خالد علي: الحكاية الأخيرة في حكايات ثورة يناير
ثورة يناير …أعمق وأبعد من سؤال النجاح والفشل لم تكن الثورة مجرد تراكمِ غضب، أو انفجارِ ضيق، بل كانت لحظةً استثنائية قرر فيها الحالمون أن يكتبوا بمدادِ أرواحهم فصلًا لم…

ثورة يناير …أعمق وأبعد من سؤال النجاح والفشل
لم تكن الثورة مجرد تراكمِ غضب، أو انفجارِ ضيق، بل كانت لحظةً استثنائية قرر فيها الحالمون أن يكتبوا بمدادِ أرواحهم فصلًا لم يقرأه المصريون من قبل.
في ذلك الشتاء، لم تكن البرودة قادرة على ترويض جمر النفوس، بل كان الصقيع يذوب تحت وطأة الأقدام التي سلكت دروب التحرير، حاملةً في حدقات العيون حلمًا قديمًا، تخبئه الأمهات في ثنايا القلوب كما يُخبَّأ القمح لمواسم القحط والجفاف.
بدأت القصة بهمسة، ثم تمتمة، ثم صرخة زلزلت أركان السكون. كان الميدانُ رحمًا يتسع للجميع، هناك… في تلك الليالي، كان القمرُ يطلُّ على “التحرير” بدهشة، يرى شعبًا ينامُ على أرصفة الحلم، لا يغطيه سوى دعاء القديسين وتراتيل المآذن، ولا يحرسه سوى إيمانٍ عميقٍ بأن الفجر لا بد أن ينبثق من بين فرجات الظلمة.
لا يمكن الحديث عن يناير دون استحضار طيف الغائبين الحاضرين. أولئك الذين قدّموا أرواحهم قرابين على محراب الوطن، لم يسقطوا ليموتوا، بل سقطوا ليرتفع الوطن. كان الدمُ يسيلُ حارًّا، يروي ترابًا عطشًا للعدل، فصار كل قطرةٍ منه قصيدةً لم تكتمل، وكل تنهيدةِ شهيدٍ نايًا يعزف لحن البقاء.
لقد تحوّل الرصيفُ إلى سجادة صلاة كبرى، واللافتاتُ الورقية إلى معلّقاتٍ معاصرة، كُتبت بخطوطٍ مرتجفة لكنها واثقة، تطلبُ الحياة في أسمى صورها: “عيش، حرية، عدالة اجتماعية”. لم تكن مجرد شعارات، بل كانت ثلاثية الوجود، الثالوث الذي يحرك نبض الإنسان المصري حين يقرر أن ينفض عنه غبار الخنوع.
كانت الحناجرُ تصدحُ بلحنٍ واحد، تتناغم فيه الآهات لتصنع ملحمةً كبرى. لم نكن نبحث عن خبزٍ فقط، بل كنا نبحث عن “الإنسان” الذي ضاع منا في دهاليز البيروقراطية وأقبية القمع. كنا نريد أن نرى وجوهنا في مرآة الوطن دون خوف، وأن نمشي في شوارعنا دون أن نلتفت وراءنا لنرى من يتبعنا.
مرت السنوات، وتعاقبت الفصول، وقد يظن البعض أن الريح قد ذرّت رماد الثورة في فضاء النسيان. لكن الحقيقة أن يناير ليست تاريخًا يُكتب على التقويم، بل هي “حالة” روحية، وجذوةٌ كامنةٌ تحت الرماد. هي ذلك الصوت الذي يهمس في أذن كل شابٍ يحلم بمستقبلٍ أفضل، وهي تلك الدمعة التي تترقرق في عين أمِّ شهيدٍ كلما رأت علمًا يرفرف.
ربما تعثرت الخطى، وربما تاهت البوصلة في دروب السياسة الوعرة، لكن المعنى يظلُّ عصيًّا على الموت. فالأوطان التي يعشقها أبناؤها لا تشيخ، والأحلام التي تُعجن باليقين لا تتبخر. إن يناير هي الذاكرة الحية لكرامةٍ لا تُباع، وهي البرهان الساطع على أن هذا الشعب، مهما صمت، يخبئ في صدره “نيلًا” من الغضب، و”هرمًا” من الصمود.
سيظلُّ ينايرُ هو “القصيدة المستحيلة” التي كتبها جيلٌ لم يعرف المستحيل. سيظلُّ ذلك الضوء الذي ينبعثُ من ثقوب الذاكرة ليقول لنا: “كنتم هنا، وكنتم رائعين”.
بعد خمسة عشر عامًا، قد لا يكون السؤال الأهم هو: هل نجحت الثورة أم فشلت؟ بل: ماذا تعلمنا منها؟ وكيف يمكن الاستفادة من تجربتها لتجنب أخطاء الماضي؟
فالثورات، حتى حين تتعثر، تظل محطاتٍ كاشفة لطبيعة المجتمع والدولة، وتفتح مساراتٍ للتفكير في المستقبل.
وربما يكون الإرث الأعمق للثورة المصرية هو ذلك السؤال المفتوح الذي تركته خلفها: كيف يمكن للمصريين أن يصنعوا نظامًا سياسيًا يعبّر عنهم حقًا، ويحقق التوازن بين الاستقرار والحرية، وبين قوة الدولة وحقوق المواطنين؟
في النهاية، تبقى الثورة المصرية حدثًا لا يمكن محوه من التاريخ أو الذاكرة. قد تختلف الآراء حولها، وقد تتغير التقييمات مع الزمن، لكنها ستظل علامةً فارقة في مسار مصر الحديث، ودليلًا على أن الشعوب، مهما طال صمتها، قادرة في لحظةٍ ما على أن تقول كلمتها، حتى لو كان صدى تلك الكلمة معقدًا ومتناقضًا.
سلامٌ على الميدان، وسلامٌ على الذين عبروا ولم يعودوا، وسلامٌ على الذين ما زالوا يحملون في قلوبهم قبسًا من ذلك النور، ينتظرون لحظةً أخرى يتفتح فيها الورد في جناين مصر، وينحني فيها التاريخ ليحيّي شعبًا ظنوه دومًا جثةً هامدة، وحينما يفرغ صبره يفاجئهم دومًا بجسارته وعنفوانه.
الحكاية الأخيرة: ١١ فبراير ٢٠٢٦
#من_حكايات_الثورة
رابط المقال المختصر:







