قصة الفانوس؟
في العصر الحديث دخلت الفوانيس البلاستيكية والموسيقية المستوردة إلى الأسواق، ما أثر في الصناعة التقليدية، إلا أن الفانوس اليدوي ظل رمزاً ثقافياً أصيلاً، مع عودة الاهتمام بالصناعات التراثية

قصة فانوس رمضان من مصباح في العصر الفاطمي إلى تقليد صانع البهجة في رمضان
يُعدّ فانوس رمضان أحد أبرز الرموز الشعبية المرتبطة بالشهر الفضيل، ولا سيما في مصر، حيث يحتل مكانة خاصة في الوجدان الجمعي. ومع اقتراب رمضان، تتزين الأسواق والشوارع بأشكال الفوانيس المضيئة، في مشهد يعكس أجواء البهجة والترقب، حتى بات اقتناؤه طقساً سنوياً يعلن بدء الاستعداد الروحي والاجتماعي للشهر الكريم.
جذور تاريخية
تعود أصول الفانوس إلى العصور التي سبقت الكهرباء، إذ استُخدم وسيلةً للإنارة ليلاً، قبل أن يتحول تدريجياً إلى رمز احتفالي. ويرجّح لغويون أن كلمة “فانوس” ذات أصل يوناني بمعنى المصباح أو المشعل، وانتقلت إلى العربية عبر القبطية أو عبر الاحتكاك بالحضارة البيزنطية، مع احتفاظها بدلالتها الأساسية كمصدر للضوء المحمي من الرياح.
وتجمع روايات تاريخية على أن ارتباط الفانوس برمضان بدأ في العصر الفاطمي. فبحسب ما يورده مؤرخون، خرج المصريون لاستقبال الخليفة المعز لدين الله الفاطمي لدى دخوله القاهرة في الخامس من رمضان عام 362هـ (973م)، حاملين الفوانيس والمشاعل في موكب احتفالي امتد من الجيزة إلى قصره. ومنذ ذلك الحين، اقترن الفانوس بالشهر الكريم.
روايات أخرى تشير إلى أن الفوانيس استُخدمت خلال جولات الخليفة لمراقبة هلال رمضان، أو بأمر لتعليقها في المساجد طوال ليالي الشهر، فيما تربط قصة أخرى ظهوره بدور المسحراتي، إذ كان الأطفال يسيرون خلفه حاملين فوانيسهم مرددين الأناشيد. كما تُروى حكاية عن الحاكم بأمر الله الذي سمح للنساء بالخروج ليلاً في رمضان بشرط أن يسبقهن غلام يحمل فانوساً.
ويذكر المؤرخ تقي الدين المقريزي أن المصريين قبل الفتح الإسلامي عرفوا أشكالاً مشابهة للفوانيس في احتفالاتهم، ما يعكس امتداد فكرة الإنارة الاحتفالية في الثقافة المحلية.
تطور الصناعة
في العصر الفاطمي صُنعت الفوانيس من المعادن والزجاج وأضيئت بالشموع أو الزيت. ومع العصر المملوكي، استلهمت أشكالها من العمارة الإسلامية وزُينت بالزخارف الهندسية والخطوط، فيما شهدت ازدهاراً أكبر في العهد العثماني مع إدخال الزجاج الملوّن.
وخلال القرن العشرين تحولت صناعتها إلى حرفة شعبية في أحياء القاهرة القديمة مثل السيدة زينب والغورية والحسين، حيث اشتهرت الورش بإنتاج الفوانيس اليدوية من الصفيح والزجاج. وتطورت لاحقاً بإضافة البطاريات بدلاً من الشموع مع الحفاظ على الطابع التراثي، وظهرت أشكال شهيرة مثل “أبو شمعة” و”المخمس” و”الصاروخ”.
بين التراث والحداثة
في العصر الحديث دخلت الفوانيس البلاستيكية والموسيقية المستوردة إلى الأسواق، ما أثر في الصناعة التقليدية، إلا أن الفانوس اليدوي ظل رمزاً ثقافياً أصيلاً، مع عودة الاهتمام بالصناعات التراثية.
ومع التطور الرقمي، ظهرت تطبيقات تتيح للأطفال تجربة الفانوس افتراضياً، كما دمجت بعض التصاميم الحديثة بين النحاس والزجاج ولمبات “LED”، في توازن بين الأصالة والابتكار.
وهكذا، ظل الفانوس عبر القرون أكثر من مجرد وسيلة إنارة؛ تحول إلى أيقونة رمضانية تعبّر عن الفرح الجماعي واستمرارية التراث، من شوارع القاهرة الفاطمية إلى فضاءات التكنولوجيا الحديثة.





