مقالات

في وداع سيف الإسلام القذافي

اليوم وأنا أرى ذلك المشهد الشعبي في وداعه، أدركت أن ليبيا لا ترثي شخصًا فقط، بل ترث فرصة لم تكتمل

مشاركة:
حجم الخط:

حين تتقدّم الذاكرة على السياسة

لم يكن المشهد عاديًا.. جنازة مهيبة، بحر من الوجوه، صمتٌ ثقيل لا تصنعه البروتوكولات بل تصنعه القلوب حين تُفاجَأ بالفقد.. هالني ذلك الحب الجارف، ذلك الحضور الشعبي الكثيف، كأن ليبيا – بكل تناقضاتها وجراحها – قررت في تلك اللحظة أن تقول كلمتها الأخيرة.

لم أرَ في ذلك المشهد رجلًا واحدًا فقط يُوارى الثرى، بل رأيت زمنًا يُشيَّع، وذاكرة تعود فجأة وبلا استئذان , عاد بي كل شيء إلى شتاء 2007 .. إلى بنغازي وطرابلس، حين التقيت سيف الإسلام القذافي شابًا مفعمًا بالحماس، سريع الكلام، متّقد الفكرة، يؤمن – أو هكذا بدا لنا – بأن ليبيا يمكن أن تُفتح على أفق آخر , كنّا هناك بسبب واحدة من أكثر القضايا إيلامًا في الضمير الإنساني: قضية الأطفال الذين حُقنوا غدرًا بفيروس الإيدز بصفتي خبيرًا إعلاميًا ضمن تلك الحملة، رأيت عن قرب كيف كانت تُدار المعركة: معركة إنسانية، أخلاقية، وسياسية في آن واحد.
التقينا الدكتورة عائشة القذافي، والتقينا سيف الإسلام، والتقينا العقيد معمر القذافي نفسه.


كان الملف ثقيلًا، والأنظار الدولية قاسية، لكن ما لا أنساه هو إحساس الشاب الذي كان سيف الإسلام آنذاك بأنه في مهمة، لا مجرد دور , لم يكن ملاكًا، ولم يكن شيطانًا , كان ابن مرحلة، وابن نظام، لكنه كان أيضًا ابن طموحٍ أراد أن يسبق زمنه , وفي السياسة، من يحاول أن يسبق الزمن غالبًا ما يدفع الثمن! اليوم وأنا أرى ذلك المشهد الشعبي في وداعه، أدركت أن ليبيا لا ترثي شخصًا فقط، بل ترث فرصة لم تكتمل، ومسارًا انكسر، وأسئلة لم تُجب.
ذلك الحب الذي انفجر في الشوارع لم يكن تبرئة، ولا إدانة، بل كان حنينًا إلى معنى الدولة، إلى الاستقرار، إلى زمن ظنّه البعض بداية إصلاح.
رحل سيف الإسلام، وبقي الجدل.
وبقيت الذكريات.
وبقي ذلك السؤال الليبي المؤلم: كم من الوجوه كان يمكن أن تُكتَب لها نهاية أخرى، لو أن البلاد اختارت طريقًا أقل قسوة؟
هذا ليس دفاعًا، ولا محاكمة .. إنه رثاء ذاكرة، وشهادة رجل التقى شابًا ذات شتاء بعيد، ثم رآه يُودَّع في مشهد لن تنساه ليبيا بسهولة.


رحم الله الفقيد،
ورحم ليبيا التي لا تكفّ عن دفن أبنائها… وأحلامها.

شارك المقال: