مقالات
أحمد عبد الجواد
أحمد عبد الجواد

إعلامي وكاتب وشاعر

مقامات الصوفية (24) مقام الرؤيا

يبرز إبراهيم عبد المجيد كأحد الكبار الذين استطاعوا تطويع مقام الرؤيا من خلال مزج التاريخ بالذاكرة بالواقعية التي لا تخلو من سخرية مريرة من تقلبات الزمن.

مشاركة:
حجم الخط:

تجليات الحقيقة في مرآة الواقعية الساخرة

في المسلك الصوفي لا تكتمل الرؤيا بمجرد النظر إلى جلال المشهد بل تتحقق حين يمتلك السالك القدرة على رؤية “المفارقة” الكامنة في صلب الوجود.

الرؤيا هنا ليست استغراقاً في الغيب فحسب بل هي قدرة باطنية على كشف الزيف الذي يغلف الواقع.

وحين تنتقل هذه الرؤيا إلى فضاء السرد الحديث نجدها تتجسد في أسمى صورها عبر “الواقعية الساخرة”؛ حيث لا تكون السخرية مجرد فكاهة عابرة بل هي “مشرط جراحي” يبتر الأقنعة ليرى جوهر الكينونة عارياً.

إن الكاتب الرائي في هذا المقام هو الذي يستخدم التهكم كأداة “كشف” ليرينا العالم في صورته الأكثر صدقاً ومرارة وجمالاً في آن واحد.

الرؤيا تكشف وحشية الإنسان 

يتجلى هذا المقام بأبهى صوره عند الروائي البرتغالي جوزيه ساراماجو وتحديداً في روايته “العمى”.

الرؤيا عند ساراماجو لا تتحقق بالإبصار بل بفقدانه؛ ففي عالم غرق في عمى أبيض مفاجئ تبرق “رؤيا” الكاتب لتكشف لنا وحشية الإنسان وهشاشة الحضارة التي يتباها بها.

السخرية الساراماجوية سخرية وجودية سوداء تضع القارئ أمام مرآة الحقيقة المرة.

ساراماجو لا يكتب قصة عن وباء بل يكتب “رؤيا” عن التعرية الروحية، حيث تصبح اللغة السردية بانسيابيتها المعهودة وسخريتها اللاذعة وسيلة لفض بكارة الواقع المستتر خلف الشعارات.

إنه يمارس “الرؤيا” عبر تفكيك المنطق البشري الزائف مبيناً أن الإبصار الحقيقي يبدأ حين نتوقف عن رؤية ما نريد رؤيته لنرى ما هو كائن بالفعل.

إبراهيم عبد المجيد وتطويع الرؤيا 

في المشهد السردي العربي يبرز إبراهيم عبد المجيد كأحد الكبار الذين استطاعوا تطويع مقام الرؤيا من خلال مزج التاريخ بالذاكرة بالواقعية التي لا تخلو من سخرية مريرة من تقلبات الزمن.

في أعماله مثل “لا أحد ينام في الإسكندرية” أو “البلدة الأخرى” نجد أن “الرؤيا” تتشكل من خلال رصد التحولات العميقة في روح المدينة وناسها.

إبراهيم عبد المجيد لا يكتفي بالرصد التاريخي بل يمتلك تلك “البصيرة” التي ترى في التفاصيل اليومية الصغيرة صراعاً أزلياً بين الروح والمادة.

السخرية عنده تظهر في المفارقات الصارخة بين أحلام الشخصيات وواقعها المحبط.

وهي سخرية “رؤيوية” بامتياز لأنها تفتح عين القارئ على أوجاع الروح المسكوت عنها خلف ضجيج المدن وزحام الحكايات.

الكتابة عنده هي فعل “استعادة” للرؤيا الضائعة وسط غبار التحولات السياسية والاجتماعية.

الواقعية الساخرة ومقام الرؤيا 

إن الربط بين “الواقعية الساخرة” ومقام الرؤيا يكمن في فكرة “تحطيم الأصنام الذاتية”.

الكاتب الساخر هو كاتب “رائي” بالضرورة لأنه لا يقبل بالظواهر ويمتلك الجرأة على السخرية من قداسة الزيف.

في هذا المقام يتحول النص إلى فضاء لـ “الهدم البناء”؛ حيث نهدم الصورة النمطية للعالم لكي نبني في وعي المتلقي رؤيا جديدة تتسم بالشفافية والصدق.

السخرية هنا هي “زهد” في الادعاء وهي تقابل “الفقر الصوفي” حيث يتجرد الكاتب من كل ثياب لغوية فضفاضة ليبقى فقط مع جوهر المأساة البشرية أو ملهاة الوجود.

هندسة الكتابة في المقام 

هندسة الكتابة في هذا المقام تقتضي نوعاً من “السلوك السردي” الذي يجمع بين الدقة المتناهية وبين التحليق في فضاء الرمز.

النص الرؤيوي الساخر هو نص لا يعطي مواعظ بل يمنح “صدمات معرفية”.

المنهج يعتمد على إبراز “اللامعقول” في صلب المعقول وتقديم “المقدس” في إطار الدنيوي لكي تبرق الحقيقة من خلال هذا التصادم بين الأضداد.

الكاتب هنا لا يطلب منك أن تضحك بل يطلب منك أن “تبصر” من خلال الابتسامة المكسورة صمت الوجود وجلال المعنى.

عندما يتجاوز الكاتب العالم 

عزيزي المبدع السالك إن مقام الرؤيا عبر بوابة السخرية هو مقام “الحرية القصوى”.

الكاتب الذي يستطيع السخرية من العالم هو الكاتب الذي استطاع تجاوزه وهو الذي بلغ درجة من “الكشف” تجعله يرى العالم كمسرح كبير للأطياف.

اجعل من سردك مرآة محدبة تظهر انحناءات الروح وعيوب الوجود لا لتشمت بل لتستجلي مكامن النور في العتمة.

إن الرؤيا الحقيقية هي التي تمنحنا القدرة على حب العالم رغم قبحه وعلى فهم الإنسان رغم تناقضه؛،وبذلك يصبح الأدب هو “الولاية الحديثة” التي تمنح السالكين بصيرة ترى ما وراء الحُجُب وتدرك ما لا تدركه أبصار العاديين

شارك المقال: