علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
أحمد علام
أحمد علام

كاتب وسياسي

أحمد علام يكتب: حين يحتاج الدولار إلى القنبلة

كلما استُخدم الدولار كسلاح، أثبت قوته اليوم وأعطى الآخرين سببًا للخوف منه غدًا، وكلما استُخدم الجيش لإجبار الخارج عن النظام على العودة إليه، أصبح الاستقلال عن ذلك النظام أكثر إغراءً للآخرين.

مشاركة:
حجم الخط:

في 20 سبتمبر 2026، اختصر دونالد ترامب خيارات إيران في ثلاث:

المحو، أو التعفن الاقتصادي، أو الصفقة.

هذه ليست مجرد غطرسة وفظاظة لغوية، إنها، من حيث لا يقصد ربما، صياغة مكثفة لمنطق الهيمنة نفسه:

اقبل شروط النظام، أو نستخدم النظام المالي لخنقك، أو نستخدم القوة العسكرية لتحطيمك.

من هنا يصبح السؤال الحقيقي:

حين تتحول المحافظة على النظام من الإغراء إلى العقوبة، ومن الصفقة إلى التهديد بالمحو، هل نكون أمام ازدياد القوة أم ازدياد تكلفة الحفاظ على الهيمنة؟

الولايات المتحدة ما زالت أقوى دولة في العالم، لكن القوة شيء، وكلفة إعادة إنتاج القوة شيء آخر.

الدائرة الأمريكية للقوة

لم تقم الهيمنة الأمريكية على حاملات الطائرات وحدها، قامت على دائرة شديدة الذكاء بعد الحرب الثانية:

الدولار ← التمويل ← التكنولوجيا ومصانع السلاح ← الجيش والتحالفات ← حماية النظام العالمي ← الدولار.

العالم يحتفظ بالدولار، الدولار يمول التكنولوجيا والسلاح.

السلاح لا يسلح الجيش الأمريكي فقط، بل يربط عشرات الجيوش بمنظومة أمريكية من التدريب والصيانة والذخائر والبرمجيات فتتوسع التحالفات.

التحالفات والقواعد والأساطيل تحمي النظام التجاري والمالي الذي يحتل الدولار قلبه.

تعود الدورة إلى نقطة البداية (الدولار)

حتى اليوم ما زال الدولار يمثل نحو 57% من الاحتياطيات الرسمية العالمية، فيما تستحوذ الولايات المتحدة على نحو 42% من صادرات الأسلحة الكبرى عالميًا. أي أن الدائرة ما زالت تعمل.

لكن المشكلة تبدأ عندما تظهر مخارج من الدائرة.

حين يحتاج الدولار إلى القنبلة

يكفي أن تظهر بدائل جزئية، مصدر تمويل آخر، عملة أخرى لبعض التجارة، سلاح من مورد آخر، سوق أخرى، ممر تجاري آخر.

تحالف لا يمر بواشنطن.

كل بديل صغير يخفض قليلًا قدرة أمريكا على فرض شروطها، الدولة الصغيرة التي كان أمامها مشترٍ واحد أصبحت أمام عدة مشترين، وهذا وحده يرفع سعر إخضاعها.

هنا تبدأ الدائرة الأمريكية بالدوران في الاتجاه المعاكس:
تعدد البدائل ← ارتفاع قدرة الدول على المساومة ← ارتفاع تكلفة الحفاظ على النفوذ ← عقوبات وضغوط وتهديدات أكبر ← خوف أكبر من الاعتماد على النظام الأمريكي ← بحث أسرع عن البدائل.

تلك هي المفارقة، كلما استُخدم الدولار كسلاح، أثبت قوته اليوم وأعطى الآخرين سببًا للخوف منه غدًا، وكلما استُخدم الجيش لإجبار الخارج عن النظام على العودة إليه، أصبح الاستقلال عن ذلك النظام أكثر إغراءً للآخرين.

الأخطر أن أوروبا نفسها بدأت تفهم الرسالة

قبل أربعة أيام فقط من تهديد ترامب لإيران، وقفت أورسولا فون دير لاين أمام البرلمان الأوروبي لتعلن أن (أوروبا أقوى وأكثر استقلالًا بدأت في الظهور)، وأن (مصير أوروبا يجب أن يبقى في أيدي الأوروبيين).

لم تكن تتحدث عن روسيا وحدها، تحدثت عن الاستقلال الصناعي، والمواد الخام، والتكنولوجيا، والطاقة، والدفاع، والحدود.

قالت إن اعتماد أوروبا الذي يتجاوز 80% على الصين في كثير من المواد الخام الحرجة خطر على استقلالها وأمنها.

الأهم أنها، رغم مواصلة شراء منظومات أمريكية، قالت صراحة إن أوروبا تحتاج إلى تقليل اعتمادها على مورد واحد، ودعت إلى بناء أنظمة دفاعية وقدرات صناعية أوروبية أوسع.

هذا تطور بالغ الدلالة.

مشكلة واشنطن لم تعد فقط أن الخصوم يريدون الاستقلال عنها

حتى الحلفاء الكبار بدأوا يسألون:
ماذا لو احتجنا إلى القدرة على العمل من دونها؟ هذا أخطر على الهيمنة من خطاب روسي أو إيراني.

ترامب لا ينسحب من العالم، ترامب يفهم هذا التدحرج بطريقته، لذلك يجمع بين شيئين يبدوان متناقضين: الانغلاق القومي في الداخل، والخشونة في الخارج.

رسوم جمركية، إعادة الصناعة تشديد الحدود، حماية التكنولوجيا، تقليل الاعتماد على الخارج.

في المقابل: تهديدات، عقوبات، ضغط على الحلفاء، وحرب حين يرى أنها ضرورية إنه لا يريد التخلي عن الهيمنة إنه يريد خفض تكلفة الداخل وإجبار الخارج على دفع تكلفة أكبر لاستمرارها.

من هنا يمكن فهم الترامبية لا باعتبارها نهاية الإمبراطورية الأمريكية، بل باعتبارها محاولة لإعادة تسعيرها

الحليف: ادفع أكثر، المنافس: تراجع، الدولة الصغيرة: اختر موقعك، والخصم الذي يرفض: صفقة، أو خنق، أو محو.

إيران ليست الهدف الوحيد، إيران مهمة ليس فقط بسبب النفط أو البرنامج النووي، هي مهمة لأنها تقول شيئًا أخطر:

يمكن لدولة خارج المنظومة الأمريكية أن تبقى، وأن تتحالف مع قوى أخرى، وأن تؤثر في ممرات التجارة والطاقة، وأن ترفض الشروط الأمريكية.

لهذا تصبح معاقبتها رسالة تتجاوز طهران، كذلك فنزويلا، كذلك العقوبات، وكذلك الرسوم.

القضية ليست مجرد تغيير سلوك دولة.

القضية هي منع انتشار الاعتقاد بأن الخروج من المظلة الأمريكية أصبح ممكنًا ورخيصًا.

لكن هنا يقع الفخ، السلاح يستطيع تدمير مدينة، ولا يستطيع صناعة عملة احتياط.

العقوبات تستطيع خنق اقتصاد، ولا تستطيع منع خمسين دولة من البحث عن نظام دفع آخر.

حاملة الطائرات تستطيع فتح ممر بحري، ولا تستطيع إجبار العالم إلى الأبد على أن يرى مصالحه من خلال واشنطن.

هذه هي الحدود التي تصطدم بها القوة الصلبة

فالهيمنة في أفضل حالاتها لا تحتاج إلى صراخ، الآخرون يدخلون النظام لأن الدخول فيه مربح، يحتفظون بعملتك لأنهم يثقون بها، يشترون سلاحك لأنه الأفضل، يدخلون تحالفك لأنه يحميهم.

أما حين تتحول الرسالة إلى: استخدم نظامي وإلا عاقبتك، اقبل الصفقة وإلا أخنقك، اخضع وإلا أمحوك، فالقوة لم تختفِ، لكن تكلفة إنتاج الطاعة ارتفعت.

هنا بالضبط يكمن معنى خطاب ترامب.

ليس السؤال: هل تستطيع الولايات المتحدة إلحاق دمار هائل بإيران؟

بالتأكيد تستطيع.

السؤال هو:
لماذا أصبحت تحتاج إلى التهديد بالمحو لكي تحافظ على نظام كان العالم قبل ثلاثة عقود يتدافع للدخول إليه؟

ربما لهذا كان خطاب أورسولا قبل أيام أكثر دلالة من تهديدات خصوم أمريكا.

فحين قالت روسيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة إنها تريد عالمًا متعدد الأقطاب، فهذا متوقع، وحين تقول إيران في المحفل ذاته إنها ترفض الهيمنة، فهذا واقعها وحين تقول الصين من نفس المنصة إنها تريد نظامًا عالميًا جديدًا، فهذا طبيعي.

أما حين تقف رئيسة المفوضية الأوروبية، قلب المعسكر الغربي، لتقول:

أوروبا يجب أن تصبح أقوى وأكثر استقلالًا، ومصيرها يجب أن يبقى في أيدي الأوروبيين، فهنا يجب على واشنطن أن تستمع جيدًا.

لأن الهيمنة لا تبدأ في الانكماش حين يكرهك خصومك، بل حين يبدأ حلفاؤك في بناء القدرة على الاستغناء عنك، هنا تصبح القنبلة مشكلة أكثر مما تكون حلًا.

فكلما ارتفع صوت التهديد، ربما كان السؤال الذي يحاول إسكاته أعلى:

هل ما نشاهده فائضًا في القوة الأمريكية، أم بداية عصر أصبحت فيه المحافظة على تلك القوة تستهلك منها أكثر مما تعيد إنتاجه؟

شارك المقال:

شاركنا برأيك