محمد كامل خضري يكتب: 5 يونية شهادتى على ما حدث
كانت تتحدث عن حتمية الحل الإشتراكى والإشتراكية العربية والمد الثورى و ديكتاتورية البرولتاريا ودور العمال والفلاحين فى النظام الإشتراكى والرأسمالية المستغلة

صورة من أرشيف 5 يونيو
كان أبى موظفا صغيراً فى مناجم الحديد والصلب فى أقصى الجنوب فى أسوان حيث كانت هناك دورات إجبارية تعقد للموظفين مدتها شهر فى المعهد الإشتراكى فى المدينة.
إقامة كاملة لايذهب الموظف فيها إلى عمله أو بيته وأولاده، كانت الندوات والمحاضرات كل يوم بما فيها الجمعة لم أكن فى عمرى الصغير أسأل لماذا كانت المحاضرات تعقد أثناء صلاة الجمعة!
كان أبى يزوغ من المحاضرات ويصلى الجمعة فهمت بعدها لماذا تأخر أبى فى الترقية!
د. أيمن منصور ندا يكتب: فن التلطيف والتخفيف (نكسة 67 نموذجا)
كمال مغيث يكتب: فى ذكرى هزيمة يونيو 1967
وعندما عاد أبى من الدورة كان ذابلا نحل جسمه قليلا
يبدو عليه الإرهاق، كان خط أبى جميلا .
قرأت أوراقه فى سجل محاضراته بعد أن إنتهت الدورة.
كانت تتحدث عن حتمية الحل الإشتراكى والإشتراكية العربية والمد الثورى و ديكتاتورية البرولتاريا ودور العمال والفلاحين فى النظام الإشتراكى والرأسمالية المستغلة والبرجوازية المتعفنة.
لم أكن أعرف الكثير عما أقرأ، أو قل لم أكن أفهمه ولكنه حب القراءة وسحر الكلمات فى عقل طفل دخل مغارة فأثارت فضول المعرفة لديه وهو لايدرك مخاطر رحلته ولامكاسبها.
كنت أذكر أن أبى لم يكن يهتم بالإتحاد الإشتراكى
على الرغم أنه كان يحمل كارنيه الإتحاد لكنه كان من الإجبار أن تكون عضوا فى اللجان الأساسية.
أبى كان من المصلين حفظة القرآن يحضر مواظبا دروس علماء الأزهر الذين يأتون لمدينتنا فى رمضان لإحياء لياليه.
الشيخ محمود شلتوت،الشيخ محمد بن فتح الله بدران ،والشيخ محمد أبوزهرة الذى عز على نفسه وعلى نفسى أنه بعد صلاة جمعة تأهب لإلقاء الدرس فبدأ الدرس بأن قال أتى اليوم الذى يحضر فيه لأبوزهرة فى درسه بضع من الناس!
كنت وأبى من هذا البضع !
أبو زهرة كما عرفت بعدها كان أستاذاً للحضارة الإسلامية فى جامعة القاهرة وكان الطلبة يتركون كلياتهم ومحاضراتهم ويذهبون لسماع محاضرة أبو زهرة لما للرجل من قيمة علمية وكاريزما شخصية،كان المدرج دائما مكتظا.
مرت أيام قليلة وإمتحنت إمتحان القبول الإعدادى أو هكذا كان يسمى فربما النجاح فيه يتيح لصاحبه الإنتقال للقبول فى مرحلة الإعدادى.
وقبل ظهور النتيجة رحلنا إلى الشمال حيث الريف فى (قفط) بلدتنا بعيدا عن جبال أسوان.
أرسل أبى لى النتيجة فى خطاب فرحت بها 255/300 وكنت الثانى على المدرسة”فصلان” فالأول خيرى 256/300 وأرسل لى بعضاً من درجات زملائى ومن مفاخرى أنى حصلت على 99فى الحساب.
وبعدها بأيام قامت الحرب
إفتقدت أسوان والأخبار من المطبوعات من الجرائد والمجلات والقراءة المجانية لهما عند محسب بائع الجرائد الشهير نظير أن (أخلى بالى من الفرش) لدقائق قد تطول.
فالمصدر الوحيد للأخبار فى قريتى هو راديو جدتى وأنا هنا بين زراعات الدرة الرفيعة”القيضى” وحقول القطن.
فقد كنت مهتما بالسياسة طول عمرى
وأول بنت سمحت لى بالتعارف معها فى الجامعة كان حديثى معها فى السياسة (بعدها أصبحت تتلاشانى)
فى التاسعة يوم الإتنين سمعت أول بيان عسكرى بأن العدو هجم علينا بطائراته وقد أسقطنا منها عدداً كبيرا “24” طائرة على ماأذكر.
فأخرج فرحا وأهيص مع نفسى وكأننى المشجع الوحيد للفريق.
فلا أحد من الفلاحين المنتشرين فى الحقول يلقى بالا لبشراى ولا بسقوط الطائرات فكيف لهم ذلك وأنا الذى أكتب لهم خطاباتهم وأقرأه!
عدت إلى الراديو فوجدت أن العدد دائما فى إزدياد”تعلمت بعدها إنى ماأكلش من كلام الإعلام”
فرحت كما لم أفرح بنجاحى.
هانت سنلقى إسرائيل فى البحر سيقود الزعيم لودر كبير ويغرفها ويلقيها!
فى المساء سمعت العم حمدان فى إذاعة إسرائيل الموجهة بالعربية!
إنه يقول كلاما مختلفاً عما نسمعه فى إذاعتنا.
كنت أحب أسمع إذاعة إسرائيل لأن إرسالها يصل بوضوح ثم إنها تذيع من الساعة ستة ونص للساعة سبعة أغنية لأم كلثوم بعد حديث العم حمدان.
تانى يوم وجدت العم حمدان يذيع رسائل الأسرى المصريين بأصواتهم.
فلان الفلاني، رتبتى كذا، من محافظة كذا، مركز كذا، الكفر الفلاني، معلومات موثقة ولكن كنت أكذب أذنى.
ولكن تساءل الناس فى بلدتنا عن آبائهم وأبنائهم فقد إنقطعت الأخبار عنهم وهم عمال العريش وعمال شركة المنجنيز التى تعمل فى سيناء وجلهم من بلدتنا،أهلى وأرحامى.
وجاء يوم الجمعة الراديو يقول أن هناك بيان هام
واليوم كله الراديو لايذيع إلا مارشات عسكرية.
لم أفارق الراديو كان عمرى وقتها 12 عاما بالتمام، كنت فى إنتظار البيان الهام للزعيم، وجاء البيان وأعترف الزعيم بالهزيمة وتنحيه وعودته إلى صفوف الشعب!
فى 48 نكبة وفى 67 نكسة كان الله فى عون هذه الأمة !
وغنت إسرائيل طربا بصوت أم كلثوم (الليلة عيد)
وأصبحت تعيد فيها وتزيد بين فقراتها الإذاعية.
فقد إحتلت القدس ومابقى من الضفة وأصبحت بكاملها شرقها وغربها تحت الإحتلال.
كم كرهت هذه الأغنية بسبب ذكراها السيئة فقد كنت أسمعها لأول مرة من صوت إسرائيل من أورشليم والقدس وفى يوم إعتراف الزعيم بالهزيمة!
الذى يصنع الجمال فى الأشياء ذكراها!
ستارة سوداء أسدلت على مصر كلها فى تلك الأيام.
المهاجرون من مدن القناة ملأوا قريتنا وكل قرى مصر ومدنها إحتلوا المدارس والشوارع والمساجد وعرفنا من يومها مدارس الفترتين ومضى إلى غير رجعة اليوم الدراسى الكامل فى مدارس الحكومة حدثنا المهاجرون عن حالة هلع.
أصابت الجند والقادة وأصابت الناس كلهم فالخوف معدى كالضحك تماما.
حدثونا عن الهلع بين الناس فى مدن القناة والهرب للجند من سيناء فمن كان يعرف السباحة عاد ومن لم يعرف غرق فى القناة أو مات عطشا فى تيه سيناء أو حرقا بنيران عدو لايرحم.
وسألت من سأل الجند الفارين لماذا الفرار ؟!
قالوا لقد ذهبنا للجبهة بجلابيبنا وأعطونا المخلة التى تحوى ملابسنا فلم نتدرب على سلاح أو نحمل سلاح إلا قصقوصة ورقية فيها عنوان كتائبنا!
حشدونا حشدا كما أنفار نقاوة لطعة الدودة من أوراق القطن حتى الملابس الميرى كانت علينا مضحكة فقد لبسناها بدون تقييف، نحن لم نكن ذاهبين لحرب كنا ذاهبين للتهويش والمنظرة!
رجال المنجنيز فى محاجر ومناجم سيناء لم يعد منهم أحد حتى يروى لنا ماحدث.
قرأت بعدها كيف كان مصرعهم فى مذكرات أحد قادة يهوذا تجمعوا فى سيارات النقل وقوفا محشورين يريدون النجاة من أهوال الحرب لكن أطلق عليهم الصهاينة النار من بنادقهم.
أوبزخات من طائرات تشبه طائرات رش المبيدات، مدنيين عزل ولكن لابأس فى قليل من التسلى قال الراوى الإسرائيلى شاهد أحدى الوقائع.
لم يسقط أحد من العمال من العربات ولامال ولكن الدماء تدفقت من كل فتحات الصندوق ومات جميع الرجال وقوفا نزفوا حتى آخر قطرة ولكنهم لم يسقطوا ماتوا كحزمة قصب نبتت فى واديهم كالأشجار ماتوا واقفين !
وتضاعف عدد سكان القرية وتضاعفت الأسعار وحكى لنا القادمون عن حرائق الزيتية وشركات البترول فى السويس وتكدس القطارات والسيارات والعربات التى تجرها الدواب بالبشر.
تهجير العراقيون والسوريون هذه الأيام شبيه بتهجير مدن القناة أيامها.
تخيل أنك تترك بيتك ومالك وشقى عمرك وتأخذ أولادك وتفر لاتعرف إلى أين لأنك تهرب من الموت فلاوقت لديك للتفكير…
مصر أصبحت حزينة من يومها ولم تعد مصر كما كانت ولن تكون.
السؤال الكبير الذى أحتاج إجابة عنه لماذا تتحلل الجيوش العربية بسرعة وتذوب كما تذوب قطع الشيكولاتة عند أول عود كبريت يشتعل فى سماء الحرب ويخلعون الأفرولات ويلبسون الجلاليب لماذا؟!
ويذوبون كما تذوب قطعة السكر عندما تسقط فى الماء!
ومن يومها وأنا حزين
قد نختلف مع السادات أو نتفق لكنه أنقذ مصر وأعاد لها بعضا من ثقتها فى نفسها.
ظلت (قفط) مدة طويلة تلبس ملابس الحداد فقد ترملت النساء فلبسن السواد حتى خرق القماش التى تحمى النساء من دماءهم الشهرية كانت سوداء ما أصعب أيام الحداد وحزن النساء فى بلادى.
وأكلنا بعدها العيش المسوس وخبزنا الدقيق العطن وفصلنا الديدان عنه بالمناخل حتى نقدر على أكله آه والله هذا ماحدث فى أسوان.
مساكين أهل الصعيد أول من يقدم الدم وأول من يطفح الدم وأول من يعيش بالأمل ممزوجا بالدود والسوس والعطن ثم يستخسرون فينا الكفن ويبيعون لنا المقبرة !
مرت الأيام وقال المؤرخون أن الجيش ترك وراءه فى سيناء مايزيد عن 100مليار جنيه بقيمة تلك الأيام سلاح.
وأزيد أن المناجم والسكك الحديد الممتدة من الإسماعيلية للعريش وقبل نكبة 48 كانت ممتدة إلى فلسطين، قضبانها إستعملها اليهود فى بناء خط بارليف.
ناهيكم عن المبانى التى خربت والبترول الذى نهب يضاعف المبلغ أضعافا.
5 يونية كانت مذبحة للأبرياء وإنتهاك لعرض الوطن وضياع لثروة الأمة قلبت أحوالنا رأسا على عقب.
ياولدى هذه البلاد
لايحكمها الجند فمكانهم فى الثغور والثكنات
ولا يحكمها ملحد فأهلها أهل إيمان ودين
ولايحكمها الشيوخ فمكانهم بين الناس وفوق المنابر….
هذه البلاد يحكمها أهل علم وإختصاص وإخلاص وطهارة يد وقلب يحكموها مراعاة لله فينا هذا هو الدرس الذى لانريد أن نستوعبه !






