تقرير: خريف التسويات قراءة في “اتفاق واشنطن 2026” وظلال الـ 83
في مشهدٍ بدا وكأنه استنساخ مشوّه من حقبة الثمانينيات، احتضنت واشنطن لقاءً وُصف بـ "التاريخي" جمع بين السفيرة اللبنانية ندى حمادة والسفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر، وبإشراف مباشر من وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.

صورة تعبيرية للمقال
بقلم د.محمد فؤاد
في مشهدٍ بدا وكأنه استنساخ مشوّه من حقبة الثمانينيات، احتضنت واشنطن لقاءً وُصف بـ “التاريخي” جمع بين السفيرة اللبنانية ندى حمادة والسفير الإسرائيلي يحيئيل ليتر، وبإشراف مباشر من وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو.
هذا اللقاء ليس مجرد إجراء دبلوماسي، بل هو إعلان عن تحول استراتيجي في إدارة الصراع، يعيد إلى الأذهان اتفاق 17 أيار/ مايو 1983.
أولاً: جوهر المباحثات (الأجندة المسكوت عنها)
كشفت مصادر إعلامية أمريكية (مقربة من الخارجية) أن المباحثات تجاوزت فكرة “وقف إطلاق النار” لتلامس بنوداً تمس السيادة اللبنانية بشكل مباشر، وأبرز ما تم تناوله:
• منطقة عازلة معزولة: فرض واقع أمني جديد شمال نهر الليطاني، يضمن خلو المنطقة من أي سلاح
د. محمد فؤاد يكتب … لبنان تحت النار
د. محمد فؤاد يكتب: ميلانيا ترامب في دائرة الضوء
د. محمد فؤاد يكتب: لبنان بين وهم الحياد وحقيقة الميدان
“غير رسمي”، مع منح قوات دولية وبغطاء “لوجستي إسرائيلي” صلاحيات واسعة.
• شرعية السلاح: وضع خارطة طريق لنزع سلاح المقاومة تحت مسمى “توحيد بندقية الدولة”، وهو المطلب الذي يتقاطع فيه الطموح الإسرائيلي مع توجهات الإدارة اللبنانية الحالية بقيادة الرئيس جوزيف عون ورئيس حكومته نواف سلام.
تطبيع ناعم: البدء بتدشين لجان مشتركة (أمنية وفنية) برعاية أمريكية، كخطوة أولى نحو اعتراف متبادل بالحدود النهائية، ما يعني عملياً إنهاء حالة العداء التاريخية.

ثانياً: مواقف القوى الفاعلة
1. في الولايات المتحدة: “عرّاب الاتفاق”
تتعامل إدارة واشنطن مع هذا اللقاء باعتباره انتصاراً دبلوماسياً كبيراً لسياسة “الضغط الأقصى” يرى ماركو روبيو أن “لبنان الجديد” يجب أن يتحرر من الهيمنة الإقليمية (في إشارة لإيران) مؤكداً أن واشنطن ستدعم الجيش اللبناني كبديل وحيد للقوى المسلحة الأخرى، شريطة الالتزام بتعهدات واشنطن الأمنية تجاه تل أبيب.
2. في إسرائيل: “نصر بلا حرب شاملة”
تسود حالة من الارتياح في الدوائر الأمنية والسياسية الإسرائيلية. الإعلام العبري وصف يحيئيل ليتر بأنه “مهندس السلام البارد”، حيث اعتبرت الصحف الإسرائيلية أن وصول لبنان إلى طاولة المفاوضات بينما النيران تشتعل في جنوبه هو دليل على انكسار “وحدة الساحات” ونجاح استراتيجية عزل الداخل اللبناني عن جبهات المقاومة.
3. في لبنان: انقسام “الخيانة والسيادة”
• الموقف الرسمي: يبرر الثنائي (عون – سلام) هذه الخطوة بأنها “ضرورة لإنقاذ ما تبقى من الدولة” ومنع الانهيار الكامل، معتبرين أن السيادة تُسترد بالمفاوضات لا بالحروب “العبثية”.
• الموقف الشعبي والمقاوم: قوبل اللقاء بغضب عارم في الشارع اللبناني، حيث رُفعت شعارات تصفه بـ “لقاء العار” نُظر إلى نواف سلام (رئيس محكمة العدل الدولية السابق) على أنه يوظف خلفيته القانونية لتشريع التنازل عن حقوق لبنان التاريخية، تماماً كما فعل أسلافه في صفقات الأراضي في الثلاثينيات.
ثالثاً: التحليل التاريخي والسياسي
إن محاولة تصوير الصراع في لبنان على أنه “مشكلة
شيعية” أو “توسع إيراني” هي قراءة سطحية تتجاهل عمق التاريخ.
• خطيئة التاريخ المتكررة: بالعودة لعام 1982، نجد أن التآمر على منظمة التحرير (المكون السني آنذاك) قاده لبنانيون بارتماء في حضن شارون وبيجن.
• وحدة المصير: ما يثبته التاريخ أن العداء الإسرائيلي يستهدف كل من يرفع السلاح، بغض النظر عن طائفته. فكما استُبيحت صابرا وشاتيلا (الفلسطينية السنية) بتواطؤ محلي، تُستهدف اليوم بنت جبيل (اللبنانية الشيعية) بنفس الأدوات وبغطاء من “نخب” تدعي السيادة.
• سقوط الأقنعة: إن الصمت العربي المريب (الذي يذكرنا بالانشغال بمونديال 82 وقت حصار بيروت) يؤكد أن الأنظمة الرسمية ترى في أي فعل مقاوم خطراً على عروشها، فتفضل “سلام الذل” الذي تروج له واشنطن اليوم.
الخلاصة: هل ينجح “اتفاق 2026″؟
تشير كافة المعطيات الميدانية إلى أن ما عجزت عنه الدبابات الإسرائيلية في جنوب لبنان لن تحققه بدلات الدبلوماسيين في واشنطن.
إن “اتفاق 17 أيار” سقطتحت ضربات العمليات النوعية في صور وبيروت عام 1983، ومن المتوقع أن يواجه “اتفاق 2026” المصير ذاته.
فالتاريخ اللبناني يقول بوضوح: الأرض لمن يحميها، والسيادة لا تُمنح في صالونات البيت الأبيض، بل تُنتزع في ميادين القتال.
إن الرهان على نخب سياسية ذات إرث من التنازلات هو رهان خاسر أمام شعبٍ لم يعد يلدغ من جحر “التسويات” مرتين.





