علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
د. فاروق شرف
د. فاروق شرف

إستشاري وخبير ترميم الاثار والمنشآت التاريخية.

د. فاروق شرف يكتب: مصر… حيث يصنع الإنسانُ أثرًا لا يموت (9) محمود مختار

لم يكن الطفل يعرف يومها أن تلك القطعة الصغيرة من الطين ستكون أول الطريق إلى ثورة فنية ستغير وجه النحت المصري الحديث.

مشاركة:
حجم الخط:

شخصيات صنعت العلم، وشيدت العمارة، وحفظت التاريخ، وصانت التراث، وأثرت في الثقافة المصرية والعالمية .

محمود مختار… حين نحت المصري روح مصر في الحجر.
تخيلوا معي…
طفلًا صغيرًا يجلس بالقرب من ترعة في قرية مصرية، يمسك قطعة من الطين، ويحاول أن يصنع منها ما تراه عيناه:
إنسانًا… حيوانًا… شجرة…
أو مشهدًا من الحياة التي تحيط به.
لم يكن الطفل يعرف يومها أن تلك القطعة الصغيرة من الطين ستكون أول الطريق إلى ثورة فنية ستغير وجه النحت المصري الحديث.
ولم يكن يعرف أن الإزميل الذي سيحمله بعد سنوات…
سيجعل من الحجر نفسه لغةً تتحدث بها مصر.
كان اسمه:
محمود مختار.

البداية… من قرية صغيرة

وُلد محمود مختار في 10 مايو 1891 بقرية طنبارة في المحلة الكبرى، وكان والده إبراهيم العيساوي عمدة القرية.
عاش في طفولته مع جدته لأمه في قرية نشا بالمنصورة، حيث كان يقضي وقتًا طويلًا في تشكيل الطين وتصوير المشاهد التي يراها حوله.

 وهنا ربما نجد أول مفتاح لشخصيته.
فالفنان لم يبدأ من قاعات المتاحف…
ولا من الكتب…
ولا من الأكاديميات الأوروبية.
بدأ من:
الطين المصري.
– من الأرض. – من الترعة. – من القرية.
– من الإنسان الذي يعيش حوله.
– ومن الطبيعة التي كانت أول مدرسة له.
القاهرة… واللقاء مع مدينة مختلفة.

في عام 1902 انتقل محمود مختار مع أسرته إلى القاهرة، وعاش في أحيائها القديمة.
وهنا اتسعت الصورة أمام عينيه.
لم تعد القرية وحدها هي العالم.
أصبح أمامه:
القاهرة القديمة… مساجدها… قبابها… شوارعها…
أسواقها… الناس في حركتهم اليومية…
والأهم:
آثار مصر القديمة.
وهنا بدأ شيء يتشكل داخله.
لم يكن يعرف بعد كيف سيعبّر عنه.
لكن مصر القديمة بدأت تدخل في وجدانه.

مدرسة الفنون الجميلة

عندما افتتحت مدرسة الفنون الجميلة في القاهرة، التحق بها محمود مختار وهو في السابعة عشرة من عمره.
وكان ذلك عام 1908 وهذه اللحظة مهمة جدًا في تاريخ الفن المصري.
لأن مصر كانت تدخل مرحلة جديدة:
– مدرسة حديثة للفنون…
– وفنان مصري شاب…
يبحث عن لغة فنية جديدة.
كان أمامه الفن الأوروبي الحديث.
وفي الوقت نفسه كان أمامه ميراث مصر القديمة.
فماذا سيفعل؟
هل يقلد الغرب؟
أم يعود إلى الماضي؟
أم يبحث عن طريق ثالث؟

الطريق الثالث
وهنا تكمن عبقرية مختار.
لم يقل:
سأعيد الفن المصري القديم كما كان.
ولم يقل:
سأقلد النحت الأوروبي.
بل بدأ يبحث عن:
فن مصري حديث… له جذور مصرية.
وهذه الفكرة ستصبح جوهر تجربته كلها.
وتصفه المصادر الرسمية بأنه من أهم رواد النحت المصري الحديث، وأن منهجه قام على تلخيص الفكرة الأساسية للتشكيل، بحيث لا يصبح النحت مجرد نقل حرفي للشكل، بل تعبيرًا مكثفًا عن الفكرة والشخصية والمشهد.
وهذه نقطة شديدة الأهمية.

فمختار لم يكن يريد أن يصنع:
نسخة من الواقع.
كان يريد أن يصنع:
جوهر الواقع.

باريس… عندما خرج الفن المصري إلى العالم

في عام 1911 سافر مختار إلى باريس.
وهناك التحق بمدرسة الفنون الجميلة، ودرس على يد النحاتين الفرنسيين، ومن بينهم جول فيليكس كوتان وأنطونان مرسييه بحسب المصادر المصرية.
وهنا دخل الشاب المصري إلى قلب الفن الأوروبي.
متاحف… صالات عرض… نقاد… فنانون…
ومدارس فنية متنافسة.
وكان أمامه تحدٍ صعب:
كيف يكون مصريًا في باريس دون أن يصبح نسخة من باريس؟
وكانت الإجابة التي بدأ يصنعها بإزميله:
– مصر.
– «عايدة»… أول نافذة
في عام 1913 عرض مختار تمثال «عايدة» في صالون باريس، مستلهمًا شخصية عايدة المرتبطة بأوبرا فيردي الشهيرة. وتذكر المصادر الرسمية أن هذا العمل كان من أوائل الأعمال المصرية التي عرضت في أوروبا في ذلك السياق.
وهنا بدأ النقاد يلاحظون هذا الفنان القادم من مصر.
لم يعد مجرد طالب.
بدأ يصبح:
فنانًا له صوت.
ثم جاءت اللحظة الكبرى…
عاد اسم مصر إلى واجهة الفن العالمي من خلال عمل سيصبح لاحقًا رمزًا يتجاوز حدود الفن:
نهضة مصر.
لكن قبل أن نتحدث عن التمثال…
علينا أن نتحدث عن:
مصر نفسها.
1919…
مصر تغلي.
ثورة… مظاهرات… مطالبة بالاستقلال…
نساء يخرجن إلى الشوارع… رجال يطالبون بالحرية… وفلاحون وطلاب وعمال يشاركون في حركة وطنية واسعة.
كان مختار بعيدًا عن مصر في باريس.
لكنه كان يعيش مصر في داخله.
وفي تلك اللحظة بدأ يرى صورة.
امرأة مصرية… وفلاح مصري…وأبو الهول…
ويد تمتد إلى المستقبل.
ومن هذه الصورة ولدت:
نهضة مصر.
ماذا رأى مختار؟
لم يرَ تمثالًا فقط.
رأى:
مصر القديمة…
تلتقي مع:
مصر الحديثة.
أبو الهول… والمرأة المصرية… والفلاح…
والحركة إلى الأمام.
وهذه ليست مصادفة شكلية.
بل فكرة فنية ووطنية.
مصر لا تبدأ من الصفر.
هي تستمد قوتها من تاريخها…
لكنها تتحرك إلى المستقبل.

 «نهضة مصر»… ليست مجرد تمثال

عندما قدم مختار نموذجًا مصغرًا للعمل في باريس، لقي إعجابًا من النقاد، وتذكر المصادر الرسمية أنه عُرض في معرض الفنانين الفرنسيين وحصل مختار على الميدالية الذهبية.
وكانت المفاجأة:
فنان مصري…
في باريس…
يقدم عملاً يستمد لغته من مصر.
ولم يكن النجاح لأنه «مصري» فقط.
بل لأن العمل استطاع أن يقدم:
فكرة قوية… تكوينًا واضحًا… لغة نحتية حديثة…
مع حضور واضح للهوية المصرية.
لكن ماذا كانت قصة التمثال في مصر؟
عاد العمل إلى الواجهة المصرية بقوة.
وتحول مشروع «نهضة مصر» إلى رمز وطني.
وأقيم التمثال الكبير في القاهرة، ليصبح أحد أشهر الأعمال الفنية والنحتية في تاريخ مصر الحديث.
وهنا حدث أمر نادر:
– تحول العمل الفني إلى رمز وطني.
– لم يعد ملكًا للفنان وحده.
– أصبح ملكًا للذاكرة المصرية.

تمثال نهضة مصر
تمثال نهضة مصر

الفلاحة…
هنا يجب أن نتوقف.
لأن وجود المرأة المصرية في أعمال مختار ليس تفصيلًا.
الفلاحة عنده ليست مجرد امرأة ترتدي زيًا ريفيًا.
إنها:
مصر نفسها.
امرأة تقف بثبات… تتحرك… تحمل… تنتظر…
وتواجه الحياة.
ولهذا أصبحت المرأة المصرية والفلاحة تحديدًا من أهم الرموز في عالم مختار الفني.

وماذا عن الفلاح؟
الفلاح أيضًا حاضر بقوة.
وهذا طبيعي لفنان بدأ طفولته في الريف.
فهو لم يكن يرسم «الفلاح» من كتاب.
لقد عاش عالمه.
رأى: يده… جسده… حركته… تعبه… وقوفه…
وصمته.
ولهذا جاءت شخصياته الريفية محملة بإحساس إنساني قوي.
مختار لم يقلد المصري القديم
وهنا يجب أن نكون دقيقين.
عندما نقول إن مختار استلهم الفن المصري القديم، فهذا لا يعني أنه نسخ التماثيل الفرعونية.
بل استفاد من:
الاختزال… الهدوء… قوة الكتلة… وضوح الخطوط… الارتباط بالأرض والإنسان…
ثم أعاد صياغة هذه العناصر بلغة حديثة.
وهذه هي قيمة تجربته.

مدرسة مصرية في النحت
لم يكن طموح مختار أن يكون:
«نحاتًا مصريًا ناجحًا».
كان يريد أن يكون هناك:
فن مصري حديث.
أي أن يأتي بعده فنانون مصريون يستطيعون أن يقولوا:
نحن لا نقلد أوروبا…
ولا نعيش أسرى للماضي…
بل نستطيع أن نصنع فنًا حديثًا له شخصيتنا.
ولهذا اعتبره مؤرخو الفن من أهم رواد النحت المصري الحديث.
لم يكن طريقه سهلًا
هناك صورة رومانسية أحيانًا عن الفنان العبقري:
يولد… ينجح… يشتهر… ثم يصبح أسطورة.
لكن حياة مختار كانت أكثر صعوبة.
كان عليه أن يثبت نفسه في بيئة فنية حديثة لم تكن قد استقرت مؤسساتها بالكامل.
وكان عليه أن يواجه: نظرة المجتمع للفن…
صعوبة الخامات… قلة المؤسسات…والمنافسة الأوروبية.
ومع ذلك استمر.

مختار والمؤسسة الفنية المصرية

لم يكن مختار فنانًا منعزلًا.
تذكر المصادر الرسمية مساهمته في إنشاء مدرسة الفنون الجميلة العليا، ومشاركته في إيفاد البعثات الفنية إلى الخارج، إضافة إلى مشاركاته في المعارض الدولية.
وهنا يظهر وجه آخر من شخصيته:
لم يكن يريد أن ينجح وحده.
كان يريد أن يكون للفن المصري:
مؤسسة… وتعليم… وبعثات… وأجيال جديدة.

باريس مرة أخرى…

في عام 1930 أقام مختار معرضًا خاصًا لأعماله في باريس، وتذكر المصادر الرسمية أنه عرض نحو أربعين تمثالًا، وأن المعرض أسهم في التعريف بالفن المصري الحديث لدى النقاد والجمهور هناك.
تخيلوا المشهد:
فنان مصري…
يعود إلى باريس…
ليس كطالب هذه المرة.
بل:
كفنان يقدم مدرسة.
وهذه لحظة فارقة.

من «نهضة مصر» إلى الإنسان

لو تأملنا قائمة أعماله نجد عناوين تكشف عن عالمه:
الفلاحة… الحزن… المتسول… الأمومة…
نحو الحبيب… مناجاة… العدالة… الإرادة…
الخماسين…
وهذه الأسماء وحدها تكشف أن مختار لم يكن منشغلًا بالملوك والأبطال فقط.
كان منشغلًا:
– بالإنسان.
– الأمومة
من أجمل موضوعات مختار.
الأمومة عنده ليست مجرد مشهد عاطفي.
بل حالة إنسانية.
الاحتضان… الحماية… الخوف…والحنان.
وكان قادرًا على التعبير عن ذلك دون الحاجة إلى تفاصيل كثيرة.
وهنا نعود إلى فكرته الأساسية:
تلخيص الفكرة.
قطعة من الحجر…
لكنها تحمل إحساسًا كاملًا.

«الحزن»

عنوان بسيط.
لكن مختار كان يعرف أن الحزن لا يحتاج إلى صراخ.
قد يكفي:
انحناء الرأس… ثقل الجسد… انغلاق الحركة…
حتى يشعر المشاهد بما في داخل الشخصية.
وهنا تظهر عبقرية النحات:
كيف تجعل الحجر يشعر؟

«الخماسين»

وهنا نرى مصر أخرى.
مصر الرياح الساخنة… والغبار…والبيئة الصحراوية… والإنسان الذي يقاوم الطبيعة.
إنه ليس نحتًا للإنسان فقط.
بل:
نحت للبيئة المصرية.
لماذا بقي مختار؟
لأن أعماله لم تكن صورًا لأشخاص انتهت حياتهم.
كانت تحمل أفكارًا:
الوطن… الأمومة… الفقر… العمل… الحزن…
الإرادة… النهضة.
والأفكار لا تموت بسهولة.

مختار والمرأة المصرية

من اللافت جدًا في تجربته أنه أعطى المرأة المصرية حضورًا قويًا في الفن العام.
وفي «نهضة مصر» تحديدًا لم تكن المرأة عنصرًا ثانويًا.
بل تقف في مركز الفكرة.
وهذا يحمل دلالة مهمة:
النهضة ليست مشروع الرجال وحدهم.
بل المرأة جزء من صورة الوطن.
ولكن هل كان مختار سياسيًا؟
الأدق أن نقول:
كان فنانًا ذا حس وطني واضح، وتأثرت أعماله بالمناخ الوطني المصري، خصوصًا في أعقاب ثورة 1919.
لكن لا ينبغي تحويل كل أعماله إلى «منشورات سياسية».
فالفن عنده أوسع.
الوطنية كانت أحد مكوناته…
وليست كل مكوناته.

المرض والزمن القصير

وهنا تأتي المفارقة المؤلمة.
الرجل الذي كان يفتح أبوابًا جديدة للفن المصري…
لم يعش طويلًا.
توفي محمود مختار في مارس 1934، ولم يتجاوز الثالثة والأربعين من عمره. وتثبت المصادر الرسمية المصرية سنة وفاته في 1934.
43 عامًا فقط!

تخيلوا:
ماذا كان يمكن أن يقدم لو امتد به العمر عشرين سنة أخرى؟
لكن التاريخ لا يقاس دائمًا بعدد السنوات.
أحيانًا:
يُقاس بما فعلته السنوات القليلة.
وبعد رحيله…
كان يمكن أن تتفرق أعماله.
أن تضيع…
أن تنتقل إلى مجموعات خاصة…
أو أن تتعرض للإهمال.
لكن أسرته اتخذت قرارًا بالغ الأهمية.
تنازلت عن أعماله الفنية للدولة، بشرط إقامة متحف خاص بها.
وافتتحت الدولة متحف محمود مختار عام 1962 في الجزيرة، تخليدًا لذكراه وحفظًا لأعماله.
واليوم يضم المتحف مجموعة كبيرة من أعماله، إلى جانب أدواته ووثائق وصور نادرة والجوائز والأوسمة التي حصل عليها. وتذكر وزارة الثقافة أن المتحف يضم 175 عملًا من أعماله.
وهذا المتحف ليس مجرد مكان لعرض التماثيل.
إنه:
ذاكرة فنان.

لماذا متحف مختار مهم؟

لأننا عندما ندخل إليه لا نرى الحجر فقط.
نرى:
– كيف فكر الفنان…
– كيف عمل…
– ما الأدوات التي استخدمها…
– كيف تطورت أعماله…
– وكيف انتقل من الطين إلى الرخام والبرونز.
والأجمل:
أننا نرى كيف بدأت مصر الحديثة تبحث عن صورتها الفنية.

متحف محمود مختار

مختار والعالم

لم يكن أثره محليًا فقط.
مشاركاته في باريس ومعارضه الدولية جعلت اسمه حاضرًا في الوسط الفني الأوروبي، وخصوصًا في فرنسا.
وفي معرضه الباريسي عام 1930 قدم مجموعة واسعة من أعماله أمام جمهور ونقاد أوروبيين.
وهذا يعني أن الفن المصري الحديث لم يكن في ذلك الوقت مجرد تجربة داخلية.
بل كان:
يحاول أن يدخل الحوار العالمي.
وهنا السؤال…
لماذا نجح مختار؟
لأن العالم لم يرَ في أعماله:
«نسخة مصرية من الفن الأوروبي».
بل رأى:
صوتًا مصريًا.
وهذه نقطة بالغة الأهمية لكل فنان.
العالم لا يحتاج منك أن تكون نسخة منه.
العالم يريد أن يسمع:
صوتك أنت.

محمود مختار… وأثره الحقيقي

لو أردنا أن نحصر أثره في كلمات قليلة:
– أسس لمدرسة مصرية حديثة في النحت.
– ربط الفن الحديث بجذور مصرية.
– قدم الإنسان المصري موضوعًا أساسيًا للفن.
– جعل «نهضة مصر» رمزًا وطنيًا وفنيًا.
-:شارك في بناء المؤسسات التعليمية الفنية.
– وصل بالفن المصري إلى المعارض الأوروبية.
– وترك تراثًا محفوظًا في متحف يحمل اسمه.
-:وهذا ليس قليلًا بالنسبة إلى حياة قصيرة.

ولكن هناك شيء أجمل…
مختار لم ينحت مصر كما كانت فقط.
بل نحت:
مصر التي أراد أن تراها نفسها.
مصر الفلاحة… مصر الفلاح… مصر الأم…
مصر العامل… مصر الحزن… مصر الإرادة…
مصر النهضة.
ولهذا أصبحت أعماله جزءًا من الذاكرة البصرية للمصريين. 

شارك المقال:

شاركنا برأيك