د. أيمن خالد يكتب: من يستطيع تغيير مسار الحرب بين إيران والولايات المتحدة؟
.قد تكون الولايات المتحدة قادرة على الانتصار عسكريًا في إيران، لكنها قد تدفع ثمنًا استراتيجيًا في أماكن أخرى.

صورة تعبيرية للمقال
المعركة التي لا تحتاج فيها طهران إلى هزيمة واشنطن
إذا قررت الولايات المتحدة خوض حرب واسعة على إيران، فالسؤال التقليدي سيكون: هل تستطيع إيران مواجهة القوة العسكرية الأمريكية؟
لكن هذا ليس السؤال الأكثر أهمية.
السؤال الحقيقي هو:
هل تستطيع أي قوة أن تمنع الولايات المتحدة من تحويل تفوقها العسكري الهائل إلى نصر سياسي واستراتيجي؟
الإجابة تحتاج إلى التمييز بين أمرين مختلفين: القدرة على خوض الحرب، والقدرة على تغيير مسارها.
الولايات المتحدة تملك التفوق العسكري الأكبر، وتستطيع ضرب أهداف إيرانية بعيدة وعميقة، وتدمير جزء كبير من البنية العسكرية والصاروخية الإيرانية. لكن التفوق في الضربة الأولى لا يعني بالضرورة القدرة على فرض نهاية الحرب بالشروط الأمريكية.
وهنا تبدأ أهمية إيران نفسها، ثم الصين وروسيا، ثم العامل الذي قد يكون أخطر من الجميع: الاقتصاد العالمي.
الحرب الأمريكية على إيران، التي بدأت في فبراير 2026، لم تتحول إلى مواجهة قصيرة كما كان متوقعًا في بدايتها.
وبعد خمسة أشهر من القتال، ظهرت مؤشرات على أن طول الحرب بدأ يفرض كلفة على الولايات المتحدة نفسها.
فقد أفادت رويترز في 4 أغسطس بأن الجيش الأمريكي استهلك تقريبًا كامل مخزونه العالمي من صواريخ ATACMS وPrSM بعيدة المدى، كما استُهلكت نسبة كبيرة من صواريخ باتريوت وTHAAD ونحو نصف مخزون توماهوك وفق مصادر مطلعة.
وهذه ليست مجرد مشكلة لوجستية.
إنها مشكلة استراتيجية.
لأن السلاح الذي تطلقه الولايات المتحدة على إيران اليوم هو نفسه جزء من القدرة التي تحتاجها غدًا لردع روسيا أو مواجهة الصين أو التعامل مع أزمة أخرى في أوروبا أو آسيا.
بمعنى آخر: كلما طالت الحرب، لم يعد السؤال فقط كم صاروخًا تستطيع أمريكا إطلاقه على إيران، بل كم تبقى لديها من القدرة على خوض حرب أخرى إذا اضطر العالم إليها.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط الضعف في الحرب الطويلة.
إيران لا تحتاج إلى هزيمة الولايات المتحدة عسكريًا حتى تغير مسار الحرب.
يكفي أن تمنع واشنطن من تحقيق أهدافها بسرعة.
يمكن لطهران أن تستخدم الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتضرب القواعد والمنشآت والمصالح الأمريكية في المنطقة، وتضغط على الملاحة والطاقة، وتفتح مساحات جديدة للاستنزاف.
وإذا استطاعت إيران أن تجعل الحرب تنتقل من نموذج “حملة جوية أمريكية قصيرة” إلى نموذج “حرب استنزاف إقليمية مفتوحة”، فإن ميزان القوة يبدأ في التغير.
فالقوة الأمريكية مصممة بصورة هائلة للحسم السريع والدقيق، لكنها ليست محصنة من كلفة الحرب الطويلة.
د. أيمن خالد يكتب: حرب المسارات وليست حرب النفط
وهنا يأتي مضيق هرمز.
المضيق ليس مجرد ممر بحري بين إيران وسلطنة عمان. إنه أحد مفاتيح الاقتصاد العالمي.
وقبل الحرب كانت تمر عبره نسبة ضخمة من تجارة النفط والمنتجات النفطية العالمية.
ومع اضطراب حركة الملاحة خلال الحرب، لم تعد القضية أمريكية–إيرانية فقط، بل تحولت إلى مشكلة طاقة وأسعار وشحن وتأمين وسلاسل إمداد.
وفي أغسطس 2026، أظهرت التطورات أن إعادة فتح المضيق ما زالت مرتبطة بمفاوضات وشروط سياسية وأمنية معقدة، بينما ارتفعت أسعار النفط مجددًا مع تراجع الآمال بإعادة فتحه بصورة مستقرة. (Reuters)
وهنا تصبح إيران قادرة على استخدام الجغرافيا كأداة استراتيجية.
قد لا تستطيع إيران السيطرة على النظام العسكري الأمريكي، لكنها تستطيع التأثير في البيئة الاقتصادية التي تعمل فيها الولايات المتحدة وحلفاؤها.
وهذا فرق هائل.
ثم تأتي الصين.
الصين ليست بحاجة إلى إرسال جيش إلى الخليج حتى تغير مسار الحرب. يكفي أن تتحول إلى عامل امتصاص للصدمة الاقتصادية.
وهذا بدأ يظهر بالفعل.
فمع اضطراب تدفقات النفط عبر مضيق هرمز، أصبحت الصين عنصرًا مهمًا في موازنة الطلب الآسيوي على النفط، واستفادت من مخزوناتها وقدرتها على إدارة الطلب والاستيراد. ووفق رويترز، لعبت الصين خلال شهري يونيو ويوليو دورًا أساسيًا في امتصاص أثر انخفاض الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط.
لكن أهمية الصين لا تتوقف عند النفط.
الصين تستطيع دعم إيران سياسيًا واقتصاديًا وتقنيًا، وتوفير مساحة أوسع للمناورة الدبلوماسية، وربما تقديم أشكال من الدعم الاستخباري أو التقني دون أن تدخل مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة.
وهذا هو السيناريو الأكثر عقلانية بالنسبة لبكين.
الصين لا تحتاج إلى خوض حرب من أجل إيران.
يكفيها ألا تسمح للولايات المتحدة بأن تحول الحرب إلى انتصار استراتيجي كامل.
أما روسيا، فدورها مختلف.
روسيا تملك قدرة عسكرية وتقنية واستخبارية يمكن أن تجعل الحرب أكثر تعقيدًا، لكنها لا تبدو راغبة في تحويل المواجهة إلى حرب روسية–أمريكية مباشرة.
لذلك فإن القيمة الروسية قد تكون في المعلومات، والتقنيات، والدعم العسكري غير المباشر، والحرب الإلكترونية، والدفاع الجوي، والضغط السياسي داخل النظام الدولي.
وموسكو، مثل بكين، تراقب الحرب باعتبارها تجربة استراتيجية أمريكية مفتوحة.
كل صاروخ أمريكي يُستهلك في إيران، وكل منظومة دفاع جوي تُستنزف، وكل قاعدة أمريكية تتعرض للضغط، وكل أسبوع إضافي من الحرب، يقدم للصين وروسيا معلومات ثمينة عن حدود القوة الأمريكية.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى.
قد تكون الولايات المتحدة قادرة على الانتصار عسكريًا في إيران، لكنها قد تدفع ثمنًا استراتيجيًا في أماكن أخرى.
فإذا استنزفت واشنطن مخزوناتها من الأسلحة الدقيقة والدفاعات الجوية، فإن موسكو وبكين لا تحتاجان إلى التدخل في الحرب. يكفي أن تنتظرا.
لأن الولايات المتحدة نفسها ستخرج من الحرب وهي مضطرة إلى إعادة بناء مخزوناتها، وإعادة توزيع قواتها، وإعادة تقييم قدرتها على خوض حرب أخرى في الوقت نفسه.
وهذا تحديدًا ما بدأت بعض المؤشرات الأمريكية تثيره.
تقارير رويترز تحدثت عن مخاوف داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية من أن يؤدي استنزاف الذخائر إلى التأثير في جاهزية الولايات المتحدة لمواجهة خصوم كبار مثل روسيا والصين.
كما أن إعادة بناء بعض المخزونات قد تستغرق سنوات، وليس أسابيع. (Reuters)
لكن هناك قوة أخرى قد تكون أكثر تأثيرًا من الصين وروسيا وإيران مجتمعة، وهي القوة السياسية الداخلية في الولايات المتحدة.
الحروب لا تُحسم بالأسلحة وحدها.
تُحسم أيضًا بالقدرة على الاستمرار.
والرأي العام الأمريكي بدأ يُظهر علامات تعب واضحة. ففي استطلاع رويترز/إبسوس المنشور في 6 أغسطس، قال 50% من الأمريكيين إن العمل العسكري الأمريكي سيجعل الشرق الأوسط أكثر فوضى خلال العام المقبل، مقابل 17% فقط توقعوا مزيدًا من الاستقرار، بينما بلغت نسبة تأييد الحرب 35%.
وهذا الرقم مهم جدًا.
لأن الحرب التي تبدأ بقرار رئاسي يمكن أن تستمر فقط إذا تمكن الرئيس من الحفاظ على الشرعية السياسية والاقتصادية لها.
كلما ارتفعت أسعار الوقود، وتزايدت الخسائر، واستُنزفت الذخائر، واتسعت الحرب، يصبح السؤال داخل الولايات المتحدة مختلفًا:
لماذا نحارب؟
وما الهدف النهائي؟
ومتى تنتهي الحرب؟
وهنا تكمن المشكلة الكبرى في الحرب مع إيران.
إن تدمير المنشآت العسكرية ليس بالضرورة هو نفسه تحقيق الهدف السياسي.
يمكن لأمريكا أن تدمر صواريخ إيرانية، لكنها لا تستطيع بالقوة الجوية وحدها أن تضمن اختفاء القدرة الإيرانية على إنتاج صواريخ جديدة.
يمكنها ضرب المنشآت النووية، لكنها لا تستطيع بسهولة تدمير المعرفة العلمية.
يمكنها قتل قيادات، لكنها لا تستطيع ضمان ألا تنتج الحرب قيادات أكثر تشددًا.
ويمكنها ضرب إيران بقوة، لكنها لا تستطيع بالضرورة إجبار دولة بحجم إيران على قبول شروطها إذا كانت طهران مستعدة لتحويل الحرب إلى حرب استنزاف.
ولهذا فإن القوة الإيرانية الحقيقية لا تكمن فقط في الأسلحة.
إنها في القدرة على إطالة الحرب.
أما القوة الصينية، فتتمثل في القدرة على امتصاص جزء من الصدمة الاقتصادية ومنح إيران مساحة دولية.
والقوة الروسية تكمن في القدرة على تقديم دعم نوعي وإطالة أمد المنافسة الاستراتيجية.
أما قوة الخليج وتركيا وباكستان، فتتمثل في قدرتها على منع تحول الحرب إلى انفجار إقليمي شامل، وفي التأثير في المرحلة السياسية التي ستأتي بعدها.
لكن لا توجد دولة واحدة تستطيع ببساطة أن تقول للولايات المتحدة: توقفي.
وهنا يجب ألا نقع في وهم موازين القوى التقليدية.
لا الصين تستطيع بسهولة دخول حرب مباشرة مع أمريكا من أجل إيران، ولا روسيا مستعدة على الأرجح للمغامرة بحرب عالمية، ولا دول الخليج تريد تحويل أراضيها إلى ساحات حرب، ولا أوروبا قادرة وحدها على فرض نهاية للصراع.
لذلك فإن المسألة ليست: من سيهزم أمريكا؟
بل:
من يستطيع منع أمريكا من تحقيق نصر سريع؟
وهنا تصبح إيران هي العامل الأول.
إذا استطاعت طهران المحافظة على قدرتها على الضرب والاستنزاف، وأبقت مضيق هرمز ورقة ضغط، ورفضت الانهيار السياسي الداخلي، فإن الحرب قد تتحول من حرب تفوق عسكري أمريكي إلى حرب قدرة على التحمل.
وعندها يصبح الزمن سلاحًا.
كل يوم إضافي يعني تكلفة إضافية لواشنطن.
وكل شهر إضافي يعني ذخائر أقل، وأسعار طاقة أعلى، وضغطًا سياسيًا أكبر، ومخاطر أكبر على القواعد الأمريكية، وضغطًا أكبر على الحلفاء.
ومن هنا يمكن فهم سبب أهمية أي مسار تفاوضي حول مضيق هرمز.
فالتفاوض لا يعني بالضرورة أن إيران انتصرت عسكريًا، ولا يعني أن أمريكا هُزمت.
بل قد يكون اعترافًا ضمنيًا بأن التفوق العسكري وحده لم ينتج نهاية سياسية.
وهذه هي النقطة التي يجب أن ينتبه إليها صانع القرار الأمريكي.
الحرب القصيرة قد تكون انتصارًا أمريكيًا.
لكن الحرب الطويلة قد تصبح اختبارًا لقدرة الولايات المتحدة على إدارة مواردها العالمية.
إذا اضطرت واشنطن إلى استهلاك جزء كبير من مخزونها الاستراتيجي في إيران، وفي الوقت نفسه بقيت روسيا في أوكرانيا، وظلت الصين تراقب تايوان، فإن السؤال لن يعود:
هل تستطيع أمريكا ضرب إيران؟
بل:
هل تستطيع أمريكا أن تضرب إيران، وتردع روسيا، وتواجه الصين، وتحمي الخليج، وتحافظ على أوروبا، في الوقت نفسه؟
هذه هي المعادلة الحقيقية.
ولذلك فإن أخطر سيناريو على واشنطن ليس أن تنتصر إيران عسكريًا.
بل أن ترفض إيران أن تُهزم، وترفض أمريكا أن تنسحب، وتطول الحرب حتى يتحول التفوق العسكري الأمريكي إلى استنزاف استراتيجي.
عندها قد يحدث ما لا تريده واشنطن:
تنتصر أمريكا في المعارك، لكنها تخسر جزءًا من قدرتها على إدارة النظام الدولي.
وهنا يمكن أن تصبح الصين وروسيا المستفيدتين الأكبر، لا لأنهما هزمتا الولايات المتحدة، وإنما لأن الولايات المتحدة استنزفت جزءًا من قوتها وهي تحاول هزيمة إيران.
إن إيران، في هذه الحالة، لا تحتاج إلى هزيمة أمريكا.
يكفيها أن تمنع أمريكا من الانتصار.
وهذه، في أي حرب كبرى، قد تكون بحد ذاتها استراتيجية نصر.






