكن أن يتحول موعد أنتجه مسار عارضه إلى علامة على إنجاز تأسيسي.

ولا ينتقص ذلك من أهمية الالتزام بالموعد القائم، لكنه يفرض قراءة الإعلان في سياقه، لا بوصفه حدثًا مستقلًا عن القواعد التي أنتجت هذا الموعد.

ومن هنا يصبح السؤال أكثر تحديدًا: هل أفضت السنوات الممتدة بين بداية العهد ونهايته المرتقبة إلى بناء مؤسسات وقوى سياسية تستطيع ضمان انتقال السلطة دون أن يتوقف ذلك على إرادة الرئيس؟

وهل أصبحت الأحزاب قادرة على إنتاج بدائل حقيقية للحكم والمنافسة على الوصول إليه؟

أم أن مركز الثقل السياسي ما زال مستقرًا في المؤسسة التي يُفترض أن تنتقل السلطة منها إلى غيرها؟

تزداد أهمية هذه الأسئلة عند الانتقال إلى الجزء الثاني من المنشور، المتعلق بمبادرة تأهيل القيادات.

فخالد يوسف يعتبر المبادرة خطوة موفقة، ويرى أن من حق الرئيس أن يسعى إلى إعداد كوادر قادرة على إدارة الدولة.

لكنه يتحفظ على احتمال أن يصبح اجتياز برامج التأهيل شرطًا للترشح للرئاسة، ويصف هذا الاحتمال بأنه اعتداء على الديمقراطية وحق الشعب في الاختيار.

وهو في ذلك يضع يده على مسألة دستورية جوهرية:

لا يجوز تحويل التأهيل الذي تنظمه السلطة إلى وسيلة لاحتكار الأهلية السياسية، أو لمصادرة حق المواطنين في المنافسة وفق الشروط الدستورية والقانونية المشروعة.

 المفارقة تظهر في الطريقة التي يبدد بها هذا التخوف

فهو يقول إنه لا يدعي معرفة نية الرئيس، ثم يجزم بأنه «لا يمكن أن يقصد الرئيس أبدًا أن يحدث ذلك» لأنه يدرك خطورته على الديمقراطية.

وهكذا ينتقل من التحفظ على احتمال الوصاية إلى استبعاده، اعتمادًا على حسن إدراك الرئيس ونواياه، لا على نص قانوني محدد أو ضمانة مؤسسية تحول دون وقوعه.

لا تكمن المشكلة في حسن الظن بالرئيس، فهو موقف شخصي مشروع، وإنما في اتخاذ هذا الظن أساسًا للاطمئنان إلى حق دستوري.

فالحقوق السياسية لا تستمد ضمانتها من اقتناع الحاكم بعدالة ممارستها.

ضمانتها قواعد ملزمة، ومؤسسات قادرة على حمايتها، وقوى اجتماعية وسياسية تستطيع الدفاع عنها إذا تعرضت للانتقاص.

وقد يكون الرئيس مقتنعًا تمامًا بحرية الاختيار، لكن اقتناعه لا يغني عن الضمانات التي تجعل هذه الحرية مستقلة عن قناعته.

يستدعي خالد يوسف في هذا السياق نموذج هيئة تشخيص مصلحة النظام الإيرانية، محذرًا من تحويل جهة ما إلى وصي على حق الشعب في اختيار رئيسه.

والتحذير في محله، وإن كانت الجهة التي تفحص أهلية المرشحين في إيران هي مجلس صيانة الدستور، لا هيئة تشخيص المصلحة.

الفكرة تبقى قائمة في الحالين: لا ينبغي لأي مؤسسة، مهما كانت مكانتها، أن تنفرد بمنح المواطنين حق الدخول في المنافسة السياسية.

 هذه الفكرة نفسها تفتح سؤالًا أوسع مما يطرحه المنشور

فحرية الشعب في الاختيار لا تبدأ يوم الاقتراع، ولا تقتصر على عدم فرض شهادة تأهيل على المرشحين.

إنها تبدأ قبل ذلك بسنوات، حين تُتاح للأحزاب حرية التنظيم والعمل، وللقوى السياسية فرص التواصل مع المجتمع، وللمواطنين إمكان تكوين البدائل واختبار برامجها ومساءلة أصحابها.

فإذا ضاقت هذه المساحات، لم يعد الإبقاء على حق الترشح من الناحية القانونية كافيًا لضمان منافسة متكافئة من الناحية السياسية.

ومن هذه الزاوية، لا تكون المسألة الحاسمة جواز إنشاء برامج لتأهيل القيادات، فذلك أمر قد يسهم في تطوير الإدارة العامة وإعداد الكفاءات.

المسألة الحاسمة هي طبيعة العلاقة بين هذه البرامج والمجال السياسي.

هل تفتح مسارات إضافية لاكتساب الخبرة دون تمييز، أم تمنح خريجيها أفضلية مؤسسية في الوصول إلى مواقع الحكم؟

وهل تبقى الأحزاب والجامعات والنقابات والمؤسسات المدنية قادرة على إنتاج قياداتها باستقلال، أم تصبح السلطة التنفيذية الطرف الأبرز في تشكيل النخبة التي يُفترض أن تتنافس على توليها؟

ولا يجوز استباق الإجابة عن هذه الأسئلة قبل معرفة مضمون أي تنظيم تشريعي مقترح.

لكن طرحها ضروري، لأن الفرق بين إعداد الكوادر وإعداد البدائل السياسية ليس فرقًا شكليًا.

فالكفاءة الإدارية تُنمّى بالتعليم والتدريب.

أما الشرعية السياسية فتتكون من علاقة المرشح بالمجتمع، وقدرته على تمثيل مصالحه، وتقديم برنامج للحكم، والحصول على ثقته عبر منافسة مفتوحة.

هكذا يرفض خالد يوسف أن يُعامَل الشعب قاصرًا يحتاج إلى من يحدد له المؤهلين لحكمه، ثم يعود فيُحيط حقه في الاختيار بضمانة شخصية

وهذه ليست مفارقة تخصه وحده، بل تكشف عن مشكلة أوسع في جانب من التفكير السياسي المصري.

فهو تفكير يدافع عن المبادئ الدستورية بلغة الثقة في الحاكم، ويحتفي باستقلال المؤسسات من خلال الإشادة بقرارات السلطة التي يُفترض أن تستقل عنها.

وهي طريقة في النظر تجعل الإصلاح ممكنًا بفضل إرادة الرئيس، لكنها لا تطرح بالوضوح نفسه كيف تستمر قواعد الإصلاح إذا تغيرت هذه الإرادة أو تغير صاحبها، لا يعني هذا أن نهاية العهد محكومة سلفًا بإعادة إنتاج بنيته السياسية.

فموازين القوة ليست ثابتة، والمؤسسات لا تتحرك دائمًا وفق إرادة واحدة، وقد تفتح لحظة الانتقال إمكانات لإعادة ترتيب العلاقة بين الدولة والمجتمع.

لكن هذه الإمكانات لا تتحول إلى واقع بمجرد الإعلان عنها. إنها تحتاج إلى توسيع المجال العام، وضمان حرية المنافسة، وتمكين القوى السياسية من بناء حضور مستقل، وإقامة توازنات تجعل احترام الدستور مصلحة مؤسسية واجتماعية، لا مجرد اختيار شخصي.

ولذلك لا يستقيم الحكم التاريخي على أي عهد بالمقارنة بين صورته الأولى وصورته الأخيرة، ولا بتقسيم قراراته إلى ما يستحق التأييد وما يستوجب المعارضة.

الأهم هو ما أحدثه في توزيع القوة، وفي قدرة المؤسسات على العمل باستقلال، وفي إمكانات المجتمع للمشاركة والمساءلة وتغيير من يحكمه.

لقد اختار خالد يوسف أن يقرأ عهد السيسي من بدايته إلى نهايته

لكن المسافة بين اللحظتين هي بالضبط ما يستحق الحكم التاريخي.

ففيها تشكلت موازين القوة، وتحددت مواقع المؤسسات، واتسعت أو ضاقت فرص المشاركة، وتكونت الشروط التي سيجري في ظلها اختيار الرئيس القادم.

يمكن الترحيب بإعلان احترام الدستور، وتقدير الالتزام بموعد انتهاء الولاية، والدفاع عن حق الدولة في تأهيل كوادرها.

لكن شيئًا من ذلك لا يبرر إعلان تحقق التداول الديمقراطي قبل وقوعه، ولا يجعل حسن الظن بالرئيس بديلًا عن الضمانات التي تحمي حق الشعب في الاختيار.

فالسؤال الذي ينبغي أن يسبق الاحتفاء بنهاية أي عهد ليس ما إذا كان الرئيس قد قرر أن يترك السلطة، بل ما إذا كانت الدولة قد أصبحت قادرة على تداولها دون أن يتوقف ذلك على إرادته.

والفارق بين نهاية حكم وبداية تداول ديمقراطي للسلطة هو الفارق بين تغير من يحكم، وتغير القواعد التي يُحكم بها.

شارك المقال:

شاركنا برأيك