أزمة مصنع بيبي كوكا بالإسكندرية تتصاعد: 1200 عامل في مواجهة الفصل المفاجئ
أضافت المتحدثة الإعلامية باسم المفوضية أن الأزمة الراهنة تكشف عن خرق صريح لأحكام قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025، مشيرةً إلى المواد 104 و108 و111
فصل وتشريد اكثر من 1200 عامل في مصنع بالإسكندرية
شبهات «تضارب مصالح» برلمانية
تفجرت أزمة عمالية حادة في منطقة أبيس بمحافظة الإسكندرية، عقب الإغلاق المفاجئ لمصنع «بيبي كوكا – هيلا» للملابس الجاهزة، وهو ما ترتب عليه حالة من الغموض الشديد حول مصير نحو 1200 عامل وعاملة وجدوا أنفسهم مهددين بفقدان مصدر دخلهم الوحيد وسط قرارات فصل جماعي وصفتها منظمات حقوقية بـ”التعسفية”
الأزمة التي بدأت ملامحها تتبلور مع مطلع شهر نوفمبر الجاري، لم تتوقف عند حدود النزاع العمالي التقليدي، بل اكتسبت أبعاداً سياسية وحقوقية معقدة، بعد توثيق شهادات حول استخدام القوة لفض احتجاجات العمال السلمية، إلى جانب ورود اسم نائبة بارزة عن حزب الأغلبية في البرلمان المصري ضمن وثائق إدارة المنشأة المتعثرة.
كواليس الإغلاق المفاجئ: المستثمر يرحل والعمال في العراء
بحسب شهادات ميدانية تلقتها ووثقتها المفوضية المصرية للحقوق والحريات، بدأت الأزمة عقب انتهاء عقد المستثمر الحالي والمستأجر الأجنبي للمصنع (مجموعة هيلا)، وخروجه من المنشأة بشكل مفاجئ دون إخطار مسبق للعاملين.
تفاجأ العمال صباح الأحد (1 نوفمبر 2026) بإغلاق أبواب المصنع بالكامل، بالتوازي مع تأخر صرف أجور شهر أكتوبر المنصرم. ووفقاً للبيانات المرصودة، قامت الإدارة بوضع 200 عامل من قوة شركة «بيبي كوكا» الأصلية في إجازات مفتوحة، في حين صدرت قرارات فصل تعسفي مباشر بحق 1200 عامل تابعين لخطوط تشغيل «هيلا»
أفاد العمال بأن مكتب العمل نقل إليهم عرضاً اقتصر على استعداد الإدارة لصرف أجر الشهر الجاري فقط، دون أي تسويات مادية لسنوات الخدمة السابقة، أو تسديد الاشتراكات التأمينية المتوقفة منذ عام كامل، فضلاً عن رفض الإدارة استكمال إجراءات إنهاء اشتراكاتهم وتسليمهم “استمارة 6” التي تمكنهم قانوناً من الانتقال إلى فرص عمل أخرى.
تصعيد أمني في مواجهة “الصرخات السلمية”
أمام التهديد المباشر لأمنهم الاجتماعي، لم يجد العمال سبيلاً سوى الدخول في اعتصام سلمي أمام أسوار المصنع للمطالبة بفتح المنشأة وصرف الأجور المتأخرة. إلا أن الاحتجاجات قوبلت بتدخل أمني صارم.
نقلت المفوضية الحقوقية شهادات وصفتها بـ”الخطيرة” حول تعرض عاملات للاعتداء والتفتيش الذاتي بالقوة على أيدي عناصر نسائية من الشرطة، وفرض قيود على مغادرة العمال لساحة المصنع لإجبارهم على التفرق لمنع استمرار تجمعهم.
وتضمنت الشهادات واقعة سقوط عاملة مسنة أرضاً وإصابتها بنوبات تشنج جراء التدافع الأمني، وسط مطالبات بفتح تحقيق عاجل ومستقل من النيابة العامة وتفريغ كاميرات المراقبة المحيطة بالموقع.
خروقات دستورية وقانونية بجملة
في قراءة قانونية للمشهد، أكدت أسماء زيدان، المتحدثة الإعلامية باسم المفوضية المصرية للحقوق والحريات، في تصريحات خاصة، أن الوقائع المبلغ عنها من موقع المصنع—حال ثبوتها—تمثل إخلالاً جسيماً بالضمانات الدستورية الصارمة.
وأوضحت “زيدان” أن إدارة المنشأة ضربت بعرض الحائط المواد 12 و13 و17 و51 و60 و73 من الدستور المصري، وهي المواد اللصيقة بحماية الحق في العمل، وحفظ الكرامة الإنسانية، وحرمة الجسد، وكفالة الحق في الاحتجاج والتجمع السلمي.
وأضافت المتحدثة الإعلامية باسم المفوضية أن الأزمة الراهنة تكشف عن خرق صريح لأحكام قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025، مشيرةً إلى المواد 104 و108 و111 التي تلزم أصحاب الأعمال بالحد الأدنى للأجور وأداء المستحقات في مواعيدها دون تباطؤ.
كما شددت “زيدان” على أن المادة 11 من القانون نفسه تكفل بشكل قاطع استمرار عقود العمل وعدم سقوط التزامات الإدارة تجاه العمال نتيجة انتقال المنشأة أو إعادة هيكلتها، لافتةً في الوقت ذاته إلى أن المواد من 236 إلى 240 تحظر تماماً اللجوء إلى “الإغلاق الاقتصادي” كحيلة للالتفاف على منازعات العمل الجماعية وتشريد العمالة، فضلاً عن تهرب الشركة من مواعيد سداد اشتراكات التأمينات الاجتماعية وفقاً للمادة 121 من قانون المعاشات رقم 148 لسنة 2019.
الحصانة البرلمانية وتحت مقصلة “تضارب المصالح”
البعد الأكثر إثارة للجدل في القضية يتمثل في ارتباط شركة «بيبي كوكا» بالنائبة شيرين عيسى عليش، عضو مجلس النواب عن حزب «مستقبل وطن» (حزب الأغلبية) والأمين المساعد لأمانة المرأة المركزية بالحزب؛ حيث يظهر اسم النائبة رسمياً ضمن القائمين على رئاسة مجلس إدارة الشركة في بيانات المجلس التصديري للملابس الجاهزة
ويرى مراقبون وحقوقيون أن اجتماع المسؤولية التشريعية للنائبة مع مصالح منشأة اقتصادية تواجه اتهامات صريحة باختراق القوانين يطرح تساؤلات مشروعة حول “المساءلة العامة وتضارب المصالح”
وطالبت المنظمات الحقوقية البرلمان المصري بضرورة التدخل لفحص الشبهات، لضمان ألا تتحول الحصانة السياسية أو النفوذ الحزبي إلى أداة لتعطيل استقلال الجهات الرقابية أو إعفاء المنشأة من الالتزام بالقوانين.
خريطة المطالب العمالية والحقوقية
اختتمت الدوائر الحقوقية تقريرها برفع حزمة مطالب عاجلة إلى السلطات التنفيذية والتشريعية شملت:
1– وزارة العمل: التدخل الفوري عبر مديرية العمل بالإسكندرية لفتح تحقيق ميداني وإلزام الإدارة بفتح المصنع وإبطال قرارات الفصل والإجازات القسرية.
2- النيابة العامة: فتح تحقيق مستقل في وقائع الاعتداء على العاملات وضمان عدم ملاحقة المعتصمين سلمياً.
3– هيئة التأمينات: فحص سجلات المنشأة وتحصيل الاشتراكات المتأخرة منذ عام لضمان حقوق العمال بأثر رجعي.
4– مجلس النواب: إلزام النائبة شيرين عليش بتوضيح موقفها القانوني والإداري من القرارات الأخيرة تفادياً لشبهات استغلال النفوذ.
حتى لحظة تحرير هذا التقرير، لم يصدر أي بيان رسمي من وزارة العمل أو تعليق من حزب مستقبل وطن حول الإجراءات المتخذة لتسوية الأزمة، ليظل مصير 1200 أسرة مصرية معلقاً بين جدران مصنع مغلق بـ”الجنزير” ووعود تسوية مؤجلة.
شاركنا برأيك