تحليل إخباري: الساعات الحاسمة في الخليج
في الوقت الذي تتحدث فيه العواصم الغربية عن “فرصة أخيرة” للحل السياسي، تؤكد التحركات العسكرية الأمريكية أن واشنطن تتهيأ فعلياً لفرض وقائع جديدة في الخليج

خليج هرمز محور صراع النفوذ
طهران تسلّم ردها المطول وواشنطن تقترب من قرار “ساعة الصفر” في هرمز
دخلت المواجهة الأمريكية الإيرانية أخطر مراحلها منذ اندلاع الأزمة الحالية، بعدما تحولت الساعات الأخيرة إلى سباق متوتر بين الدبلوماسية والبارود، وسط ترقب عالمي لما قد يحمله فجر الاثنين في مضيق هرمز، حيث تتكدس الأساطيل والقاذفات وحاملات الطائرات في مشهد يقترب من حافة الانفجار.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه العواصم الغربية عن “فرصة أخيرة” للحل السياسي، تؤكد التحركات العسكرية الأمريكية أن واشنطن تتهيأ فعلياً لفرض وقائع جديدة في الخليج، بالتزامن مع تسليم طهران ردها الرسمي المطول على المقترح الأمريكي عبر الوسيط الباكستاني في إسلام آباد.
وبحسب وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية “إيرنا”، فإن الرد الإيراني جاء في وثيقة “مفصلة ومتعددة الصفحات”، تضمنت معالجة تقنية وقانونية لملف التخصيب النووي، وآليات نقل أو “ترقيق” اليورانيوم عالي التخصيب، مقابل اشتراط إيراني واضح يتمثل في رفع الحصار البحري بصورة “شاملة وفورية”، ووقف ما تصفه طهران بـ “التهديد العسكري المباشر”.
د.أيمن خالد يكتب: هل أصبح العراق منصة للحرب القادمة على إيران؟
إرسال القوات المصرية إلى الإمارات:من الحماية الأحادية إلى الأمن بالشبكات الإقليمية
وفي السياق نفسه، نقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن مصادر مطلعة أن الوثيقة الإيرانية تتضمن رفضاً صريحاً لفكرة “التفكيك الدائم” للبنية النووية الإيرانية، مع استعداد مشروط للدخول في ترتيبات طويلة الأمد تتعلق بنسبة التخصيب ومستوى التخزين النووي.
أما وكالة رويترز فأشارت إلى أن الورقة الإيرانية المؤلفة من 14 بنداً تركز على أولوية “وقف الأعمال العدائية” قبل الدخول في أي ترتيبات استراتيجية أو تقنية، في مؤشر على أن طهران ما زالت تحاول الجمع بين التفاوض والحفاظ على أوراق الردع في آن واحد.
وفي تطور لافت، حاولت وكالة تسنيم الإيرانية التقليل من دقة التسريبات الغربية، معتبرة أن ما نشرته “وول ستريت جورنال” بشأن بعض الجوانب النووية “غير واقعي في أجزاء مهمة”، كما نفت وجود تفاهمات نهائية تتعلق بمصير المواد النووية الإيرانية أو آليات نقلها إلى دولة ثالثة.
لكن اللافت في التصريحات الإيرانية الجديدة أنها، رغم نفيها الجزئي للتسريبات الغربية، أكدت بصورة غير مباشرة جوهر المطالب السياسية التي تتحدث عنها الدوائر الأمريكية والغربية منذ أيام، إذ شددت طهران في ردها على:
* الإنهاء الفوري للحرب،
* وعدم مهاجمتها مجدداً،
* ورفع العقوبات الأمريكية،
* وإنهاء الحصار البحري فور توقيع أي تفاهم أولي،
* وإسقاط القيود المفروضة على تجارة النفط الإيراني خلال مدة لا تتجاوز 30 يوماً.
كما أشارت التصريحات الإيرانية إلى إدماج “قضايا أخرى” ضمن ما وصفته بـ “التفاهم السياسي”، وهو تعبير يعتقد مراقبون أنه يشمل ملفات أوسع من مجرد الملف النووي، مثل:
* الوجود العسكري الأمريكي في الخليج،
* مستقبل العقوبات،
* وربما طبيعة الترتيبات الأمنية الإقليمية المقبلة.
ويرى محللون أن طريقة عرض وكالة “تسنيم” للمطالب الإيرانية تكشف عن محاولة واضحة لتجنب الكشف الكامل عن بعض التفاصيل التقنية والسياسية الواردة في الوثيقة الأصلية، خصوصاً تلك المتعلقة بمصير اليورانيوم عالي التخصيب، وآليات الرقابة الدولية، وطبيعة الضمانات التي تطالب بها طهران مقابل أي التزام استراتيجي بعيد المدى.
كما يلاحظ أن الخطاب الإيراني الحالي يتقاطع جزئياً مع ما نشرته “وول ستريت جورنال”، رغم محاولات النفي، إذ إن الطرفين يتحدثان عملياً عن:
* اتفاق متعدد المراحل،
* وقف شامل للحرب،
* رفع تدريجي أو سريع للعقوبات،
* وترتيبات نووية طويلة الأمد دون تفكيك كامل للبنية الإيرانية.
وهذا التقاطع بين التسريبات الغربية والتوضيحات الإيرانية يشير إلى أن المفاوضات دخلت بالفعل مرحلة التفاصيل الحساسة، وأن الخلاف لم يعد حول مبدأ التفاوض نفسه، بل حول:
* حجم التنازلات المتبادلة،
* وسقف الضمانات،
* وشكل النظام الأمني الذي قد يولد بعد انتهاء المواجهة الحالية.
ميدانياً، تتجه الأنظار إلى صباح الاثنين 11 مايو/أيار، وهو الموعد الذي حدده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لانطلاق عملية “مشروع الحرية” (Project Freedom)، الهادفة إلى تأمين خروج عشرات السفن التجارية العالقة في الخليج تحت حماية مباشرة من البحرية الأمريكية.
وأكدت شبكة CNN أن حاملات الطائرات الأمريكية والقاذفات البحرية دخلت بالفعل في وضعية “الانتشار القتالي”، مع تجهيز ممرات بحرية مؤمنة لخروج ما يقارب 61 سفينة تجارية، وسط تقديرات بأن أي احتكاك محدود قد يتحول سريعاً إلى اشتباك واسع داخل المضيق.
وفي المقابل، نقلت وكالة “تسنيم” عن مصادر في الحرس الثوري الإيراني أن طهران أبلغت الوسطاء “إنذارها الأخير”، معتبرة أن مرافقة السفن بالقوة العسكرية الأمريكية يمثل “عملاً عدوانياً مباشراً”، وأن الرد الإيراني قد يشمل:
الألغام البحرية،
* والطائرات المسيّرة،
* واستهداف القطع البحرية في حال تم تجاوز الخطوط الحمراء الإيرانية.
إقليمياً، تحدثت قناة الجزيرة عن تسجيل خروقات جوية غامضة فوق أجواء بعض دول الخليج خلال الساعات الماضية، بالتزامن مع رفع حالة التأهب في عدد من القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في المنطقة، بينما تستمر الاجتماعات الأمنية المكثفة بين العواصم الخليجية وواشنطن لتقييم احتمالات الانفجار العسكري.
اقتصادياً، تعيش الأسواق العالمية حالة ارتباك غير مسبوقة، حيث ذكرت وكالة بلومبرغ أن أسعار النفط شهدت تذبذباً حاداً بين موجات التفاؤل بإمكانية نجاح المسار الدبلوماسي، ومخاوف المستثمرين من اندلاع مواجهة بحرية مباشرة قد تهدد إمدادات الطاقة العالمية وتدفع الاقتصاد الدولي نحو موجة تضخم واضطراب جديدة.
وتشير التقديرات الاستراتيجية إلى أن الساعات القادمة ستكون حاسمة في تحديد مسار الأزمة؛ فإما أن تتجه واشنطن إلى تأجيل “مشروع الحرية” لمنح فرصة إضافية للمفاوضات، أو أن تمضي في خيار فرض الأمر الواقع عسكرياً داخل المضيق، وهو ما قد يجعل فجر الاثنين بداية لأول مواجهة بحرية مباشرة بهذا الحجم في الخليج منذ عقود.
وفي خلفية المشهد، تبدو الأزمة أكبر من مجرد خلاف أمريكي إيراني؛ إذ تحولت مضيق هرمز إلى مركز اختبار حقيقي:
* لمستقبل النفوذ الأمريكي،
* ولقدرة إيران على فرض الردع،
* ولمدى استعداد العالم لتحمل كلفة الصدام على الطاقة والتجارة الدولية.






