آراء و تحليلات
د. محمد الغمري
د. محمد الغمري

كاتب ومستشار قانوني

محمد الغمري يكتب: ميلاد جديد (المولد النبوي)

فالمولد، في معناه الأعمق، بداية مسار استُبدل فيه معيار الاجتماع البشري بمعيار آخر: إنسان جديد، وجماعة جديدة، ومعيار جديد للقوة والعدل والكرامة، ثم حضارة نقلت ما آمنت به من ضمير الفرد إلى حركة المجتمع

مشاركة:
حجم الخط:

حين لا تكون ذكرى المولد النبوي استعادةً للماضي، بل استعادةً للقدرة على صناعة التاريخ

يأتي المولد النبوي كل عام، فنستعيد سيرة رجل وُلد قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا.

لكن السؤال الأجدر بالتوقف ليس: كيف نحتفل بميلاده ﷺ؟ بل: ماذا يمكن أن يولد فينا من جديد؟

فالمولد، في معناه الأعمق، بداية مسار استُبدل فيه معيار الاجتماع البشري بمعيار آخر:

إنسان جديد، وجماعة جديدة، ومعيار جديد للقوة والعدل والكرامة، ثم حضارة نقلت ما آمنت به من ضمير الفرد إلى حركة المجتمع، ومنها إلى المؤسسات والعمران.

لهذا يصبح استحضار المولد أوسع من احتفال بذكرى مضت؛ إنه نظر في المسافة بين رسالة صنعت تاريخًا، وذكرى قد تبقى حية بينما تتعطل قدرتها على صناعة الحاضر.

قبل أن يبدأ التاريخ من جديد

لم يولد النبي ﷺ في فراغ، كانت مكة مدينة لها تجارتها ونظامها الاجتماعي، وكانت الجزيرة تعرف القبيلة والشعر والأسواق.

لكن وجود الطاقة لا يعني وجود الاتجاه، كان المجتمع قادرًا على الحركة، لكنه لم يكن يملك معيارًا جامعًا يرفع الإنسان فوق العصبية، ويجعل العدل التزامًا يتجاوز موازين القوة.

لم يكن الجديد مجرد إضافة قيم إلى عالم قديم، بل نزعًا للشرعية عن معايير حكمته:

نزعت الرسالة عن النسب حقه في أن يكون معيار الإنسان الأعلى، وعن القوة حقها في أن تكون مصدر الحق.

وهذه سنة كل ميلاد حقيقي:

لا يدخل الجديد التاريخ حين يُضاف إلى القديم، بل حين يفقد القديم قدرته على تعريف الممكن والمشروع.

ولا بد أن يموت شيء من الإنسان القديم أولًا.

ثم جاءت البداية:

“اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ” (العلق: 1) كلمة، لكنها لم تبق كلمة.

انتقلت من الوحي إلى الإنسان، ومن الإنسان إلى الجماعة، ثم صارت أخلاقًا وتشريعًا ومؤسسات.

فالأفكار لا تغير التاريخ لمجرد صحتها؛ يتغير التاريخ حين تجد القيمة إنسانًا يحملها، وجماعة تنظمها، ومؤسسة تحفظها.

ميلاد الإنسان الجديد

الميلاد الأعظم الذي صنعته الرسالة هو ميلاد الإنسان الجديد.

لم يعد ابن قبيلته فقط، ولا رقمًا في ميزان القوة، بل كائنًا مسؤولًا أمام الله، له كرامته وموقعه في العمران.

بلال العبد الحبشي، صهيب الغريب، سلمان الفارسي، وأبو بكر من أشراف قريش، أربعة لا يجمعهم نسب ولا بلد، جمعتهم الرسالة في رابطة أقامت فوق اختلافاتهم معيارًا أعلى.

لم تعد الأصول وحدها تحدد منزلة الإنسان، بل ما يحمله من إيمان وصدق وعمل.

لكن هذا التحول احتاج إلى وعاء يحمله: عهدًا ينظم علاقات المجتمع الجديد، ومؤسسات وممارسات تنقل القيم إلى الحياة.

فالمعنى، حين أراد البقاء، احتاج إلى ما يحوله إلى ممارسة، لا إلى شعور فحسب.

والتحول الكبير بدأ في غار، لا جيش هناك ولا دولة ولا ثروة، بل إنسان يتلقى كلمة.

ثم ثلاثة عشر عامًا في مكة، فهجرة وبناء مجتمع، وإخفاقات وانتصارات، وكل مرحلة سلّمت شيئًا إلى التي تليها.

وهذا هو الفارق بين المجتمعات التي تصنع تاريخًا وتلك التي تستهلك طاقتها في بدايات متكررة: الأولى تحول الخبرة إلى رصيد، والثانية تعيش اللحظة ثم تفقدها.

ويمكن اختصار سر التجربة في مسار واحد:

معنى يصنع إنسانًا، وإنسان يبني جماعة، وجماعة تنشئ مؤسسة، ومؤسسة تحفظ التراكم، والتراكم يصنع تاريخًا.

لكن هذه السلسلة ليست مضمونة؛ يمكن لأي حلقة فيها أن تُفرَّغ من معناها، فتبقى صورتها بعد أن تتعطل وظيفتها.

حين تصبح الذكرى بديلًا من الرسالة

الخطر على الذكريات العظيمة ليس أن ننساها، بل أن نتذكرها بطريقة تعفينا من أسئلتها.

يمكن لمجتمع أن يحتفل بمن جعل العدل قيمة مركزية بينما يتعايش مع الظلم، وأن يحتفي بالأمانة بينما يصبح التفريط فيها مألوفًا.

عندئذ تقع المفارقة:

تبقى الذكرى حية، بينما تتعطل القدرة التي صنعتها. فالوفاء للرموز الكبرى ليس في كثرة استدعائها، بل في مقدار ما يبقى من قدرتها على توجيه الحياة.

ونحن، ماذا نريد أن يولد؟

وُلد يومئذ إنسان يقول إن التفاضل ليس بالعرق ولا المال، ومعنى يجعل القوة مقيدة بالحق، والعلم عبادة، والمال أمانة، والسلطة تكليفًا.

ونجحت التجربة في صناعة التاريخ لأنها لم تبق حبيسة قلب صاحبها ﷺ؛ حملها أصحابه، ثم حملتها مؤسسات وذاكرة وممارسات.

فالرسالة التي لا تنتقل لا تصنع حضارة؛ لا لأن صدقها مشروط بنجاحها، فالحق حق في ذاته، بل لأن أثرها في العمران مشروط بانتقالها من القيمة إلى الفعل. والخسارة حين يتعطل هذا الانتقال ليست في الحق، بل فينا.

ولا يعاني العالم العربي والإسلامي اليوم نقصًا في القيم المعلنة، العدل حاضر في خطابنا، والأمانة والعلم محفوظان في نصوصنا.

المشكلة في المسافة بين القيمة وقدرتها على إنتاج الأثر.

وتتسع هذه المسافة حين تفقد المؤسسات قدرتها على المحاسبة، فتبقى بأسمائها بينما تتحول وظيفتها من حمل المعنى إلى حماية من يشغلها.

وحين تصبح القيمة المعلنة قليلة الكلفة، بينما يصبح تطبيقها مكلفًا لمن اعتاد الإفلات من الحساب.

عندها لا تختفي القيم، بل ينقطع الطريق بينها وبين الواقع.

لذلك ليس السؤال:

كيف نستعيد الماضي؟ فالماضي لا يعود.

السؤال الأدق: كيف نستعيد القدرة التي جعلت أولئك الناس يصنعون مستقبلًا لم يكن موجودًا قبلهم؟

حين لا يكون الخلاص في فرد

من أخطر ما يمكن أن نستخلصه من المولد أن ننتظر رجلًا استثنائيًا يحل أزماتنا. فالنبي ﷺ كان استثناء النبوة التي لا تتكرر، لكن ثمرة رسالته كانت بناء جماعة تستطيع الاستمرار بعد وفاته.

وقد عبّر أبو بكر عن هذا المعنى في اللحظة الأصعب، حين قال بعد وفاة النبي ﷺ: «من كان منكم يعبد محمدًا ﷺ فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت».

كانت لحظة فاصلة بين التعلق بالشخص واستمرار الرسالة.

الإنسان العظيم يغيب، لكن المعنى لا ينبغي أن يغيب معه، والجماعة التي لا تستطيع تحويله إلى قدرة تتجاوز حضور الفرد تظل مهددة بأن تبدأ من الصفر كلما غاب رجالها.

المولد الذي لم ينته

ربما لا ينبغي أن يكون سؤال المولد: ماذا حدث في ذلك اليوم؟ بل: ماذا بقي قادرًا على الحدوث بسبب ما بدأ يومئذ؟

أن نصلي على النبي ﷺ، ثم نسأل عن نصيب الصدق من حياتنا، أن نتحدث عن عدله، ثم نفتش عن العدل في مؤسساتنا، أن نفتخر بحضارة بدأت من كلمة «اقرأ»، ثم نسأل عن موقع المعرفة في حاضرنا.

ليس المطلوب أن نعيد القرن السابع، بل أن نستعيد منطق الفعل الذي نقل الإنسان من الإيمان بالقيمة إلى القدرة على تجسيدها في التاريخ.

فقد وُلد محمد ﷺ مرة واحدة، وخُتمت به النبوة، لكن المعاني التي جاء بها قادرة على أن تولد في كل جيل.

والمجتمعات أيضًا يمكن أن تولد أكثر من مرة؛ حين يتحول إيمانها من ذاكرة إلى عمل، وقيمها من خطب إلى مؤسسات، وخبرتها من لحظات متفرقة إلى تراكم لا يبدأ من الصفر.

ولعل أجمل ما نستقبل به المولد ألا نسأل فقط كيف نفرح بميلاده ﷺ، بل: ما الذي يجب أن يولد فينا لنستحق هذا الفرح؟
فالمولد الذي نحتاجه اليوم ليس ميلاد نبي جديد، بل ميلاد إنسان جديد بالرسالة نفسها.

وعندما يولد هذا الإنسان، يبدأ التاريخ من جديد.

شارك المقال: