علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
آراء و تحليلات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

اليمن يعود إلى حافة الانفجار وسط مخاوف من صراع إقليمي واسع

الحكومة اليمنية تسعى لاستعادة مواقع استراتيجية، بينما يحاول الحوثيون تثبيت نفوذهم وإظهار قدرتهم على الرد خارج الحدود.

مشاركة:
حجم الخط:

مقدمة: هدنة هشة تنهار وطبول الحرب تدق من جديد

بعد سنوات من التراجع النسبي في مستوى العمليات العسكرية، يعود اليمن إلى واجهة الأزمات الإقليمية مع تصاعد المواجهات بين القوات الحكومية وجماعة الحوثي على عدة جبهات، بالتزامن مع هجمات استهدفت الأراضي السعودية ومنشآت حيوية للطاقة، ما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة قد تتجاوز حدود الصراع الداخلي.

المشهد الحالي لا يعكس مجرد جولة عسكرية جديدة، بل يشير إلى محاولة كل طرف إعادة فرض معادلة القوة قبل أي مفاوضات محتملة.

فالحكومة اليمنية تسعى لاستعادة مواقع استراتيجية، بينما يحاول الحوثيون تثبيت نفوذهم وإظهار قدرتهم على الرد خارج الحدود.

مأرب والجوف.. معركة السيطرة على قلب الشمال اليمني

تتصدر محافظتا مأرب والجوف التطورات الميدانية، نظراً لأهميتهما العسكرية والاقتصادية.

فمأرب تمثل مركزاً رئيسياً للثروة النفطية والغازية، كما تعد آخر أبرز معاقل الحكومة في شمال اليمن، بينما تمنح الجوف أي طرف يسيطر عليها قدرة على التحكم في طرق الإمداد والتحرك باتجاه صعدة وصنعاء.

القوات الحكومية أعلنت تنفيذ عمليات هجومية ضد مواقع الحوثيين في محاور عدة بمأرب، مع استهداف تعزيزات وخطوط إمداد، بالتزامن مع معارك حول مناطق استراتيجية في الجوف، أبرزها محيط معسكر اللبنات.
ويرى محللون أن أهمية هذه التحركات لا تكمن فقط في السيطرة على أراضٍ جديدة، بل في محاولة تغيير ميزان الردع.

إذ إن أي تقدم حكومي في هذه الجبهات قد يضع الحوثيين تحت ضغط عسكري، بينما يدرك الحوثيون أن خسارة مواقع في الجوف أو مأرب ستؤثر على قدرتهم في إدارة المعركة شمالاً.

تعز والساحل الغربي.. معركة تقترب من باب المندب

في الجنوب الغربي، تشهد جبهات تعز والساحل الغربي تصعيداً متزايداً، حيث تحاول القوات الحكومية منع الحوثيين من توسيع نفوذهم باتجاه المناطق القريبة من البحر الأحمر.

تكتسب هذه الجبهة أهمية دولية بسبب قربها من مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية وشحنات الطاقة.

أي تهديد مباشر لهذا الممر قد يحول الحرب اليمنية إلى أزمة دولية، خصوصاً في ظل اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة.

وتشير تقارير إلى أن القتال في الساحل الغربي أصبح مرتبطاً بشكل مباشر بمحاولات السيطرة على مناطق تمنح نفوذاً على خطوط التجارة البحرية.

خريطة الصراع في اليمن
خريطة الصراع في اليمن

الهجمات على السعودية تعيد البعد الإقليمي للصراع

التطور الأخطر في التصعيد الأخير تمثل في انتقال المواجهة إلى الأراضي السعودية، حيث أعلنت تقارير عن هجمات حوثية بطائرات مسيرة وصواريخ استهدفت مناطق ومنشآت طاقة في جنوب المملكة، ما أدى إلى إصابة 73 شخصاً واندلاع حرائق في بعض المنشآت.

هذه الهجمات أعادت الحرب اليمنية إلى دائرة الاهتمام الدولي، بعدما كانت قد دخلت مرحلة تهدئة نسبية عقب هدنة عام 2022.

وتحاول جماعة الحوثي استخدام قدراتها الصاروخية والطائرات المسيرة كورقة ضغط استراتيجية لتعويض الفارق العسكري التقليدي.

بينما ترى السعودية وحلفاؤها أن استمرار هذه الهجمات يمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي وللاستقرار الاقتصادي الإقليمي.

ردود الفعل العربية والدولية.. بين الإدانة والدعوة للتهدئة

عربياً، أعلنت عدة دول تضامنها مع السعودية وأدانت الهجمات التي استهدفت أراضيها، مؤكدة دعمها لحقها في حماية أمنها واستقرارها.

أما الأمم المتحدة، فتواصل التحذير من أن التصعيد العسكري قد يقوض جهود التسوية السياسية ويعيد اليمن إلى دائرة الحرب المفتوحة.

دولياً، تتركز المخاوف على محورين رئيسيين:

الأول هو أمن الملاحة في البحر الأحمر

والثاني هو تأثير أي اضطراب جديد على أسواق الطاقة العالمية، خاصة مع حساسية المنطقة بالنسبة لإمدادات النفط.

أرقام تكشف حجم الكارثة الإنسانية

رغم التركيز العسكري، يبقى الجانب الإنساني هو الخاسر الأكبر في الحرب اليمنية المستمرة منذ 2014.

وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 20 مليون يمني يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينما يواجه ملايين السكان صعوبات كبيرة في الحصول على الغذاء والخدمات الأساسية.

كما تسببت الحرب في مقتل أكثر من 150 ألف شخص بشكل مباشر وغير مباشر، إضافة إلى نزوح ملايين اليمنيين وتدمير واسع للبنية التحتية.

أي تصعيد جديد سيعني مزيداً من الضغط على اقتصاد منهك أصلاً، وعلى شعب يعيش واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.

السيناريوهات المحتملة لمسار الحرب

1- سيناريو التصعيد الشامل

وهو الاحتمال الأخطر، حيث يؤدي استمرار الهجمات المتبادلة إلى توسع المواجهة لتشمل أطرافاً إقليمية بشكل أكبر، خاصة إذا تعرضت منشآت الطاقة أو الملاحة الدولية لمزيد من الضربات.

2- سيناريو حرب الاستنزاف

قد تستمر المعارك دون قدرة أي طرف على تحقيق حسم نهائي، كما حدث خلال السنوات الماضية، بحيث تتحول الجبهات إلى صراع طويل يستهلك الموارد ويزيد المعاناة الإنسانية.

3- سيناريو العودة إلى المفاوضات

رغم التصعيد، يبقى الحل السياسي قائماً، لأن السيطرة العسكرية الكاملة تبدو صعبة على جميع الأطراف. وقد تدفع الخسائر الاقتصادية والضغوط الدولية نحو استئناف الحوار.

اليمن أمام اختبار جديد

التطورات الأخيرة تؤكد أن الحرب اليمنية لم تنتهِ، بل انتقلت من مرحلة الهدوء النسبي إلى مرحلة إعادة ترتيب الأوراق. فمعارك مأرب والجوف وتعز ليست مجرد مواجهات ميدانية، وإنما جزء من صراع أكبر على النفوذ والأمن الإقليمي.

ويبقى السؤال الأهم:

هل تقود هذه الجولة إلى تغيير حقيقي في ميزان القوة، أم ستكون مجرد فصل جديد من حرب طويلة أثبتت أن الحسم العسكري وحده غير قادر على إنهاء الأزمة اليمنية؟

شارك المقال:

شاركنا برأيك