مقالات
د. مجدي قرقر
د. مجدي قرقر

أستاذ جامعي وكاتب

الإسلام عقيدة كل الأنبياء

لإسلام لغة: هو الخضوع، والاستسلام، والانقياد لله، وتوحيده، والبراءة من الشرك، وهذا المعنى اللغوي هو المقصود في آية "إن الدين عند الله الإسلام"، و يشمل جميع الأنبياء والموحدين.

مشاركة:
حجم الخط:

ماذا تعني آية “إن الدين عند الله الإسلام” (19 آل عمران)

أولاً: إشكالية التفسير الظاهري والبديل التأويلي:

لو أخذنا بظاهر اللفظ فهناك احتمالان للمعنى مرفوضين عقلاً وشرعاً:

الاحتمال الأول:

أن الله لا يعترف باي دين غير دين الإسلام (الرسالة المحمدية) مما يعني إبطال كل الرسالات السابقة، وحاش لله ان يكون هذا المعنى صحيحا لأن الله هو من أرسل الأنبياء السابقين.

الاحتمال الثاني:

أن كل الأديان منذ آدم حتى محمد عليهما السلام هي دين الإسلام وهذا يعني تطابقها، وهذا المعنى منافي للواقع، كما أن النص القرآني ينفي ذلك بتأكيده على اختلاف الشرائع ” لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً ” (48 المائدة).

والاحتمالين المرفوضين لا ثالث لهما أخذا بظاهر النص، لذا يلزم التأويل حتى نفهم المسألة، ومن هنا كان المقال المرفق الذي يؤكد على أن (الدين عند الله الإسلام) تعني أن (العقيدة عند الله هي التوحيد وتسليم الوجه لله) ولا يقبل سبحانه بغير ذلك.

ثانياً: مفهوم الدين والشرائع (الثابت والمتغير):

يؤكد البحث أن ان كلمة الدين تعني العقيدة (والعقيدة لا تشمل الشريعة)، كما أن كلمة الإسلام لا تعني الرسالة المحمدية بل تعني التوحيد وتسليم الوجه لله، فيكون معنى آية “إن الدين عند الله الإسلام” هو أن العقيدة عند الله ثابتة وهي عقيدة واحدة وهي التوحيد وتسليم الوجه لله.

إذا اخذنا بهذا المفهوم فكل الاديان السابقة للرسالة المحمدية والرسالة المحمدية ذاتها عقيدتها جميعا هي عقيدة التوحيد وأي عقيدة فيها شرك فليست من عقيدة الإسلام، وكل هؤلاء الموحدون (لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)، أما شرائع الجميع فمختلفة فلكل منهم شرعة ومنهاجا.

والشريعة تشمل العبادات، والأخلاق، والمعاملات، وتختلف من نبي إلى آخر لتناسب الزمان والمكان واختلاف حال الأقوام.
حبنا للإسلام وغيرتنا عليه يجب ألا يجعلنا غير موضوعيين ككثير ممن يقولون: “لا يوجد دين غير دين الإسلام أما ما سواه فهي شرائع وليست بأديان” اليهودية شريعة والمسيحية شريعة.

مصطفي السعيد يكتب: صعوبات إيران الاقتصادية؟

إعادة تموضع القوة الأمريكية في الشرق الأوسط وأوروبا؟

ثالثاً: تعريف الإسلام لغةً واصطلاحاً:

يفرق البحث بين معنيين للإسلام:

الإسلام لغة: هو الخضوع، والاستسلام، والانقياد لله، وتوحيده، والبراءة من الشرك، وهذا المعنى اللغوي هو المقصود في آية “إن الدين عند الله الإسلام”، و يشمل جميع الأنبياء والموحدين.

الإسلام شريعة (اصطلاحاً):

هو الرسالة المحمدية عقيدة (توحيدا) وشريعة بأركانها المعروفة (الشهادتان، الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج) كما ورد في حديث جبريل

رابعاً: عالمية “الإسلام” في رسالات الأنبياء:

والمقصود بالإسلام في آية سورة آل عمران “إن الدين عند الله الإسلام” (19 آل عمران) هو المعنى اللغوي العام وليس الاصطلاحي.

أي أن الإسلام في الآية هو الاستسلام والانقياد، والخضوع والذل لله الواحد الأحد، وتوحيده والخضوع لأوامره ونواهيه وعدم الشِّرك به.

أي أن المقصود بالإسلام في الآية هو التسليم الخالص المطلق لله والتوحيد، وآيات القرآن الكريم تؤكد هذا:

إبراهيم وإسماعيل:

دعوا ربهما قائلين: “رَبَّنَا واجعلنا مسلمين لَكَ وَمِن ذريتنا أُمَّةࣰ مسلمةࣰ لَّكَ ……” (البقرة ١٢٨)، كما أمر الله إبراهيم بـ “أسلم”، فقال: “أسلمت لرب العالمين” (البقرة 131)

موسى عليه السلام:

خاطب قومه بقوله: “يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين” [يونس 84]. حتى فرعون عند غرقه قال: “وأنا من المسلمين” [يونس 90] إدراكاً منه للحقيقة في تلك اللحظة.

يوسف عليه السلام:

دعا ربه: “توفني مسلماً وألحقني بالصالحين” (يوسف 101)

سليمان وبلقيس:

قالت بلقيس “وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين” [النمل 44]

عيسى عليه السلام:

قال الحواريون لعيسى “آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون” (آل عمران 52)
محمد صلى الله عليه وسلم: أُمر بأن يكون “أول المسلمين” متبعاً ملة إبراهيم حنيفاً [أكثر من آية في أكثر من سورة]

خامساً: خصوصية الرسالة المحمدية بأن سمى الله دينها (عقيدة وشريعة) بالإسلام:

رغم أن جميع الأديان تشترك في عقيدة التوحيد (الإسلام العام)، إلا أن الله ميز أمة محمد بخصيصة فريدة؛ وهي أنه سمى دينها (عقيدة وشريعة) باسم “الإسلام” وهي خصيصة لم تنلها أمة من قبل سوى أمة محمد ” مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ ” (الحج 78).

ففي الرسالات السابقة، كانت العقيدة هي الإسلام والتوحيد، بينما تسمى الشريعة باسم النبي أو القوم (يهودية، مسيحية)، أما في الرسالة المحمدية، فقد اجتمع المسميان تحت اسم “الإسلام”.

سادساً: العلاقة مع أهل الكتاب والموقف من الكافرين:

ورغم وحدة العقيدة في كل الأديان فإن أهل الكتاب حسدا من عند أنفسهم لا يحبون الخير لأمة الإسلام بل ويودون أن يردوهم كفار بعد أن أدركوا أن رسالة محمد هي الحق: “مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ” (البقرة 105)

ورغم حسدهم لأمة الإسلام فقد أمرنا بألا نجادلهم إلا بالتي هي أحسن والتأكيد على وحدة الإله ” وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ” (46 العنكبوت) أما من يبتغي غير “الإسلام” (بمعنى الشرك بالله) فلن يقبل منه في الآخرة.

وعلى عكس أهل الكتاب عندما يدرك الذين كفروا الحقيقة يودون لو كانوا مسلمين “رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3)” الحجر

الخاتمة:

نخلص من هذا إلى أن “الإسلام” هو جوهر كل الرسالات السماوية في جانبها العقدي (التوحيد)، بينما تعددت الشرائع لتناسب تطور البشرية حتى اكتملت بالشريعة المحمدية الخاتمة التي استوعبت الزمان والمكان.

إن وحدة الدين في الإسلام تعني وحدة العقيدة، واختلاف الشرائع لا ينفي هذا الأصل المشترك في وحدة العقيدة.

شارك المقال: