الخلطة السحرية؟
القوات المسلحة النظامية في الغالبية الساحقة من دول العالم هي أنظمة مركزية تعمل بتسلسل هرمي صارم، تتحرك فيه الأوامر من أعلى لأسفل فقط

ما هو السبب وراء عدم انهيار القوات المسلحة اﻹيرانية بعد فقدانها القائد اﻷعلى وقصف مواقعها الرئيسية؟ ليس فقط أنها لم تنهار، بل ما يحدث هو النقيض المباشر لذلك: فعالية عسكرية منقطعة النظير.
لفهم ما يحدث، فنحن بحاجة لاستعراض بعض اﻷفكار التأسيسية.
بداية، فـ”القوات المسلحة اﻹيرانية” ليست قوات مسلحة واحدة. هناك قوتان مسلحتان موازيتان، كلتاهما تحت سيطرة المُرشد اﻷعلى. اﻷولى هي “اﻷرتش” (أو “ارتش” بالفارسية)، وهو الجيش النظامي التقليدي، ومهمته الدفاع عن حدود إيران. الثانية هي “الحرس الثوري” (أو “سپاه پاسداران” بالفارسية)، وهو جيش أيديولوجي مهمته حماية النظام نفسه. الحرس الثوري هو أقواهما، وهو الجهة المنخرطة في الحرب حاليًا، والجهة التي سنتحدث عنها.
القوات المسلحة النظامية في الغالبية الساحقة من دول العالم هي أنظمة مركزية تعمل بتسلسل هرمي صارم، تتحرك فيه الأوامر من أعلى لأسفل فقط، بينما تتحرك الاستخبارات من أسفل لأعلى فقط. بصفة عامة، كل وحدة في هذا التسلسل الهرمي تتحرك حصرًا وفقًا لتعليمات الوحدة التي تعلوها، وإلا فهي في وضع انتظار. الصورة اﻷولى (باللون الأحمر) تعرض لهذا التصور بشكل مُبسط.
“منظومة القيادة والسيطرة” (باﻹنجليزية، Command and Control, or C2) هي مجموعة العمليات والوسائل واﻷصول والجهات اللازمة “لتفعيل” السُلطة الناتجة عن التسلسل الهرمي السابق. حدوث عُطل في هذه المنظومة يؤدي إلى انخفاض ملحوظ في فاعلية القوات المسلحة بأكملها.
ماذا لو تم تدمير المنظومة بأكملها؟
عندها يحدث شلل تام أو انهيار كامل للقوات المُسلحة التي تتحكم فيها تلك المنظومة. هذا هو بالضبط ما تستهدفه استراتيجية “قطع رأس منظومة القيادة والسيطرة” (باﻹنجليزية، C2 Decapitation)، والتي تتضمن أمور مثل قصف مراكز القيادة، اغتيال القادة، التشويش على وسائل الاتصالات، وقصف اﻷصول الاستراتيجية -على سبيل المثال، سلاح الجو-
فاعلية هذه الاستراتيجية تتناسب طرديًا مع القُدرات العسكرية للجهة المُنفذة (تحديدًا، القُدرة على توجيه ضربات دقيقة مُدمّرة)، وامتلاك بنية تحتية استخباراتية متقدمة. لهذا السبب، فهي الاستراتيجية المُفضلة لدى إسرائيل والولايات المُتحدة منذ عقود. على سبيل المثال، هذه هي الاستراتيجية التي استخدمتها الولايات المتحدة في غزو أفغانستان (2001) والعراق (2003)، والتي أسقطت أنظمة تلك البلاد في أيام.
اﻵن، هناك أمر مثير للاهتمام. في حين أن الولايات المتحدة أسقطت الجيوش المركزية في العراق وأفغانستان في أيام، فلقد استمرت في التعثّر لعقدين أمام التمردات اللامركزية المسلحة (حروب العصابات) في البلدين، وانتهى بها اﻷمر بالانسحاب في نهاية المطاف.
الدفاع الفسيفسائي”، أو “دفاع موزاییکی” بالفارسية.
قائد الحرس الثوري اﻹيراني في ذلك الوقت، محمد علي جعفري، كان يشاهد ما يحدث عن كثب. أدرك الرجل أنه في حين أن الجيوش المركزية يُمكن إسقاطها بسرعة في حال وجود تباين كبير بين القُدرات العسكرية للطرفين (كما هو الحال مع أغلب الجهات التي تهاجمها الولايات المتحدة)، فيكاد يكون من المستحيل هزيمة القوات اللامركزية بشكل كامل.
هذا اﻷمر دفع بالرجل للتفكير. نعم، حركات العصابات والتمردات اللامركزية تتمتع بمرونة وقدرة استثنائية على الصمود، ولكن تجهيزاتها وأسلحتها بسيطة نسبيًا. على الجانب الآخر، الجيوش المركزية تمتلك أسلحة متطورة وتدريبات فعّالة، ولكنها عُرضة للانهيار السريع نتيجة انعدام المرونة النابع من هيكليتها المركزية. ماذا لو قمنا بدمج أفضل اﻷجزاء من النموذجين؟
وكانت هذه هي بالضبط لحظة ميلاد عقيدة “في عام 2005، بدأ محمد علي جعفري إعادة هيكلة جذرية لقوات الحرس الثوري، وبحلول عام 2008، كانت قوات الحرس قد قُسمت إلى 31 فيلق مُستقل، واحد لكل مُحافظة إيرانية، مع اثنتين لطهران.
كل فيلق من هذه الفيالق يُعد قوات مسلحة مصغّرة مكتفية ذاتيًا، يمتلك كل منها بطاريات صواريخ، أسراب طائرات مسيّرة، أصول بحرية وساحلية، وحدات البسيج (قوات شعبية شبه عسكرية تتكون من متطوعين من المدنيين) وخلايا حرب العصابات، لوجستيات وسلاسل إمداد مُستقلة، وحتى جهاز الاستخبارات الخاص به. اﻷهم من ذلك، فقائد كل فيلق يمتلك صلاحيات كاملة لاتخاذ القرارات والتحرك بشكل مستقل دون الحاجة للرجوع لطهران.
بعبارة أخرى، هو تطبيق شبه كامل للامركزية العسكرية على جيش نظامي، كاستراتيجية ردع وبقاء في آن واحد. الفيالق المستقلة تمثّل بلاطات الفسيفساء (وهو مصدر التسمية)؛ حتى وإن أزلت بعض القطع، فستظل الصورة الكبيرة قائمة. لا وجود لمدينة واحدة أو لمقر واحد أو لقائد واحد يؤدي فقدانه لانهيار الدفاع وفقدان المعركة بالكامل. الصورة الثانية (باللون الأخضر) تعرض لهذا التصور بشكل مُبسط. قارنها باﻷولى لترى الفرق.
في حين أن اللامركزية العسكرية كمفهوم ليس بجديد، فتطبيقه بهذا الشكل، على هذا النطاق، بتلك الشمولية، هو إبداع إيراني غير مسبوق، ولا يوجد له مثيل حاليًا.

اﻵن، هل لم تعلم أمريكا وإسرائيل عن هذه الاستراتيجية؟
بالتأكيد كانوا على علم بها، وليس كمعلومات استخباراتية “سريّة”: إيران تعمل على صقل وإتقان الدفاع الفسيفسائي منذ 18 عامًا، وبصورة علنية، وذلك ﻷن أحد أهدافه كما ذكرت هو الردع. لا يمكنك أن تردع عدوك بسلاح لا يعلم عن وجوده، وبالتالي فإيران تعمّدت أن تعرف الولايات المتحدة وإسرائيل عنها.
ما حدث ببساطة هو أن الولايات المتحدة وإسرائيل استخفتا بمدى فاعلية هذه الاستراتيجية، وبالغتا في تقدير الضرر الذي بإمكانهما إحداثه. أحد اﻷمور التي ساهمت في ذلك هو أن هذه الاستراتيجية لم تُفعّل بالكامل على اﻹطلاق خلال 18 عامًا -وذلك ﻷن شرط تفعيلها لم يحدث- وبالتالي لم تكن هناك معلومات كافية عن مدى فعاليتها.
كنتيجة لذلك، فلقد قامت الولايات المتحدة وإسرائيل بالتعامل مع إيران بنفس منطق النموذج المركزي التقليدي، والذي يقتضي التركيز على قطع رأس منظومة القيادة والسيطرة كوسيلة لإسقاط النظام بالكامل. هذا اﻷمر واضح جدًا في طبيعة اﻷهداف التي تم استهدافها وتسلسلها، وفي لغة ترامب قبل وخلال الساعات اﻷولى من العملية.
ولكن بقيامهما بذلك، فلقد قاما بتحقيق شرط تفعيل الاستراتيجية: اغتيال المُرشد.
إيران تحت وضعيّة الدفاع الفسيفسائي، مُضافًا إليها قدراتها على تصنيع أسلحتها محليًا، وقدراتها التعبوية، هي أسوأ عدو تواجهه الولايات المُتحدة وإسرائيل منذ إنشاءهما. في الحقيقة لا توجد أمثلة في التاريخ الحديث على حرب مع طرف يقود الحرب بمرونة حروب العصابات وبقدرات جيش نظامي، وبالتالي فالجميع يستكشف للمرة اﻷولى ما يعنيه هذا. ووفقًا لما رأيناه حتى اﻷن، فهي تقلب رأسًا على عقب تصورنا عن إدارة الحروب وموازين القوى.
الدفاع الفسيفسائي أيضًا يفسّر بشكل واضح كيف تمكنت إيران خلال بضعة ساعات من إصابة أهداف في 10 دول دفعة واحدة. ببساطة شديدة هناك 31 جيش داخل إيران، يعمل كل منها بشكل شبه مستقل بالكامل. فتح عدة جبهات قتال في وقت واحد يحمل معنى مختلف كليًا عن القيام بذلك تحت النموذج المركزي التقليدي.
وبهذا، فلديك الآن اﻹطار المعرفي اللازم لتفسير كل ما تسمع وتقرأه عمّا يحدث من كل اﻷطراف، بل ويساعد على التنبؤ بمآل اﻷحداث بشكل كبير.





