مصطفى شوقي يكتب: هل صارت الحرب الأهلية في لبنان حتمية؟
لبنان فقد إحدى أهم آليات استقراره التاريخية.فالنظام الذي كان يعتمد على شخصيات وزعامات تمتلك القدرة على إنتاج التسويات وإدارة التوازنات بين الطوائف، لم يعد يملك اليوم النوع نفسه من القيادات.

السفيرين اللبناني والإسرائيلي (وسائل التواصل)
في تقديري، لم يعد السؤال في لبنان هو ما إذا كانت أسباب الحرب الأهلية موجودة، ولكن ما إذا كانت الصدمة التي ستفجرها قد وقعت بالفعل أم أنها لا تزال مؤجلة.
التحولات التي يشهدها لبنان ليست جديدة في حد ذاتها
الجديد هو أن عناصر الأزمة، التي تراكمت على امتداد عقود، لم تعد تعمل بصورة منفصلة، ولكنها أصبحت تتغذى على بعضها البعض، حتى فقد النظام اللبناني تدريجيًا قدرته على امتصاص الصدمات وإعادة إنتاج التوازنات التي حافظت، رغم كل شيء، على حد أدنى من الاستقرار منذ انتهاء الحرب الأهلية.
لقد عاد الانقسام الطائفي ليصبح الإطار الذي تُقرأ من خلاله معظم الأحداث السياسية والأمنية.
ولم تؤدِ الحرب الإسرائيلية الأخيرة وما تبعها من مواجهة مع حزب الله إلا إلى تعميق هذا الاتجاه، سواء بفعل الضربات التي استهدفت البنية القيادية للحزب.
أو بفعل ما أحدثته من نقاشات وتباينات داخل جزء من بيئته الاجتماعية.
ولم يعد الاستقطاب مجرد انقسام سياسي، بل أصبح يعيد تشكيل العلاقات داخل المجتمع نفسه.
وفي الوقت ذاته، يبدو أن لبنان فقد إحدى أهم آليات استقراره التاريخية.
فالنظام الذي كان يعتمد على شخصيات وزعامات تمتلك القدرة على إنتاج التسويات وإدارة التوازنات بين الطوائف، لم يعد يملك اليوم النوع نفسه من القيادات.
رحلت أو تراجعت الوجوه التي أدارت التوافقات الكبرى، بينما برز جيل سياسي جديد في لحظة تتطلب خبرة استثنائية في إدارة الأزمات، لا مجرد إدارة الصراع.
ويتضاعف هذا الخلل مع ظهور جيل كامل لم يعش الحرب الأهلية، ولم يختبر آثارها المباشرة.
فالذاكرة الجماعية التي كانت تجعل مجرد احتمال الحرب سببًا كافيًا للتراجع خطوة إلى الخلف، أخذت تضعف مع الزمن.
وهو ما قد يجعل تكلفة المغامرة تبدو، في وعي بعض الفاعلين، أقل مما كانت عليه لدى الأجيال السابقة.
ثم يأتي الانهيار الاقتصادي ليحول هذه التناقضات السياسية والطائفية إلى تناقضات اجتماعية يومية.
فمنذ انفجار أزمة 2019، لم يعد الأمر مجرد ركود اقتصادي، بل انهيار متواصل لقدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية، وتآكل للطبقة الوسطى، واتساع للفقر، وفقدان متزايد للثقة في المؤسسات.
وهنا لا تبقى الأزمة الاقتصادية مجرد نتيجة للأزمة السياسية، بل تتحول بدورها إلى قوة تدفعها نحو مزيد من التفكك.
وفوق كل ذلك، يتحرك هذا المشهد داخل بيئة إقليمية تعاد صياغتها بسرعة.
فالتحولات التي تشهدها سوريا، وما قد يترتب عليها من إعادة رسم لموازين القوى، تفتح الباب أمام تدخلات وحسابات إقليمية ودولية جديدة، بما يجعل الساحة اللبنانية أكثر انكشافًا على صراعات تتجاوز حدودها.
وسط هذه التناقضات جميعًا
تبدو الدولة اللبنانية أضعف من أن تقوم بالدور الذي قامت به في مراحل سابقة. فهي مطالبة، في الوقت نفسه، بإدارة الانقسام الداخلي، واحتواء الضغوط الإسرائيلية، والتعامل مع الانهيار الاقتصادي، والحفاظ على الحد الأدنى من الشرعية السياسية، بينما تتراجع قدرتها الفعلية على إنجاز أي من هذه المهام.
لهذا السبب، لا أعتقد أن جوهر الأزمة يكمن في وجود كل عامل من هذه العوامل على حدة، بل في لحظة التقاء هذه التناقضات داخل بنية سياسية فقدت، إلى حد بعيد، قدرتها على إنتاج تسوية جديدة.
ومن هنا تحديدًا يصبح أي حدث كبير، مهما بدا محدودًا في بدايته، قادرًا على إطلاق سلسلة من التفاعلات المتبادلة يصعب السيطرة عليها.
لذلك لا أزعم أن الحرب الأهلية أصبحت حتمية
فالتاريخ لا تحكمه الحتميات الميكانيكية. لكنني أعتقد أن الشروط الموضوعية التي تجعلها احتمالًا واقعيًا قد بلغت من النضج ما لم تبلغه منذ انتهاء الحرب الأهلية.
أن لبنان يقف اليوم أمام مرحلة قد يكون فيها مستقبل البلاد مرهونًا ليس بوجود التناقضات، بل بالحادث الذي سيجمعها في لحظة انفجار واحدة.






