مقالات

حرية العقيدة بين إرادة الله وإرادة الفقهاء

لا يوجد نص قرآني واحد ينص على قتل المرتد، بل كلها وعود بعذاب الآخرة: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا

مشاركة:
حجم الخط:

بقلم: محمد زكي

وجود التناقض

إشكالية التيار الفقهي في حرية العقيدة للمسلمين سببها عدم القدرة على التوفيق بين النص القرآني: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}، وبين النص المنسوب للنبي الكريم: “من بدل دينه فاقتلوه” (صحيح البخاري).

كل النصوص القرآنية تتحدث عن حرية العقيدة وتمنح الإنسان حق العبادة مختاراً: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ}.. تبيح الكفر وتقبحه وتتوعد الكافر عذاب يوم أليم وناراً خالداً فيها وساءت مستقراً ومقاماً.. وتزين الإيمان وتحث عليه وتعد المؤمنين جنات عرضها السماوات والأرض لهم فيها ما يشتهون.

لا يوجد نص قرآني واحد ينص على قتل المرتد، بل كلها وعود بعذاب الآخرة: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا} (النساء: 137). {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خالدون} (البقرة: 217).

أتى النص القرآني بوجوب معاقبة مرتكبي جرائم أخرى أقل شأناً كالزنى وقذف المحصنات والسرقة والحرابة.. ولا شك أنه لا يعدل الكفر ذنب.. ولا يعقل وجود عقوبة لأكبر الجرائم (الكفر) ويغفله الله -سبحانه- ويذكر ما دون ذلك.

محاولة التوفيق
حاول التيار الفقهي كثيراً التوفيق بين النصين الإلهي والنبوي.. فلم يكن توفيقاً بقدر ما كان تلفيقاً.. وتناسوا تماماً أن النص القرآني يعلو على ما عداه.. وأن النص النبوي لا يصح ثبوته إذا خالف متنه النص القرآني.. ولكنهم يتغاضون عن ذلك مثبتين صحة النص النبوي بصحة سنده فقط.. لأنهم لو أنكروا صحته لحكموا بتجريح الرواة.. ولو جرحوا الرواة لعرضت كل الأحاديث التي رووها على الميزان.. ولهذا فضلوا التمسك بحد الردة بتأويل النص القرآني وتحميله ما ليس فيه ليوافق الحديث الموضوع يقيناً.. ليحكمنا حد خرج من أفواه الرواة ولم ينزل به الروح الأمين.

أقرت التيارات الفقهية بحرية العقيدة لغير المسلم، فإن شاء أسلم وإن شاء بقي على دينه.. لكنها تمسكت بحديث قتل المرتد وأقرت حداً بحديث يخالف كل آيات القرآن المقرة بحرية العقيدة لكل البشر، بلا تخصيص أو تمييز، متعللة بصحة السند.. واستمروا في محاولة التوفيق فقالوا باستتابة المرتد.. واختلفوا في مهلة الاستتابة.. فجاء أقلها ثلاثة أيام عند البعض وأكثرها حتى آخر العمر عند البعض.. وعند النوع الأخير القائل بالاستتابة حتى آخر العمر ينتفي القتل عملياً، وهناك نوع ثالث ربط المهلة بإمكانية العودة للدين حيث تظل الاستتابة ما دام يرجى عودته، ويقتل متى تيقنوا عدم العودة.. وستظل الإشكالية قائمة ومحاولات التوفيق الفاشلة مستمرة، وستظل العقول والقلوب غير مطمئنة طالما بقي هذا الحديث الموضوع حاكماً في القضية وطالما بقيت أقوال السلف فوق كلمة الرب.

استمرار التناقض
لو سلمنا جدلاً بصحة حد الردة ودون الخوض في كل الأسباب التي ذكرها سابقون تفنيداً لهذا الحد ونفياً له، سنجد أنفسنا أمام إشكاليات جديدة:

هل حد الردة مطهر للذنب؟
كل الحدود مكفرات ومطهرات من الذنب، فهل قتل المرتد (حداً لردته) يدخله الجنة وقد مات على كفره بربه؟ لا أعلم في السابقين من قال بدخول الكافر الجنة إلا من قالوا بفناء النار ودخول كل البشر الجنة كابن القيم وأستاذه ابن تيمية ومن نهج نهجه من الفقهاء مستندين إلى فهم بعض الصحابة لقوله تعالى: {لَّابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا} (النبأ: 23).

لماذا يسقط حد الردة بتراجع المرتد؟
كل الحدود في الإسلام لا تسقط عن فاعلها إن ثبت عليه جرمه بالاعتراف أو الشهود العدول. والحدود نوعان: حدود عن أفعال انقضت ولا يمكن تداركها كالزنى وقذف المحصنات، وحدود عن أفعال يمكن تداركها والرجوع عنها مثل السرقة والردة، فهل إرجاع المسروقات يعفي السارق من الحد؟ قال رسول الله ناهراً أسامة بن زيد عندما تشفع للمخزومية: “أتشفع في حد من حدود الله؟. ولم يشرع لنا رسول الله عودة المسروق درءاً للحد وهو أكثر البشر رحمة بهم، فهو القائل: “ادرؤوا عن أمتي الحدود بالشبهات ما استطعتم”. فمن أين أتى إسقاط حد الردة بالتراجع؟

الاحتكام إلى الله
عندما يصبح الرواة حجة على صحة الحديث، وعندما يصبح الحديث حجة على القرآن رغم المخالفة الواضحة، ليس أمامنا إلا الاحتكام للخالق -عز وجل- لنتعلم منه فهو معلمنا الأول: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا}، {عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ}، وفي رحابه كانت القصة الأولى.

الله لم يقتل إبليس
قصة خلق آدم هي أول قصة في التاريخ البشري، وهي محل اتفاق الديانات السماوية الثلاث، فيها خُلق الإنسان الأول والكافر الأول والسكن الأول والتكليف الأول، وفيها تتجلى إرادة الله -سبحانه وتعالى- في خلقه.

فعندما خلق الله آدم وأمر الملائكة بالسجود فعصى إبليس ربه وامتنع عن السجود: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}؛ فكان بذلك أول كافر نعرفه وقد كفر بعد إيمان فقد كان من الجن الطائعين المخلصين لربهم حتى أصبح في منزلة تقارب الملائكة. أي أنه ارتد عن عبادة الله، فماذا فعل الله بأول مرتد نعرفه؟ هل قتله؟ هل قبضه؟ هل أودعه الجحيم؟ لا، بل استجاب له ربنا وأمد له في عمره وتركه ليوم الفصل: {قَالَ أَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ}. هل تركه عن ضعف أو عدم قدرة؟ بل هو القوي القدير الفعال لما يريد. بل أراد الله أن يستوفي كل مخلوق أجله حتى يأتي يوم الفصل ويقيم الله الميزان بالقسط: {يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ ۚ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (الإنسان: 31).

ما فعله خالقنا ومعلمنا الأول مع أول مرتد نعرفه عكس حد الردة تماماً، فقد أطال في عمره حتى يوم البعث.

محاكمة إبليس وحق الدفاع عن النفس
عندما امتنع إبليس عن السجود سأله ربنا وهو العليم الخبير: {قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ} (ص: 75). {قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ} (الحجر: 33). {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} (الأعراف: 12).

سأل ربنا سبحانه وتعالى إبليس وهو يعلم الإجابة، وأتى السؤال متضمناً لها فكان سؤالاً استنكارياً توبيخياً لا استفهامياً، فَلِمَ كان السؤال مع العلم بالإجابة؟
لقد حكم ربنا سبحانه وتعالى على نفسه بالعدل فكان سؤاله إقراراً وتعليماً لنا بحق الدفاع عن النفس، فقد منح ربنا بسؤاله إبليس حق الدفاع عن النفس حتى يقيم على نفسه الحجة، فكانت إجابته إقراراً بكفره واستكباره، فكان عقابه الخروج من منازل المؤمنين: {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ} (الحجر: 34-35).

حق الغواية
لعن الله إبليس وأخرجه من الجنة وأمد عمره إلى يوم الدين، فتوعد إبليس آدم وذريته بالغواية حتى يضلوا عن خالقهم: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} (الحجر: 39-40).

أقر الله لإبليس غوايته لآدم وذريته وتوعده بجهنم ومن تبعه: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} (الإسراء: 64). {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} (الأنعام: 112). {وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ} (الحجر: 43).

تكافؤ الفرص
لم يترك الله آدم وذريته فريسة لغواية إبليس فختم قصة آدم في سورة البقرة بقوله تعالى: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}، فكانت رسله ورسالاته من وقت لآخر تنير الطريق لبني آدم إلى الله، وكذلك منح الله آدم وذريته التوبة وهي أجمل عطايا الله لعباده على الأرض فختم قصة آدم في سورة الحجر بقوله تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} (الحجر: 49-50)، فقدم المغفرة والرحمة على العذاب الأليم ونسب لذاته المغفرة والرحمة فسمى ذاته الغفور الرحيم ولم يسمها المعذب المؤلم.

في مقابل حق الغواية والعمر المديد لإبليس أعطى الله لآدم وذريته الرسل والتوبة.

حد الردة خروج على إرادة الله
بعد تأمل قصة آدم وما فعله الله معلماً إيانا مراده في خلقه، يصبح إكراه أي مسلم على البقاء الظاهري على إسلامه تزيداً على الخالق وعبثاً بإرادته.

وختاماً أقول لهؤلاء المتعسفين والمصرين على حد الردة: وحدهم عبدة الأوثان والأصنام هم من يدفعون عن آلهتهم الأذى ويجبرون الناس على عبادتها، لكننا نعبد إلهاً فعالاً لما يريد ولو شاء فعل: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} (الأنعام: 112). {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ} (يونس: 99). {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} (هود: 118).

فيا عباد الله لا تعبثوا بإرادة الله ولا تتقربوا إلى الله بمخالفته.

شارك المقال: