مقرر أممي: الاحتلال الإسرائيلي يقوّض حق الفلسطينيين في التنمية وتقرير المصير
استناداً إلى تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة لعام 2025، تعرض جزء كبير من الغطاء النباتي في القطاع للتدمير، بما يهدد الاستدامة البيئية ويحد من إمكانات التعافي وإعادة الإعمار.
تدمير المباني في فلسطين
حذر مقرر الأمم المتحدة الخاص المعني بالحق في التنمية، سوريا ديفا، من التداعيات العميقة للاحتلال الإسرائيلي على مختلف جوانب حياة الشعب الفلسطيني.
مؤكداً أن استمرار السيطرة على الأرض والموارد، إلى جانب الهجمات العسكرية والقيود المفروضة على الحركة، يحول دون تمتع الفلسطينيين بحقهم في التنمية وتقرير المصير،
ويقوض فرص إقامة نظام اقتصادي واجتماعي قادر على توفير حياة كريمة للأجيال الحالية والمقبلة.
وقال ديفا، خلال إحاطة قدمها أمام لجنة الأمم المتحدة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف في نيويورك يوم 29 تشرين الأول/أكتوبر 2026، إن الاحتلال لا يستهدف النتائج الاقتصادية والتنموية فحسب،
بل يضرب جوهر الحق في التنمية، الذي يرتبط بالتحرر من الاستعمار السياسي والاقتصادي وإقامة نظام دولي أكثر عدالة وإنصافاً.
وأوضح المقرر الأممي، في إحاطته التي حملت عنوان «الكرامة الإنسانية تحت الضغط: العواقب الإنسانية والحقوقية في الأرض الفلسطينية المحتلة»، أن الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني يحرم الفلسطينيين من ممارسة حقهم في تقرير المصير،
ويمنعهم من تحقيق تنمية شاملة تشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.
وأضاف أن الهجمات الإسرائيلية المطولة والعشوائية على قطاع غزة، والتي طالت المدنيين بمن فيهم النساء والأطفال،
أسفرت عن سقوط آلاف الضحايا، فضلاً عن التداعيات النفسية والصحية التي يواجهها الناجون، بما ينعكس سلباً على قدرتهم على استعادة حياتهم والمشاركة في بناء مستقبلهم.
تدمير البنية التحتية وتقويض مقومات الحياة
وتتجاوز آثار العمليات العسكرية، وفقاً للإحاطة، الخسائر البشرية المباشرة، لتشمل تدمير البنية التحتية والمساكن وتعطيل الخدمات الأساسية، في ظل استمرار القيود على الحركة والتوسع الاستيطاني والتهجير القسري والاستيلاء على الممتلكات.
وأشار ديفا إلى أن نحو 80% من إجمالي المنشآت في قطاع غزة تعرضت للتدمير أو الأضرار، الأمر الذي جعل الحق في السكن من أكثر الحقوق تضرراً،
فيما أصبح الحصول على الغذاء امتيازاً مرتبطاً بإرادة القوة القائمة بالاحتلال، بدلاً من كونه حقاً أساسياً ينبغي ضمانه للجميع.
ولفت إلى أن القصف المستمر لأكثر من عامين ألحق أضراراً واسعة بإمكانية الوصول إلى الخدمات العامة،
وفي مقدمتها المياه والصرف الصحي والرعاية الصحية، ما أدى إلى تفاقم الظروف المعيشية وتقويض قدرة السكان على تلبية احتياجاتهم الأساسية.
وفي السياق ذاته، أوضح أن تشديد القيود على حركة الفلسطينيين أسهم في ارتفاع معدلات البطالة وتراجع الدخول واتساع رقعة الفقر في مختلف أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة،
مشيراً إلى أن الاعتداءات لم تقتصر على المنشآت المدنية، بل طالت أيضاً مصادر الرزق والموارد الطبيعية.
وذكر أن نحو 90% من أشجار الزيتون في غزة، التي يبلغ عددها قرابة مليوني شجرة، تعرضت للتدمير، بالتزامن مع استمرار اعتداءات المستوطنين الإسرائيليين على مزارعي الزيتون في الضفة الغربية، الأمر الذي يهدد أحد المصادر الحيوية للدخل والمعيشة لدى العائلات الفلسطينية.
كما حذر من التداعيات البيئية طويلة الأمد للهجمات على قطاع غزة، مشيراً إلى تلوث البيئة وتدهور التربة والمياه والأراضي،
واستناداً إلى تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة لعام 2025، تعرض جزء كبير من الغطاء النباتي في القطاع للتدمير، بما يهدد الاستدامة البيئية ويحد من إمكانات التعافي وإعادة الإعمار.
وأكد أن الحق في التنمية لا يقتصر على تحقيق معدلات النمو أو تحسين المؤشرات الاقتصادية،
وإنما يشمل أيضاً ضمان مشاركة السكان في القرارات التي تحدد مستقبلهم، وهو ما قال إن الفلسطينيين حُرموا منه في الخطط المتعلقة بالسلام والحوكمة وإعادة الإعمار.
وفي هذا الإطار، اعتبر أن الخطط المقترحة في إطار «مجلس السلام» تمثل مثالاً على غياب المشاركة الفلسطينية الفاعلة والحرة وذات المغزى،
مشدداً على أن أي عملية تنموية أو إعادة إعمار لا يمكن أن تحقق أهدافها من دون إشراك أصحاب الأرض في تحديد أولوياتها واتخاذ القرارات المتعلقة بها.
خمس أدوات أممية لضمان الحق في التنمية
وطرح المقرر الأممي خمس أدوات رئيسية يمكن توظيفها لإعمال حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني، مستنداً إلى إعلان الأمم المتحدة بشأن الحق في التنمية الصادر عام 1986، ومؤكداً ضرورة تحويل الالتزامات القانونية الدولية إلى إجراءات عملية.
وتتمثل الأداة الأولى في ضمان حق الفلسطينيين في تقرير المصير والسيادة الكاملة على ثرواتهم ومواردهم الطبيعية، من خلال إنهاء الاحتلال الإسرائيلي،
إلى جانب توحيد الجهود الدولية لتحقيق حل الدولتين، باعتباره المسار الذي يتيح تعايش دولتين متساويتين في السيادة ويمهد لسلام مستدام في المنطقة.
أما الأداة الثانية، فتتعلق بإنهاء الفصل العنصري وجميع أشكال التمييز العنصري التي يتعرض لها الفلسطينيون، وفقاً للمادة الخامسة من إعلان الحق في التنمية، والتي تضع على عاتق الدول التزامات بمواجهة هذه الممارسات.
وتتمثل الأداة الثالثة في تعزيز نزع السلاح وإعادة توجيه الموارد التي تُنفق على الحروب نحو التنمية الشاملة، استناداً إلى المادة السابعة من الإعلان.
ودعا ديفا الدول إلى الانتقال من تمويل ما وصفه باقتصادات الحرب إلى الاستثمار في اقتصاد السلام، بما يتيح توجيه الموارد نحو تحسين الظروف المعيشية وتعزيز الاستقرار.
وفيما يتعلق بالأداة الرابعة، شدد على أهمية التعاون الدولي باعتباره عنصراً محورياً في إعمال الحق في التنمية،
داعياً الدول إلى تنسيق جهودها لإنهاء الاحتلال، ومنع استمرار الإبادة الجماعية، وضمان مساءلة جميع المسؤولين عن ارتكاب الجرائم الدولية.
أما الأداة الخامسة، فتتمثل في جبر الأضرار وإعادة إعمار قطاع غزة، إذ أكد أن إسرائيل والدول الأخرى التي تسببت في تدمير القطاع أو أسهمت فيه تتحمل مسؤولية إصلاح الأضرار وإعادة البناء،
مع ضرورة ضمان مشاركة الفلسطينيين الفاعلة والحرة وذات المغزى في القرارات المتعلقة بهذه العملية.
مسؤولية دولية تتجاوز إعادة الإعمار
وفي ختام إحاطته، أكد ديفا أن الحق في التنمية حق إنساني أصيل وغير قابل للتصرف، ولا يفقد الشعب الفلسطيني استحقاقه له نتيجة الانتهاكات المنهجية التي يتعرض لها من جانب القوة القائمة بالاحتلال.
وشدد على أن إسرائيل والدول الأخرى تتحمل التزامات قانونية تقتضي تهيئة الظروف اللازمة لتمكين الفلسطينيين، بمن فيهم الأجيال المقبلة، من التمتع بحياة كريمة وبجميع حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
وتعكس الإحاطة الأممية مقاربة تتجاوز التعامل مع الأزمة الفلسطينية باعتبارها أزمة إنسانية طارئة أو ملفاً يقتصر على توفير المساعدات وإعادة بناء المنشآت المدمرة،
لتربط بين التنمية والاستقلال والسيادة على الموارد والمشاركة السياسية والمساءلة الدولية.
وبموجب هذه المقاربة، لا يمكن تحقيق تعافٍ مستدام في الأراضي الفلسطينية من دون معالجة الأسباب البنيوية التي تعيق التنمية، وفي مقدمتها الاحتلال والقيود الاقتصادية والاستيطان والتهجير،
فضلاً عن ضمان حق الفلسطينيين في المشاركة في صياغة مستقبلهم.
وبذلك، يضع المقرر الأممي مسؤولية تحقيق التنمية الفلسطينية ضمن إطار الالتزامات الدولية المشتركة،
مؤكداً أن إعادة الإعمار وحدها لا تكفي ما لم تقترن بإنهاء الظروف التي أدت إلى التدمير، وضمان الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية للشعب الفلسطيني.
شاركنا برأيك