مقامات الصوفية (14)
في روايات نجيب محفوظ خاصة المتأخرة يمكن ملاحظة أنه دائمًا في حالة من البحث عن الزمن المفقود.. محفوظ لا يروي الأحداث بقدر ما يستعيد (فلاش باك) ويمر عبر ذاكرة ووجدان الحارة ويغوص في ماضيها

الزمن بين الكشف والذاكرة
التحول الحقيقي في السرد الحديث بدأ حين تغيّر تصور الإنسان للوقت، وقتها فقط تغيّرت معه طريقة الحكي، ورغم أن الزمن في البدايات كان يتم التعامل معه باعتباره خطًا مستقيمًا يمتد من بداية إلى نهاية، إلا أن المتابع للتجديد السردي المستمر سيلتقط أنه صار طبقات متراكبة من الإدراك، لحظات تتكثف ثم تنفتح، ووعيًا يتقدم ويتراجع في آن واحد، هذه النقلة التي تبدو حديثة في ظاهرها لها جذورها العميقة التي تمتد إلى تصور صوفي للزمن كان يرى اللحظة بوصفها موضع الكشف لا مجرد وحدة قياس.
ففي التجربة الصوفية لا يُفهم الوقت باعتباره تعاقب ساعات وأيام، الوقت هناك حالة وحالًا؛ فالوقت سبب للوصول غلى المعنى الكبير الذي يبحث عنه الصوفي، لذا فهو حالة، وإذا ما وصل الصوفي لذلك المعنى الكبير فهذا يعني أنه صار صاحب حال.. فاللحظة قد تختصر عمرًا كاملًا إذا انكشف فيها المعنى.
الآن الزمن الحقيقي
لذلك ترد في التراث عبارات تشير إلى قيمة “الآن” بوصفه مجال الحضور الحقيقي. في الرسالة القشيرية لـ أبو القاسم القشيري نجد إشارات واضحة إلى أن الوقت هو ما أنت فيه لا ما مضى ولا ما سيأتي، إذن هناك حالة إدراك أن الزمن هنا حالة داخلية يعيشها السالك وقيمة هذا الزمن تكمن في تكثيف اللحظة المعيشة.
وهذا التصور يختلف جذريًا عن الزمن السردي التقليدي الذي يقوم على التتابع السببي؛ فالرواية الكلاسيكية تبني حبكتها على تقدم منطقي للأحداث، وكل واقعة تقود إلى أخرى حتى تبلغ الذروة ونقوم بحل المشكلة أو الأزمة الخاصة بالرواية.. والزمن يكون فيها محايد تقريبًا، مجرد مسار تتحرك عليه الوقائع؛ غير أن الرواية الحديثة قلبت هذه المعادلة حين جعلت الزمن ذاته موضوعًا للتجربة.

الزمن المفقود
في روايات نجيب محفوظ خاصة المتأخرة يمكن ملاحظة أنه دائمًا في حالة من البحث عن الزمن المفقود.. محفوظ لا يروي الأحداث بقدر ما يستعيد (فلاش باك) ويمر عبر ذاكرة ووجدان الحارة ويغوص في ماضيها ليستطيع أن يدرك من خلاله الحاضر، وكأن الزمن يتكثف في لحظة واحدة ثم يتشعب إلى طبقات، وهذا البناء يقارب مفهوم الكشف الصوفي حيث تصبح اللحظة بابًا لامتداد أفقي لا نستطيع قياسه بالأيام أو بالساعات لكن بمدى تذكرنا للماضي فالزمن يبدو دائريًا أكثر منه خطيًا، والشخصيات تعود إلى ذواتها باستمرار..
قال نجيب محفوظ عن الزمن إنه مغري يغريك بالعيش وخوض التجارب؛ وأضاف في أحد اللقاءات التليفزيونية أن الزمن نوعان تاريخي ونفسي؛ التاريخي هو الزمن الواقعي الذى يتقدم فيه الإنسان إلى الأمام ويؤثر فيه؛ يعني لو أن رجلا أحب مرتين فلا بد للمرة الأولى أن تؤثر في الثانية بطريقة ما.
أما الزمن النفسى فهو الزمن الذي يقع بين الإنسان ونفسه حال خروجه من دائرة التاريخ والوقت كأن ينعزل إنسان ما بنفسه عن العالم ويقرر الخروج من دائرة الوقت الواقعية.
وهذا كان واضحًا بالطبع في روايات محفوظ، والآن دعونا نفصل اكثر في الزمن عند محفوظ لتظهر الفكرة.. الزمن الصوفي عند نجيب محفوظ هو زمن نفسي داخلي، يتجاوز الوقت الواقعي (الخطي) إلى لحظات التأمل، العزلة، والسكينة الروحية، ويظهر كأداة لبطل الرواية للهروب من الواقع أو البحث عن العدالة والحقيقة. تجلى هذا الزمن بشكل خاص في “الحرافيش” عبر شخصيات كعاشور الناجي الذي يتجاوز الموت بالفناء الصوفي، وفي “اللص والكلاب” كإنسحاب من صخب الحياة.
ومن أهم ملامح الزمن الصوفي لدى محفوظ:
الهروب من الزمن التاريخي: استخدامه كزمن نفسي يقع بين الإنسان ونفسه عند الخروج من دائرة الوقت الواقعية.
عزلة البطل: يمثل الزمن الصوفي لحظة راحة في خضم معركة الحياة، حيث ينكفئ البطل على نفسه.
غياب الموت (الفناء): في “ملحمة الحرافيش”، يعد الاختفاء في التكية أو “الخانقاه” نوعاً من الهروب من الموت، حيث يصبح البطل “الغائب الحاضر”

تأمل الروح والمصير: لا يهدف إلى الرهبنة، بل هو “أن تخوض غمار الحياة حاملاً الله في قلبك.
البحث عن العدل: يتمثل في شخصيات المتصوفة الذين ينحازون للفقراء والضعفاء، متجاوزين الوقت المادي.
تتأثر هذه الرؤية بالتراث الصوفي الغني الذي استخدمه محفوظ كأداة لغوية وفلسفية في الكثير من أعماله حتى صار بنية دالة على كثير من نصوصه، ومن زاوية تحليلية يمكن القول إن الرواية الحديثة استعادت من التصوف فكرة أن الزمن تجربة، فحين يصبح الإدراك مركز السرد يتغير إيقاع الحكي: (الفلاش باك، تيار الوعي، الاسترجاع) كلها تقنيات تعكس انكسار الخط الزمني المستقيم فالسرد يتحرك وفق منطق الذاكرة لا وفق منطق الساعة.
الشعور الداخلي بالزمن
القارئ المعاصر يختبر هذا الشكل لأنه يعيش الزمن بالطريقة نفسها؛ حياته لا تتقدم بانتظام بل تتشكل من لحظات كثيفة تتباعد بينها فترات عادية، وأهم ما في التجربة الإنسانية عمق لحظاتها، هذا العمق الذي نجحت الرواية الحديثة في التقاطه، فالرواية الحديثة نجحت لأنها التقطت هذا الشعور الداخلي بالزمن، وهو الشعور الذي عالجه التصوف حين جعل اللحظة موضع الكشف.
بهذا المعنى يصبح الانتقال من الوقت بالمفهوم الصوفي إلى الرواية الحديثة انتقالًا في الرؤية؛ فلم تُنقل المصطلحات الزمنية بل انتقلت الحساسية في التعامل مع الزمن والشعور به؛ وأصبح الزمن شيئًا يُعاش، وباتت الحكاية سجلًا للأحداث يخترع مساحة يلتقي فيها الماضي بالحاضر في لحظة إدراك.
ورد المقام أن اللحظة التي ينكشف فيها المعنى أوسع من عمر كامل يُعاش في غفلة، وأن الرواية حين فهمت هذا السر تغيّر وجهها إلى الأبد.






