تحولات الجامعة العربية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي
بدأت فكرة إنشاء تنظيم عربي موحد تتبلور خلال الحرب العالمية الثانية، مدفوعة بصعود الحركات الوطنية ومقاومة الاستعمار. في 22 مارس 1945، وقعت دول (العراق، شرق الأردن، سوريا، لبنان، ومصر) ميثاق الجامعة العربية، وانضمت السعودية لاحقاً، لتتوسع المنظمة بمرور الوقت لتشمل 22 دولة.

تعد الجامعة العربية أحد الفاعلين الرئيسيين في تشكيل المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط، وتحديداً في ملف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. عبر العقود، تذبذب دور الجامعة بين “الفاعل المحارب” الذي يدفع نحو المواجهة العسكرية، وبين “الوسيط الدبلوماسي” الساعي إلى حلول سياسية، في رحلة معقدة عكست تحولات موازين القوى الإقليمية والدولية.
التأسيس والأهداف: البحث عن الوحدة في زمن الاضطراب
بدأت فكرة إنشاء تنظيم عربي موحد تتبلور خلال الحرب العالمية الثانية، مدفوعة بصعود الحركات الوطنية ومقاومة الاستعمار. في 22 مارس 1945، وقعت دول (العراق، شرق الأردن، سوريا، لبنان، ومصر) ميثاق الجامعة العربية، وانضمت السعودية لاحقاً، لتتوسع المنظمة بمرور الوقت لتشمل 22 دولة.
لم يكن الهدف مجرد تنسيق سياسي، بل وضع “القضية الفلسطينية” في قلب الاهتمامات العربية، حيث نص ميثاقها على أن تقويض حقوق الفلسطينيين يمثل تهديداً للأمن القومي العربي. ولتعزيز هذا الدور، أُنشئت لجان تخصصية، منها “اللجنة السياسية” عام 1946، وقطاع “فلسطين والأراضي العربية المحتلة” عام 1952، الذي لا يزال يشرف على تنفيذ قرارات القمة المتعلقة بالاحتلال الإسرائيلي.
الجامعة العربية في قلب الصراع: من “النكبة” إلى “الوساطة“
المرحلة العسكرية (1948 – 1973)
اتسمت العقود الأولى للجامعة بطابع المواجهة المباشرة:
حرب 1948: تزامنت مع إعلان استقلال إسرائيل، حيث تدخلت الجيوش العربية في مواجهة فشلت في منع التوسع الإسرائيلي، مما أدى إلى أزمة اللاجئين الفلسطينيين.
حرب 1967: كانت ذروة التوترات، حيث تسببت الضربة الاستباقية الإسرائيلية في احتلال سيناء والقدس الشرقية والجولان، مما دفع الجامعة لتبني مواقف حادة في “قمة الخرطوم” (لاءات الخرطوم الشهيرة).
حرب 1973: شكلت نقطة تحول استراتيجية؛ إذ مهدت النجاحات العسكرية العربية الطريق أمام الدبلوماسية، مما أدى لاحقاً إلى زيارة السادات التاريخية وتوقيع معاهدة كامب ديفيد (1979).
التحول نحو العمل الدبلوماسي (1974 – 2000)
بدأت الجامعة في تبني استراتيجيات أكثر براغماتية:
منظمة التحرير: في عام 1974، اعترفت القمة العربية بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني.
مؤتمر مدريد وأوسلو: لعبت الجامعة دوراً غير مباشر في رعاية الإطار الدبلوماسي الذي أدى إلى اتفاقيات أوسلو (1993)، والاعتراف المتبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير.
مبادرة السلام العربية (2002)
تُعد “مبادرة السلام العربية” التي أُطلقت في قمة بيروت 2002 تحولاً جذرياً؛ حيث عرضت الدول العربية تطبيعاً كاملاً للعلاقات مع إسرائيل مقابل الانسحاب الكامل إلى حدود 1967 وإقامة دولة فلسطينية مستقلة. ورغم رفض إسرائيل للمبادرة في حينها، إلا أنها ظلت حجر الزاوية في الرؤية العربية للسلام.
الواقع الراهن: غزة والضغوط الدولية
في ظل التوترات المتصاعدة منذ أكتوبر 2023، عادت الجامعة العربية لتلعب دوراً محورياً في حشد الضغط الدولي:
المواقف الجماعية: دعت القمم الطارئة (القاهرة 2023، والرياض 2023) إلى وقف فوري لإطلاق النار، وإيصال المساعدات، ومحاسبة الاحتلال، مع التأكيد على رفض مخططات التهجير.
الدبلوماسية الإقليمية: في عام 2025 وما تلاها، ركزت الجامعة على دعم مشاريع إعادة إعمار غزة، مع تأكيد رفض الخطط الدولية التي تتجاوز السيادة الفلسطينية، والتمسك بدور “الأونروا” كضامن لحقوق اللاجئين.
التحديات المستقبلية
تواجه الجامعة اليوم تحدياً مزدوجاً: فبينما تسعى “اتفاقيات أبراهام” التي وقعتها بعض الدول العربية إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل، يظل مسار التوصل إلى “حل الدولتين” متعثراً. تظل الجامعة العربية عالقة بين الرغبة في الحفاظ على استقرار إقليمي وتطوير علاقات اقتصادية وأمنية، وبين الواجب التاريخي والسياسي لدعم القضية الفلسطينية كأولوية مركزية للأمن القومي العربي.
المصدر
تقرير تحليلي لدور الجامعة العربية كتبه خوان بابلو باوتيستا موراليس ونشر في موقع THE NEW GOLBAL ORDER
رابط المقال المختصر:





