مقالات
محمد زكي
محمد زكي

كاتب صحفي

بين السنة والحديث؟

ذا اعتبرنا أن الحديث وحي من الله -كما أرادوا في تفسير قوله تعالى: "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى"- وأجروا الآية على كل ما ينطق به الرسول من لفظ

مشاركة:
حجم الخط:

المكتبة الإسلامية مليئة بكتب الحديث والسنة، وواضح من التسمية وجود فصل مفهومي في المصطلح بين الحديث والسنة، لكن هذه الكتب لم تعتنِ بتحقيق فصل موضوعي بين ما هو سنة وما هو حديث، فاختلط هذا بذاك مما أحدث خلطاً ولغطاً عند المتأخرين.

فهم السنة النبوية  والحديث الشريف 

إذا فهمنا أن السنة شيء والحديث شيء آخر، وأن السنة هي كل فعل داوم عليه رسول الله بلا تبديل أو تغيير، وأنها حُفظت بالتواتر الذي يستحيل معه الكذب، فوفق هذا المفهوم لا شك عندي أن السنة النبوية وحي من الله، لكنها وحي غير جبريلي، أي أنها وحي مختلف عن الوحي القرآني الذي نزل به الروح الأمين جبريل، بل هي وحي إلهامي كوحي ربنا إلى النحل: “وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون” (النحل: 68).

السنة الفعلية لرسول الله، والتي تشرح طريقته صلى الله عليه وسلم في العبادات والشعائر والمناسك، هي إلهام من الله وثوابتها محفوظة بالتواتر وهي جزء من المقدس. أما ما صح وثبت من أقوال وتصرفات منسوبة إلى رسول الله ولا تخالف النص القرآني، فهي تدابير رسول الله في الحكم والقضاء ورعاية مصالح الأمة وفق معايير زمانه، بصفته حاكماً تمت مبايعته من المؤمنين.

إن اعتبار الأقوال سنناً هو جريمة في حق الدين وخلط أراد به الشيطان أن يلبس على أمة محمد دينها، ويخلط عليها ثابتها المطلق بمتغيرها النسبي، ويحرمها من مقومات الصلاحية الدائمة. إن هذا التيار السائد، والذي نجح في الخمسين سنة الأخيرة في أن يماهي بين السنة والحديث وبالتالي أضفى على الحديث قداسة السنة، وضع الدين في مآزق عدة:

وضع المرويات ظنية الثبوت في مقام التشريع الإلهي قطعي الثبوت

عند تعارض النص الإلهي القرآني قطعي الثبوت مع نص حديثي ظني الثبوت، حكّموا النص الحديثي في النص القرآني وقالوا بنسخ النص القرآني، ففتحوا باباً لتعطيل آيات قرآنية، وإدخال تعديلات على الدين بأقوال الرجال.

لقد وضعنا هذا التيار أمام أسئلة لا تستقيم إجاباتها مع النسق العام ومنهج الرسول في الإبلاغ عن ربه، منها:

لماذا نهى رسول الله عن كتابة حديثه؟ مرة يقولون إنه نهى عن كتابة أقواله خوفاً من أن تختلط بالقرآن، ومرة يقولون إنه عاد وسمح بالكتابة. (لاحظ أنه في القرآن “أمر” بالكتابة، وفي أقواله يقولون إنه “سمح” بالكتابة؛ وهذا غير صحيح لكننا سنجاريهم لنرى أين يوصلنا هذا الطريق).

إذا صح أن رسول الله سمح بكتابة أقواله، فلماذا لم يترك لنا كتاباً بأقواله التي أراد كتابتها؟ بل لماذا لم يفعل ذلك أيٌّ من الخلفاء الراشدين؟ لم يفعله أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا الحسن بن علي رضي الله عنهم وأرضاهم. إن القول بأن الحديث وحي فيه طعن في أمانة الرسول في البلاغ، وطعن في الخلفاء الراشدين في البيان والتبليغ.

الحديث النبوي ليس وحيا

إذا اعتبرنا أن الحديث وحي من الله -كما أرادوا في تفسير قوله تعالى: “وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى”- وأجروا الآية على كل ما ينطق به الرسول من لفظ، وهذا عكس ما ذهب إليه كثير من القدماء بأن الآية خاصة بالقرآن (ولن أستطرد في تفنيد رأيهم فقد قمت وغيري كثيرون بالتفنيد سابقاً)، لكنني سأفترض هنا أن مذهبهم في فهم الآية صحيح، وعليه فإن السنة في هذه الحالة -على حسب تقسيمهم- هي كل قول أو فعل أو تقرير لرسول الله، وعليه يجب أن يكون التالي:

كل أخطاء النبي البشرية التي نزل القرآن مصححاً لها في أكثر من موضع هي أخطاء للوحي؛ أي أنها أخطاء لله سبحانه وتعالى -حاشا لله- أمر رسوله بها ثم قام الله بتصحيحها بعد أن اكتشف خطأه! وهذا يذهب بنا إلى الطعن في علم الله الأزلي والقول بالبداء (وهو القول بأن الله لا يعلم المستقبل).

مدعي النبوة والرسول 

سأختار موقفاً كاشفاً لعل الله ينير به الطريق فنهتدي: ظهرت دعوة مسيلمة بن حبيب الحنفي في عهد رسول الله، فقد ادعى النبوة في نجد وصار له أتبع، وطلب من رسول الله أن يشركه معه في الرسالة كما أشرك موسى أخاه هارون، ولم يعره رسول الله اهتماماً بل أهانه وسماه “مسيلمة الكذاب” لتحقيره. وكذلك ظهرت دعوة الأسود العنسي وطليحة الأسدي، أما سجاح فادعت النبوة بعد وفاة الرسول. لم يقاتل رسول الله مدعي النبوة في عصره ولم يحارب المرتدين عن الإسلام حتى وفاته صلى الله عليه وسلم، ووفق فهم هؤلاء للسنة فإن ما فعله رسول الله سنة، وبالتالي فقد خالف أبو بكر سنة رسول الله في قتاله للمرتدين وقد اعتدى، “والله لا يحب المعتدين”.

تخيل كم من المسائل يمكن فهمها بهذه الطريقة لأننا لم نفصل بين السنة والحديث، وبين أحكام الرسالة وتدابير الحكم! كثير من المصطلحات لو تم تحريرها جيداً والوقوف على دقتها وتصحيح مفهومها ستحل إشكاليات ومطاعن كثيرة لا يتسع المقام لسردها، ولن نكون في حاجة إلى القول بالنسخ أو “بالآية التي أكلتها الداجنة”.

يجب الفصل بين تاريخ الدولة الإسلامية منذ النشأة وبين الرسالة السماوية. وإشكالية هذا الفصل تكمن في فترة التأسيس النبوية، حيث يحتاج الفصل للتعامل مع محمد بن عبد الله كما أشار إليه القرآن كثيراً (“بشراً رسولاً”)؛ فالفصل بين ما هو بشري وما هو رسولي أمر شديد الأهمية حتى لا تتحمل الرسالة سلوكيات السلطة الدنيوية التي هي ابنة بيئتها وزمانها، ولها معقوليتها ومشروعيتها وفق قواعد عصرها.

شارك المقال: